بعد أن مرّ ذلك الشعور الرهيب كأن العالم يتداعى من حوله .
” … “
رمش إي هيون بعينيه ببطء .
كان يشعر وكأنه يتأرجح بين الحلم والواقع ، مثل غريق يرفع رأسه فوق سطح الماء ثم يغوص فيه مجدداً وحين هدأت موجة الدوار الشديد والذهول أخيراً ، استوعب إي هيون ما يراه أمامه متأخراً بخطوة .
” … كخ … ! “
أمام عيني إي هيون ، كان يقف الرجل الأعور وملامحه تفيض بالرعب .
ورغم أنه كان يوجه سيفه نحو إي هيون ، إلا أن نصل السيف كان يرتجف بشكل مثير للشفقة وحول إي هيون والأعور ، كانت الجثث متناثرة في كل مكان .
كانت تلك الجثث تشترك في أمر واحد : إبر مغروزة بدقة في نقاط قاتلة مثل مابين الحاجبين وبؤبؤ العين .
‘ لقد فعلها مانغ ريانغ . ‘
في تلك اللحظة عاد إليه الشعور بالغثيان والدوار ، لكن إي هيون أجبر نفسه على الصبر في الليلة الأولى في تلك النُزل التي وقعت فيها حادثة سيد قلعة سوك ، دخل إي هيون إلى عالم مانغ ريانغ وحصل على تعويذة سلب الروح .
حينها فكر في أن فصل الروح المستقرة في الجسد بشكل مصطنع هو أمر أصعب مما يتخيل ، فما دام الجسد حياً لا يمكن طرد الروح قسراً ولهذا السبب تتطلب تعويذة سلب الروح في الأصل طاقة داخلية هائلة لجعل المستحيل ممكناً .
لكن ، ماذا لو كان الأمر مجرد إخلاء للمكان لفترة وجيزة ، كخروج الروح المؤقت من الجسد ؟
تعتمد هذه التعويذة على خصائص الروح والجوهر التي تشكل نفس الإنسان .
فإذا تم فصلهما قسراً ، تصعد الروح إلى السماء ويتشتت الجوهر في الأرض ، مما يؤدي للموت .
وبما أن الجوهر هو مفهوم يمثل القوة الحيوية ، فكر اي هيون : إذا ترك الجوهر في الجسد تماماً وأخرج الروح فقط لفترة وجيزة ، أفلن يتمكن من استدعاء مانغ ريانغ إلى هذا الجسد ثم العوده إليه مجدداً ؟
يمتلك جسد الإنسان الحي قوة جذب قسرية تُعيد الروح المرتبطة بالجوهر إلى مكانها الأصلي وبقوة شديدة؛ تماماً كما يتخبط الغريق بحثاً عن نَفَس للهواء وبمعنى آخر، فإن النسخة المطورة من هذه التعويذة ليست إلا فن الصمود خارج الجسد ومقاومة تلك القوة القاتلة التي تحاول سحبه للداخل فوراً.
وعلى أية حال، كان من المستحيل على إي هيون بطاقته الداخلية المحدودة أن يُنفذ النسخة الأصلية الكاملة للتعويذة حتى نهايتها.
لذلك ، وفقاً لهذه النظرية ، فإن الوقت الذي يمكن لـمانغ ريانغ أن يمكث فيه داخل الجسد قصير جداً .
من وجهة نظر مانغ ريانغ ، كان الأمر كأن إي هيون يقول له
” سأخلي لك الغرفة لفترة قصيرة ، هل يمكنك المجيء ومساعدتي ؟ ” .
كان رهان إي هيون على استجابة مانغ ريانغ نوعاً من المقامرة ، لكنه توقع نسبة نجاح عالية ، فمن المؤكد أن مانغ ريانغ سيواجه مشكلة إذا مات هذا الجسد هنا كانت هناك مخاوف أخرى ، كونه ينفذ التعويذة لأول مرة وهي نسخة مطورة ، مما قد يؤدي لحدوث خطأ ما .
لكن لحسن الحظ ، تم تنفيذ التعويذة بنجاح واستجاب مانغ ريانغ للنداء ويبدو أن الإبر التي حصل عليها من النُزل قد استُخدمت بشكل مفيد .
… نعم ، كان كل شيء جيداً حتى تلك اللحظة ، لكن المشكلة بدأت بعد ذلك .
ظاهرياً ، لم تكن هناك أي إصابة ، لكن حالة جسده أصبحت أسوأ مما كانت عليه قبل تنفيذ التعويذة مباشرة لابد أن هذا كان نتيجة إجبار الجسد على القيام بحركات عنيفة لا يمكنه تحملها بعبارة أخرى ، داهمه ألم عضلي يمزق كامل الجسد وصدمة استنزاف الطاقة الداخلية في وقت واحد .
