رغم أن صواعق السماء قد خمدت منذ أمد بعيد ، إلا أن دوي الرعد كان يزلزل الأرض بضجيج صاخب كان ذلك نتاج طاقة البرق التي ينثرها السيف المقبوض في يد بانغ سوول .
لم يحاول الأعداء الاقتراب من بانغ سوول ، بل كانوا يسعون لاستدراجه حتى يستنفد طاقته الداخلية وهذا يعني أن هؤلاء الرجال ليسوا مجرد هواة ، بل مقاتلون يعرفون حقاً أصول القتال ، وكيفية محاصرة الخصم وتضييق الخناق عليه .
” تشه . “
نظر بانغ سوول إلى السيف في يده بنظرة فاترة ، ونقر بلسانه مستاءً في داخله .
لو كان نصله المفضل معه لكان الوضع أفضل ، لكن هذا السيف كان نحيلاً وخفيفاً جداً مقارنة بالسلاح الذي اعتاد استخدامه .
علاوة على ذلك ، وبسبب بقايا سم تبديد الطاقة التي لا تزال عالقة بعناد داخل جسده ، لم تكن طاقته الداخلية تتدفق بسلاسة كما هي العادة كان ذلك الشعور محبطاً للغاية ، تماماً مثل محاولة دفع عربة قديمة صدئة مهملة لفترة طويلة بالقوة ، وهي تهتز وتتعثر مع كل حركة .
ربما بسبب الضربة القوية التي وجهها قبل قليل ، دخل الطرفان في حالة مؤقتة من الهدوء .
نظر بانغ سوول لفترة وجيزة نحو النيران البعيدة التي لم تخمد بعد ، ثم أطلق ضحكة ساخرة .
” يبدو أن مهاراتكم جميعاً جيدة جداً لدرجة لا تليق بمجرد حراس في قرية صغيرة كهذه … “
رفع بانغ سوول سيفه ببطء وأشار بطرف النصل نحو الرجال الواقفين أمامه .
” هل خبأتم ذهباً هنا مثلاً ؟ ها ؟ “
تحدث الرجل الأعور ، الذي يبدو أنه زعيم المحاربين الذين يحرسون مدخل القرية ، دون أن يحول نظره
” لا بأس حتى لو سقطت منه يد أو رجل فقط لا تقتلوه . “
” حاضر . “
عند سماع ذلك ، رفع بانغ سوول طرف شفتيه للأعلى .
” هوه ، تنوون الإمساك بي حياً ؟ “
ارتفع أيضاً طرف شفة الرجل الأعور الذي كان يتجاهل استفزازات بانغ سوول طوال الوقت .
” أنت مذهل حقاً رغم صغر سنك سأثني عليك . “
أشار الرجل الأعور بيده اليسرى نحو بانغ سوول وتابع
” براعتك القتالية دليل أصدق من لوحة الضيف الخشبية التي كانت بحوزة زميلك إنها دليل قاطع على أنك أنت تنين عائلة بانغ في هابوك ، الذي ذاع صيته كنت أظن أن صغار العائلات العريقة مجرد أغبياء لا يعرفون شيئاً عن القتال الحقيقي رغم عظمة أسماء عائلاتهم ، لكن علي أن أتراجع عن هذا الاعتقاد . “
” وماذا بعد ؟ هل علي أن أشعر بالامتنان لك مثلاً ؟ “
” شجاعتك مذهلة أيضاً في الحقيقة ، حتى قبل قليل ، كنت أحاول القبض عليك أيها السيد الشاب دون أن أصيبك بخدش واحد لكن يبدو أنني أدركت أخيراً أن هذا مستحيل تماماً . “
” … “
أمال بانغ سوول رأسه جانباً وهو يطلق ضحكة ساخرة مريرة
” لا أفهم الأمر ؟ أليس من الأفضل أن تتركوني أرحل – وأنا الذي يصعب الإمساك بي – وتضحوا بأحد أتباعكم كقربان أو أي شيء آخر ؟ إذا استمر الحال هكذا ، فسيموت المزيد من رجالك . “
” إذا تركناك ترحل من هنا ، فهل سنتمكن نحن من النجاة ؟ ستذهب وتخبر والدك بكل شيء ، أليس كذلك ؟ لذا ، حتى لو كان الموت مصيرك ، فعليك أن تموت هنا . “
” … “
” من المؤكد أنك تعاني من أثر سم تبديد الطاقة ومع ذلك ، فأنت أول من أراه يستطيع نثر كل هذه الطاقة القتالية في تلك الحالة على أية حال ، لا يمكننا البقاء هنا لمواجهتك إلى الأبد علينا ملاحقة ذاك الذي أفلت منا . “
” ها ها ها ! “
عندما أطلق بانغ سوول الهالة الضاغطة التي تميز عائلة بانغ ، تراجع الرجال للحظة بغير شعور .
أطلق بانغ سوول ضحكة خالية من الأمل ، ثم رسم على وجهه ابتسامة شرسة .
