من حيث صدر ذلك الأنين الخفيف، كان الثعلب ذو الذيلين جالساً يهز ذيله الملتحم، بينما اختفت قطع اللحم التي كانت في الوعاء أمامه منذ وقت طويل.
قال إي هيون بنبرة يملؤها الذهول
“لماذا تصر على تناول طعامك في غرفتي؟”
“يبدو أنه لا يستطيع الأكل براحة في المكان الذي توجد فيه ياكسون.”
كانت مو ليان ، شقيقة مو وون وتلميذة سيد جناح اليشم السماوي ومريضة ياكسون أيضاً، تزور إي هيون في مقره حالياً؛ حيث كانت تقيم مع ياكسون في الجناح الذي خصصته عائلة بانغ لهما.
أخرجت مو ليان إحدى الحبوب البيضاء من الصندوق الخشبي الذي سلمه لها إي هيون، وتفحصتها ثم أومأت برأسها
“على أي حال، سأجري بحثي عليها وأخبرك بالنتيجة فور ظهورها.”
“شكراً لكِ يا مو ليان.”
“هذا لا يقارن بما فعلته من أجلي أيها السيد الشاب لقد كنت في عداد الموتى لولا مساعدتك سأبذل قصارى جهدي أيضاً بخصوص الطلبات الأخرى التي طلبتها مني.”
“أنا أعتمد عليكِ.”
وبينما كانت موك ليان تهم بإعادة الحبة البيضاء إلى الصندوق بعد انتهاء حديثهما، لمعت عينا الثعلب الصغير فجأة وتشبث بذراعها.
“كيانغ!”
“أوه؟!”
أفلتت الحبة من يد مو ليان وتدحرجت على الأرض.
وقبل أن يتمكن أي منهما من فعل شيء، انقض الثعلب عليها والتقطها بفمه فزع إي هيون وأمسك بالثعلب محاولاً فتح فمه
“أيها الصغير، لا تفعل! ابصقها! هيا.. ابصق!”
“كنغ! كييييييينغ.”
ورغم إمساك إي هيون بوجهه، رفض الثعلب الصغير بعناد فتح فمه، وفي النهاية ابتلع الحبة دفعة واحدة شحب وجه إي هيون
“أيها الثعلب الأحمق! أظننت أنها مجرد وجبة خفيفة؟!”
الحبة التي ابتلعها الثعلب كانت هي ذاتها الحبة البيضاء التي كانت بحوزة رجل العصابات في قرية غوبيوك.
بدت مو ليان مرتبكة تماماً وهي تلوح بيديها في الهواء ولا تعرف ماذا تفعل
“سـ.. سآخذه إلى ياكسون فوراً لا أعلم إن كانت تعالج الثعالب أيضاً، ولكن..”
“أرجوكِ.. افعلي.”
“حاضر، حاضر.”
وبينما كانت مو ليان تحمل الثعلب الصغير، التفتت فجأة نحو الباب
“آه، يبدو أن لديك زائراً سأستأذن الآن.”
التفت إي هيون ليرى بانغ سوول واقفاً هناك.
“…….”
أومأ بانغ سوول برأسه بخفة، فبادلت مو ليان التحية بوقار وهي تحمل الثعلب، ثم انسحبت بسرعة.
بسبب هذه الفوضى القصيرة، بدأ إي هيون يرتب المكان بإرهاق؛ فجمع الرسائل التي وصلت إليه وحفظها مكتب الرسائل أثناء غيابه عن عائلة بانغ، وجمع أدوات الكتابة والورق التي كان قد أخرجها.
خلال ذلك، ظل بانغ سوول واقفاً عند عتبة الباب يحدق في الفراغ.
انتهى إي هيون من ترتيب الطاولة ثم رفع رأسه
“ماذا تفعل هناك واقفاً كالمذهول؟ ادخل.”
“هه، من يراك يظن أن هذا الجناح ملكك.”
آه.
تذكر إي هيون فجأة أن الغرفة التي يقيم فيها تقع داخل الجناح الخاص ببانغ سوول.
منذ وصوله إلى هنا، ذهب بانغ سوول إلى كهف قمه ذهبيه، ومنذ ذلك الحين وهما يتنقلان في الخارج معاً، فلم يتسنَّ له إدراك هذا الأمر.
وهذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها به بمفرده منذ مواجهة نهاية الكسل؛ إذ لابد أن بانغ سوول كان منعزلاً ليصهر طاقة حبة الاحياء داخل جسده.
“على أي حال، ألم تأتِ لأن لديك ما تقوله؟”
قال الخادم المخصص لخدمة إي هيون بأدب
“هل أحضر الشاي؟”
“نعم، أرجوك.”
بمجرد خروج الخادم، خطا بانغ سوول خطوات واسعة وجلس أمام الطاولة بحدة، لكنه عقد ذراعيه وأدار وجهه ونظره إلى جهة أخرى تماماً.