تسربت القوة من جسده وسال عرق بارد على طول عموده الفقري كان يشعر وكأنه سينهار على الأرض ويفقد الوعي في أي لحظة …
‘ أشبه بصدمة انخفاض السكر في الدم . ‘
لكن إق هيون شدّ على أسنانه لكي لا ترتجف أطراف أصابعه ، ولكي لا يسقط الإبرة التي يمسكها. فلو أظهر أي علامة غريبة هنا ، سينتهي كل شيء .
وقف إي هيون مكانه لفترة ، لم يكن قادراً على المشي ثم استجمع كل قوته المتبقية وخطا خطوة واحدة للأمام بصعوبة حينها انتفض الأعور فزعاً وتراجع عدة خطوات للخلف .
نظر اي هيون إليه وقال
” هل تريد الاستمرار ؟ “
” … “
” لا أمانع في ذلك . “
لا يمانع ؟ تباً ، كان يشعر أنه سيغمى عليه الآن لكنه لم يظهر أي أثر لذلك وابتسم ، متمنياً أن يراه ذلك الوغد ككلب مسعور في هذه اللحظة .
” لقد قتلتُ الكثير اليوم بالفعل ، وفقدتُ الرغبة في التسلية . “
” … لماذا ، لماذا ستتركني أرحل ؟ ! “
بدا أن صوت الأعور قد انكسر ، ربما بسبب التجربة القاسية التي خاضها بفضل مانغ ريانغ .
” أنا متقلب المزاج بطبعي لذا يمكنني تغيير رأيي في أي لحظة آه ، لقد غيرته لنستمر إذن . “
رفع إي هيون ذراعه الثقيلة كأنها تزن أطنان ببطء شديد بالنسبة له ، كان الرفع بطيئاً بسبب ضعف قوته ، لكن في عيني الأعور ، بدا وكأنه مجنون يفكر ببرود في كيفية طهي فريسته .
” … تشه ! “
في النهاية ، وبعد مراقبة حذرة ، استخدم الأعور مهارة خفة الحركة واختفى من المكان بسرعة .
ورغم أن الهدوء ساد المكان بعد اختفاء الأعور ، ظل إي هيون واقفاً مكانه لبرهة .
بصراحة ، لم يكن يملك ذرة قوة للتحرك ، ولأن الأعور قد يكون قريباً كما خشي أن يكون أحد الأعداء الملقين حياً وينتظر الفرصة ألقى بضع كلمات كطعم للتأكد ، لكن لم ينطق أحد من الجثث .
ترنح إي هيون وهو يمشي نحو بانغ سوول ، ووضع يده المرتجفة تحت أنفه
شعر بأنفاسه .
” … “
‘ إنه حي . ‘
كاد جسده أن ينهار عند هذا الخاطر ، لكنه تماسك .
كان يعلم أنه لو سقط الآن ، سيفقد الوعي تماماً خلع لي هيون رداء خيط الحرير السماوي من جثة القربان بصعوبة وارتداه فلو طارده أحد وأطلق سهماً ، كان عليه أن يحمي جسده بما أنه الوحيد القادر على الحركة ثم أغمض عيني الرجلين اللذين عانيا كقرابين .
” … أتمنى أن ترقدا بسلام . “
عاد إي هيون إلى بانغ سوول ، وبدأ يفصل ثياب نومه الملتصقة بالدم عن جروحه بعناية أخيراً ، انكشف الجرح تحت ضوء القمر كانت الإصابة في خصره عميقة ومروعة بشكل يدعو للذعر .
قام إي هيون بوضع مرهم الذهب الخاص بطبيب الأعشاب بسخاء على جرح الخصر وبقية الجروح .
تمنى لو كان لديه ضمادات حقيقية ، لكن بالطبع لم يكن يتوقع ذلك في هذا الموقف وبلا خيار ، استخدم خنجراً كان ملقى في الجوار لتمزيق طرف ثوبه وربط به جرح بانغ سوول بإحكام .
شعر بالقلق من حدوث عدوى ، لكن الأولوية الآن كانت لوقف النزيف وكسب الوقت .
بعد الانتهاء من الإسعافات الأولية ، حاول إي هيون رفع بانغ سوول بجسده المنهك ، فشعر بجسم صلب في صدره .
ظن أنه سيعيقه أثناء حمله ، ففتش صدر بانغ سوول وأخرجه اتضح أنه كيس البخور الذي كان بانغ سوول يرتديه دائماً يبدو أنه وضعه في صدره بعد استعادته من الرجل الذي دخل الكهف .
وضع إي هيون كيس البخور في صدره ، ثم استجمع كل قوته المتبقية وحمل بانغ سوول على ظهره وهو يترنح .
بصراحة ، لم يفهم كيف استطاع فعل ذلك كان يشعر أنه سيفقد عقله في أي لحظة ، وجسد دانغ سا هيون الحالي كان ضعيفاً جداً ولا يقوى على حمل أحد .