” جربوا إن كنتم تستطيعون في اللحظة التي تحاولون فيها مطارته ، ستموتون على يدي . “
” شخص لا يستطيع حتى تدوير طاقته الداخلية بشكل صحيح ، يجيد التحدث بغرور ! “
طاخ ! بوم !
بينما كانت قطع الحديد تتصادم وتومض أنوار السيوف ، بدأ اصطدام عنيف آخر بين الطرفين من جديد .
****
ركض إي هيون بجهد ، غير آبه بالألم الذي كان يعتصر صدره وكأنه يسحق رئتيه .
ربما لأن ساقي تشونغ وول كانت سريعة جداً ، فقد بدا طريق العودة وكأنها لن تنتهي أبداً ، وكأنه قطع مسافة شاسعة في ذلك الوقت القصير .
وبينما كان يركض في طريق جبلي ابتلعه الظلام الدامس دون أدنى بصيص ضوء ، تسلل شعور بالقلق مثل ثعبان بارد يزحف من أعماق قلبه .
هل تأخرت كثيراً ؟
تصصب العرق من كفيه المحكمتين .
كانت الكلمات التي قالها بانغ سوول في اللحظة الأخيرة تتردد في أذنيه دون انقطاع لقد كان طلباً صريحاً بأن يضمن نجاة دانغ سا هيون ، لكنه الآن يخون ذلك الطلب ويعود بنفسه إلى مهلكته .
” ربما لو التقينا بسلام ، سيغضب مني بشدة . “
لكن ذلك لم يكن يهِمّه .
فلو كان دانغ سا هيون مكانه ، لكان قد عاد إليه حتماً .
لا يعلم كم ركض وحيداً في هذا الظلام .
” هاك ! هاك … “
وبينما كان نَفَسُه يتقطع وكأن صدره سينفجر ، وصل اي هيون أخيراً إلى الطريق الفرعي المؤدي إلى القرية إذا صعد هذا الطريق ، ستظهر تلك القرية المحاطة بالمنحدرات .
ولكن .
” … “
لماذا ؟
انتابه شعور غريب بأن بانغ سوول ليس هنا وبدافع من غريزة غير عقلانية – على غير عادته – تجاوز اي هيون القرية واستمر في الركض .
وبعد أن تقدم قليلاً .
كـررررررر !
دوّى من بعيد هدير هائل كأنه يزلزل السماء والأرض .
لم يكن ذلك صوت رعد من السماء ، فالغيوم التي كانت تملأ الأفق قبل أن ينام قد انقشعت الآن كان ذلك الصوت حتماً هو زئير الرعد الناتج عن طاقة عائلة بانغ في هابوك .
” لا يزال حياً … ! “
لم يكن اتجاه الصوت من ناحية القرية التي تجاوزها ، بل كان ينبعث من الأمام ، في نفس الاتجاه الذي يركض فيه إي هيون لم يستطع تفسير كيف حزر ذلك منطقياً ، لكن حدسه كان صائباً .
لا بد أنه صمد أمام الأعداء بمفرده ، ثم تراجع تدريجياً ، بل ربما كان يستدرجهم في اتجاه معاكس للوجهة التي هرب إليها إي هيون .
” تباً ! “
ركض إي هيون مجدداً ، متتبعاً صدى رعد بانغ سوول وفجأة ، انقطع صوت الرعد الذي كان يسمعه قبل قليل تماماً .
” … “
تجمدت كتفاه وأطراف أصابعه وكأن ريحاً شتوية قد عصفت به شعر إي هيون بضيق في التنفس ، لكنه أجبر قدميه المرتجفتين على المضي قدماً .
ربما بسبب الركض الطويل بجسده الضعيف ، كان قلبه يكاد يقفز من صدره ، وتشوشت رؤيته حتى دارت به الأرض .
” لا ، لن يكون كذلك لابد أنه مجرد توقف مؤقت للقتال . “
تلك المشاهد المشؤومة التي تخطر بباله الآن …
مستحيل أن تحدث …
توقف إي هيون فجأة وهو يتلفت حوله ، ثم انحرف عن الطريق ليدخل إلى أعماق الغابة شعر بخدوش الأغصان الصغيرة والأوراق على جلده ، لكنه لم يكترث .
وبعد خطوات قليلة ، توقف إي هيون تماماً .
حبس أنفاسه وحدق بملامح متجمدة في الساحة التي تقع خلف الشجيرات في تلك الساحة الواسعة ، كانت هناك مجموعة من الناس .
أول ما وقع عليه بصره هو ظهر بانغ سوول الذي كان يوجه سيفه نحو الأعداء وبسبب القتال العنيف ، كانت ثياب نومه ملطخة بالوحل والدماء وممزقة في عدة مواضع .
ثم رأى رجلين ملقيين على الأرض .
كانا يمسكان بسيفيهما بإحكام حتى اللحظة الأخيرة ، وكأنهما قطعتان من الخشب لا حراك فيهما يبدو أنهما قد فارقا الحياة .