قال إي هيون بتعجب
“ماذا تفعل يا سيد عائلة بانغ الأكبر؟”
“أخبرني والدي أن أقوم على خدمتك وتلبية طلباتك لبضعة أيام.”
“ماذا؟”
أطلق بانغ سوول تنهيدة عميقة
“قال بما أننا حصلنا على حبة الاحياء ،وأنت الآن لست في حالة جسدية جيدة، فيجب عليَّ القيام بهذا القدر على الأقل.”
“جسدك أنت هو المتضرر أكثر مني، أما بخصوص الخدمة، فالأشخاص الذين يعملون في عائلة بانغ يقومون بذلك بالفعل.”
“هذا ما قلته أيضاً..”
كاد بانغ سوول أن يكمل تذمره بشكل طبيعي، لكنه صمت فجأة.
“…….”
“…….”
ساد الصمت للحظات وكأن كلاً منهما يبحث عن كلمات ليقولها.
أحضر الخادم الشاي والمرطبات ووضعها أمامهما.
قال بانغ سوول
“سأناديك إذا احتجت إليك، يمكنك الانصراف.”
“أمرك أيها السيد الشاب.”
بعد خروج الخادم، هز إي هيون كتفيه
“على أي حال، أشكر سيد عائلة بانغ على كلماته، لكني لا أحتاج لخدمتك لا أعرف حتى ماذا قد أطلب منك أن تفعل.”
“…… رغم قولك هذا، يبدو أنك تستغلني وتأمرني هنا وهناك كعادتك دائماً.”
أكان الأمر كذلك؟ حسناً، بما أن بانغ سوول شخص موهوب، فغالباً ما كان إي هيون يطلب مساعدته كلما وقعت حادثة ما.
“آه، تذكرت، كان لدي شيء لأعطيك إياه جاء هذا في وقته.”
تجاهل إي هيون نظرات بانغ سوول المستغربة وتوجه نحو خزانة التخزين، ثم أحضر شيئاً ووضعه على الطاولة.
طاخ.
“…… هذا.”
ما أحضره إي هيون كان تمثال القربان المقدم للأفعى ؛ ذلك التمثال الذي يحتوي على لوحة الشفرة التي تقود إلى حديد النيزك
تذكر إي هيون شعوره عندما رأى هذا التمثال معلقاً بإهمال على سرج تشونغ وول وكأنه وصية، فأصبح صوته حاداً دون وعي
“هل ظننت أن أحداً سيسعد بترك شيء كهذا خلفك وكأنه إرث؟ إنه ملكك، فخذه.”
ضاق ما بين حاجبي بانغ سوول عند سماع ذلك
“إرث؟ ما هذا الفأل السيئ الذي تتحدث عنه لقد ربطته في مكان آمن فحسب حتى لا يضيع، فهو شيء ثمين.”
“كنت تنوي البقاء وحيداً وسط الأعداء بجسد يسري فيه سم شل القوى.”
“ومن هو الشخص الذي عاد بتهور رغم أنه لا يجيد التلويح بسلاح؟ حتى انتهى به الأمر بفتح ثقوب في كلتا يديه.”
“آه، حسناً، أنا آسف لأنني تسببت في فتح ثقوب في يد صديقك العزيز!”
“…….”
عندما صمت بانغ سوول، شعر إي هيون بالندم فوراً.
‘.. سأجن، ماذا أفعل الآن؟’
لم يكن ينوي قول كلمات كهذه.
تصبب عرق خفيف من يديه.
“…… هل تظن أن دماءً سوداء هي ما تجري في عروقي؟”
“ماذا؟”
عندما حدق إي هيون فيه، عض بانغ سوول شفتيه، ثم أخرج الكلمات بصعوبة بالغة
“أنا أيضاً بشر وحين قلت إنك فتحت ثقوباً في يدك، لم أكن أقصد ذلك المعنى الـ—.”
“…….”
حرك إي هيون شفتيه عدة مرات قبل أن يغمض عينيه بشدة ويمسح فمه بيده.
وبعد صمت قصير، تسرب من بين شفتيه صوت خافت متهالك
“…… أنا آسف ، لقد زل لساني أعتذر منك.”
تصلب كتفا بانغ سوول للحظة أمام اعتذار إي هيون الصريح، ثم سرعان ما أرخى جسده وأنزل رأسه ببطء
“شكراً لك لأنك أنقذت حياتي.”
“…….”
“لقد أتيتُ لأقول لك هذه الكلمة.”
لماذا يحدث هذا؟ شعر إي هيون أنه يجب أن يرد بشيء ما، لكن لسانه الذي كان عادةً ينزلق بسلاسة وكأنه مدهون بالزيت، لم يتحرك الآن.
استأنف بانغ سوول كلامه
“لقد قلتَ سابقاً، إنك تطلب مقابل تعاونك أن أعاملك كإنسان على الأقل.”