لكن كان عليه مغادرة المكان فوراً ، فبما أنه ترك الأعور حياً ، لا يعلم متى سيأتي المطاردون الآخرون .
يبدو أن الإنسان يظهر قوة خارقة في لحظات الخطر ، وكان إي هيون في تلك الحالة تماماً وهكذا ، بدأ يخطو خطوات بدت له كل واحدة منها كأنها مسافة ألف ميل .
‘ أريد الراحة أريد الاستلقاء هكذا فوراً . ‘
لكنه لم يستطع .
عليه أن يبتعد أكثر ، ولو قليلاً .
هذا جسد دانغ سا هيون ، وهو قد تحمل مواقف أكثر رعباً ويأساً لذا يمكنني أنا أيضاً تحمل هذا القدر .
لا يعلم كم مشى ، وبينما كان يهيم في الغابة وسط تعب شديد ، بدأ الفجر يلوح في الأفق المظلم .
تعمق شعوره بالإحباط ، فلم يجد بعد مكاناً مناسباً لإخفاء الجسد بأمان كان عليه أن يضع بانغ سوول ليرتاح .
وفي تلك اللحظة ، تعثرت قدم إي هيون بجذر شجرة لم يلاحظها .
” أووه ! “
طاخ !
لحسن الحظ، سقط إي هيون فوق بقعة تكسوها الأعشاب الكثيفة، لكن التعب داهمه فجأة حتى باتت جفونه ثقيلة كأنها تزن أطنانًا.
‘ لا، لا يجوز… إذا نمتُ الآن… ‘
شعر بوعيه يتلاشى ويتبعثر مع ذلك الإحساس الغائم، قبل أن يتجمع مرة أخرى.
وفجأة، استعاد رشده وفتح عينيه.
” … “
ياللمصيبة ظن أنه أغمض عينيه للحظة عابرة فقط، لكن ضوء الشمس كان قد بدأ بالفعل يتسلل من بين أوراق الشجر.
ولحسن الحظ، لم يكن الوقت ضحىً بعد؛ فبرودة هواء الصباح توحي بأن نصف ساعة فقط قد مضت على الفجر.
نهض إي هيون بجسد مثقل بالأوجاع.
‘ … بالحديث عن هذا، لقد ابتعدتُ كثيرًا عن المكان الذي افترقتُ فيه عن تشونغ وول . ‘
كان من الأفضل الانتظار في المكان الذي أرسل منه تشونغ وول ، لكن العودة إلى هناك تتطلب المرور من أمام القرية.
ومن المستحيل المرور من هناك بهذه الحالة التي وصلت بوضوح إلى أقصى حدودها؛ فمن المؤكد أن شخصًا ما يراقب الطريق.
لذا، لم يكن أمامه خيار سوى التوغل أكثر في الغابة بعيدًا عن تلك الساحة التي شهدت القتال.
ورغم أن وجود شخص بارع في تقفي الأثر في القرية قد يشكل خطرًا، إلا أن الغابة التي تحجبها الأشجار تظل آمنة أكثر من وسط الطريق المكشوف.
المشكلة الوحيدة الآن هي أن إي هيون لا يملك وسيلة لإبلاغ عائلة بانغ بمكانهم الحالي صحيح أنه يمتلك بخور تعقب العشرة آلاف لي، لكنه بالطبع من صنع عائلة دانغ في سيشوان، ولا يمكن لأحد تعقبه ما لم يكن من أفراد عائلة دانغ المدربين خصيصًا على ذلك.
‘ على أيّ حال، بعد أن أنقل بانغ سَوُول إلى مكانٍ آمن، سأعود وحدي — ولو اضطررت — إلى المكان الذي افترقت فيه عن تشونغ وول…’
بينما كان إي هيون يحاول النهوض مسرعًا، وقع نظره على قطع فضية منثورة على الأرض.
كانت تلك الفضة قد تسربت من كيس صغير يحتفظ به؛ وهو المال الذي أعطاه إياه بانغ سوول قبل التوجه إلى قمه الكهف الذهبي
لقد أحضر معه تحسبًا لأي طارئ، لكنه كان ينوي إعادته لبانغ سوول إن لم يحدث شيء غير متوقّع، ولذلك احتفظ به على حدة.
غير أنّه قبل لحظات، حين تعثّر وسقط، اندفعت تلك الحقيبة الصغيرة من كمّه، فتبعثرت القطع الفضّية على أرضيّة المكان
ولكن.
” … هذا . “
بدأ النمل يتجمع واحدًا تلو الآخر حول القطع الفضية.
‘ … لماذا يتجمع النمل على الفضة ؟ ‘
حدق إي هيون في الأرض مفكرًا للحظة، ثم رفع رأسه فجأة .
التعليقات لهذا الفصل " 133"