” … “
” هذان الشخصان . “
لم يكونا من محاربي القرية ، أدرك ذلك من نظرة واحدة لم يكونا يرتديان ملابس لائقة ، بل مجرد خرقة تلف خصورهم.
والآثار الفظيعة على أجسادهم تدل على أنهم تعرضوا لتعذيب طويل ومرير .
بمعنى آخر ، كان هذان الرجلان هما قرابين المهرجان اللذان كانا يصرخان في ساحة القرية ، واللذان أراد بانغ سوول إنقاذهما .
بعد أن أبعد إي هيون ، حاول بانغ سوول بكل قوته تهريب هذين الرجلين .
والسيوف التي في أيديهما ، لابد أن بانغ سوول انتزعها من الأعداء وسلمها لهما ، لكي يتمكنا من القتال والحفاظ على كبريائهما كمحاربين حتى النهاية .
لكنهما كانا مصابين بجروح بالغة ، لذا لم يشكلا عوناً كبيراً وبالنظر إلى ذلك ، كان على بانغ سوول أن يقاتل لحمايتهما أثناء محاولة الهروب بهما .
بجسد لم يتخلص بعد من سم تبديد الطاقة ، ودون سلاحه المعتاد .
مهما كانت قوة الأعداء ، فإن بانغ سوول لا يزال نابغة شاباً .
ومهما بلغت عبقريته القتالية التي تم وهبها له ، فمن المستحيل ألا يقع في مأزق في ظل هذا الوضع المتدهور والعدد المتفوق للأعداء .
حتى أن .
” … “
رداء خيط حرير السماوي الذي أعطاه إي هيون ، كان يرتديه أحد القربانين يبدو أن بانغ سوول قد أدرك فاعلية هذا الرداء وألبسه للشخص الأكثر تضرراً .
ولهذا السبب ، استطاع إي هيون أن يرى بوضوح من تلك المسافة البعيدة : بقعة دماء كبيرة كانت تتوسع حول خصر بانغ سوول .
وكان بانغ سوول واقفاً لا يتحرك كأنه فقد وعيه وهو واقف على قدميه .
سسسسسس —
” … هاه . “
بينما كانت أوراق الشجر تترنح مع رياح الليل ، رفع إي هيون رأسه وزفر نَفَساً ثقيلاً .
” مانغ ريانغ أنت تراقبني ، أليس كذلك ؟ “
لأنك قلت أنك تراقبني حين أكون متوتراً .
تلفّت إي هيون حوله وبحث عن مساحة صغيرة فارغة .
لا يوجد وقت .
لكي يختصر تشكيل كيمون المعقد ، عضّ إصبعه السبابة دون تردد .
قضم .
قضم !
باستخدام الدماء المتدفقة من إصبعه ، خطّ كلماتٍ على بضع حُجيرات ووزعها في الأرجاء من حوله لقد جعل من هذه الحجارة بديلاً عن تشكيل الكيمون .
فـوووووووه !
تدفقت الطاقة الداخلية من جسد إي هيون بسرعة واكتسحت كيانه دون عائق ، متبعةً بدقة قواعد تعويذة كبرى معينة .
لو أبصر هذا المشهد شخصٌ ضليع في الفنون الروحية ، مثل مو ليان ، لشعرت وكأنها تراقب إنساناً يندفع بكل قوته نحو حافة هاوية دون تردد .
‘ بما أنني اختصرت تشكيل الكيمون بشكل كبير ، فسيستهلك ذلك قدراً أكبر من طاقتي الداخلية ، لكن لا خيار أمامي . ‘
حتى إي هيون نفسه لم يكن واثقاً من النتيجة التي سيؤول إليها تنفيذ هذه التعويذة الكبرى في الأصل ، لم تكن لديه نية لاستخدامها بمثل هذه العجلة ، بل كان يخطط لاستخدامها بعد التأكد من سلامتها عبر خبيرٍ متخصص .
لكن الآن ، بما أنه لا يوجد سبيل آخر ، فلا مفر من ذلك .
‘ في هذه الحياة ، ثمة أوقات يتعين على المرء فيها أن يقامر . ‘
على عكس المرة السابقة التي تدرب فيها ، عبرت الطاقة هذه المرة المسار الأخير حتى النهاية .
وَمِن ثَمَّ .
طاخ !
داهم إي هيون شعورٌ وكأن روحه قد قُذفت إلى قاع سحيق من أعماق البحار لتُسحق هناك كان ذلك بسبب تعديله للقواعد الأصلية للتعويذة بحيث تتجاهل تماماً معاناة المُنفّذ .
بدأت الروح تنفصل عن الجسد بصريرٍ مؤلم ، وكأن رأسه يُنزع قسراً .
ورغم أنها لم تكن سوى لحظة عابرة ، إلا أن كل ثانية فيها بدت كأنها الأبدية ، تماماً كتحمل ألم كشط الجلد بنصل حاد .
التعليقات لهذا الفصل " 131"