“…….”
“لقد فكرتُ طويلاً، واليوم توصلتُ إلى قرار لذا، من الآن فصاعداً، لن أناديك بالشيطان بل سأناديك بإيـ—.”
قاطعه إي هيون بسرعة البرق وكأنه يقطع كلامه بسكين
“مناداة اسمي تكلف مئة ليانغ من الذهب هل نسيت؟”
تغيرت تعابير وجه بانغ سوول من الذهول إلى الانزعاج التدريجي
“أهذا ما تقوله الآن حقاً؟”
“نعم، اسمي غالٍ، لذا لا تنادِه هكذا فحسب فحتى لو كنت السيد الأكبر لعائلة بانغ، لن تكفيك أموالك الشخصية لدفع الثمن.”
عندما تفوه إي هيون بهذا الهراء، أطلق بانغ سوول ضحكة فاترة ملؤها الذهول
“ألم تكن أنت من طلب أن أعاملك كإنسان؟ هل تريدني أن أعود لمناداتك بالشيطان؟”
“نعم، هذا أفضل بكثير.”
“ما الذي تحاول فعله حقاً؟”
حقًا… لا أعرف حتى أنا ما الذي أحاول فعله.
“…… ما أريد قوله هو أنك لست مضطراً لفعل هذا لمجرد شعورك بأنك مدين لي.”
“ماذا؟”
“هذا الجسد ملك لصديقك وفي ذلك الوقت.. حسناً، لأكون صادقاً، لقد كنتُ دنيئًا ففي النهاية، أنا أبدو أمام الآخرين كشخص ذي أخلاق جيدة.”
“هل تقول هذا عن نفسك وبكل ثقة؟”
“على أي حال، عندما يطلب شخص مثلي منك علناً أن تعترف به كإنسان، فبمجرد رفضك ستصبح أنت الشخص السيئ كنتُ أعلم ذلك ومع ذلك اشترطتُ عليك هذا الأمر مقابل تعاوني في طرد الأرواح، لذا.. لقد كنتُ دنيئًا لا تبتئس للأمر.”
تمتم بانغ سوول
“وكأنني سأستطيع تجاهل الأمر بسهولة.”
“…….”
دفع إي هيون التمثال مرة أخرى برفق نحو بانغ سوول
“على كل حال، خذ هذا معك.”
“أرفض ، احتفظ به أنت.”
“ماذا؟ ألم تسمع ما قلته؟ هذا التمثال يمكن من خلاله العثور على حديد النيزك —”
“لهذا السبب أريدك أن تأخذه أنا لا أحتاج إليه.”
وضع إي هيون إحدى يديه على خصره وفرك ما بين حاجبيه بإصبعه
“اسمعني يا سيد بانغ الأكبر لقد فقدتَ سيفك العظيم بالفعل، أليس كذلك؟ ستحتاج لصنع واحد جديد.”
“هل تبدو عائلة بانغ وكأنها تفتقر للأسلحة؟”
“لا، ولكن حديد النيزك لا ينمو على الأشجار حتى في عائلة بانغ! بما أنك ستصنع سيفاً جديداً، فمن الأفضل أن تصنعه من أجود المواد!”
رد بانغ سوول ببرود
“أنت هو الهزيل الذي يحتاج للاعتماد على قوة السلاح، أليس كذلك؟ لا تظن أنك ستستطيع الصمود للأبد بالاعتماد على فنون السموم فقط.”
“هذا شأني، أنا أتدبر أمري.”
“وهذا أيضاً شأني أنا، بصفتي السيد الأكبر لعائلة بانغ.”
“…….”
هذا الفتى لا يتنازل عن كلمة واحدة.
مسح إي هيون غُرته وأطلق تنهيدة
“حسناً، لنفعل هذا عندما نجد حديد النيزك في ساحة المعركة، سنقسمه بيننا بالتساوي هل هذا يحل المشكلة؟”
فكر بانغ سوول قليلاً ثم أومأ برأسه
“حسناً ، ليكن كذلك.”
مع هذا الرد، أخرج بانغ سوول شيئاً من جعبته ووضعه على الطاولة.
اتسعت عينا إي هيون؛ لأن ما وضعه بانغ سوول لم يكن سوى لوحة الهوية الخاصة به.
“لا أظن أن خدمة بسيطة لبضعة أيام ستفي برد دين حبة الاحياء لذا، خذها.”
“لقد قلت لك، لستُ بحاجة للوحات رد الجميل.”
“أتقول إنك لست بحاجة لها؟”
“حتى لو لم آخذ لوحتك، فلدي الكثير منها بالفعل، والاحتفاظ بها جميعاً أمر مزعج علاوة على ذلك، أنت ستساعدني حتماً مرة واحدة على الأقل حتى دون وجود هذه اللوحة لذا، لا داعي لها.”
التعليقات لهذا الفصل " 149"