أخذ إي هيون يهز جسد بانغ سوول بحذر، وعندما لم يفتح عينيه، أخذ يربت على وجنتيه بخفة.
“بانغ سوول… بانغ سوول!”
نادى إي هيون بصوت خافت كي لا يُسمع في الخارج، لكن الوعي لم يعد لصديقه غرق قلب إي هيون في صدره وهو يرى هذا الجسد الساكن بلا حراك.
لحسن الحظ، عندما وضع إصبعه تحت أنف بانغ سوول، وجد أنفاسه منتظمة؛ يبدو أنه غارق في نوم عميق جداً، تماماً وكأنه تحت تأثير تخدير طبي.
‘متى حدث هذا؟’
عندما تناولا الطعام في المهرجان، تعمد إي هيون تذوق كل صنف قبل بانغ سوول.
لم يكن ذلك لاختيار ما يروق لذوقه كما ادعى، بل ليتأكد من خلوه من السموم في ذلك الوقت، لم يبدُ على القرويين أي شيء مريب.
لقد قام بتلك الحركة من باب الحيطة ليس إلا، تماماً كمن يغلق باب بيته عند الخروج وإذا كان أهل القرية قد نجحوا بالفعل في تخدير بانغ سوول رغم حذر إي هيون، فهذا يعني أنهم جماعة محترفة قامت بهذا الأمر لمرات لا تُحصى، لدرجة خداع شخص مرتاب مثله.
وإذا لم يكن التخدير عبر الطعام، فالأمر الوحيد المريب هو…
‘هل يعقل؟’
اتجهت نظرات إي هيون نحو المبخرة الموضوعة بجانب اللوحة التذكارية وفي وسط الظلام الدامس، رأى شرارة ضئيلة وباهتة.
‘البخور لا يزال يشتعل.’
لقد أكد بانغ سوول بوضوح أنه سيطفئ البخور بنفسه وبما أنه استلقى للنوم، فمن المؤكد أنه أطفأه وهذا يعني أن شخصاً ما قد تسلل وأعاد إشعاله بينما كانا نائمين.
‘لماذا؟’
لأنهم بحاجة لأن يستنشق إي هيون و بانغ سوول المزيد من هذا البخور أي أن…
‘ذلك البخور يحتوي على مادة مخدرة؟’
لقد استنشقوا منه الكثير بالفعل، ويبدو أنهم أعادوا إشعاله لضمان بقائهما نائمين لأطول فترة ممكنة.
إي هيون نفسه لم يسبق له أن استخدم بخوراً مخدراً في رواياته، لكنه أدرك الآن -كما حدث مراراً- أنه بصفته الكاتب لا يمكنه معرفة كل تفاصيل هذا العالم وأدواته، إلا إذا كان قد كتب عنها بنفسه.
هذا البخور استنشقه الشيخ أيضاً، بل إن إي هيون لم يشعر بأي سموم تتسلل إلى جسده وبالتفكير في الأمر، بانغ سوول لم ينم فور استنشاقه، بل غرق في النوم بعد أن استلقى فعلياً ربما كان سماً بطيء المفعول لدرجة لم يلحظها إي هيون.
أما الشيخ فربما تناول ترياقاً مسبقاً، أو أنه ينام في مكان آمن بعد خروجه من الغرفة.
‘يا إلهي، أي نوع من السموم هذا؟’
أمسك إي هيون بعود البخور وغرسه في الرماد داخل المبخرة ليطفئه فتح النافذة قليلاً وهز العود ليتطاير ما بقي منه، ثم كسر ثلثي العود؛ خبأ الجزء الطويل في كمه وأعاد الجزء القصير المتبقي إلى المبخرة، ليبدو وكأنه احترق بشكل طبيعي ولم يتبقَ منه سوى هذا القدر، كي لا يلاحظ الطرف الآخر اختفاءه.
تسلل نسيم الليل عبر النافذة المفتوحة، ومع سقوط ضوء القمر الخافت، اتضحت الرؤية قليلاً نظر إي هيون حوله وشعر بغثيان وغضب من نفسه وهو يرجع شعره للخلف.
‘اللعنة، كيف وقعت في هذا الخطأ؟’
بدت ملابسه الأصلية مبعثرة، وكأن أحداً قد فتشها لكن كان هناك أمران يدعوان للتفاؤل
الأول، أن الرداء الذي يحتوي على خيوط الحرير السماوية لم يُسرق؛ ربما لأنه بدا رثاً وقديماً فلم يلتفتوا إليه، وهو بالضبط ما كان يرمي إليه إي هيون ارتدى الرداء بسرعة.
الثاني، أنه من باب الاحتياط وضع معظم أغراضه الهامة في مكان آخر قبل النوم.
وضع بعض القطع الفضية في كيس النقود عند رأسه كـطعم ، ليعتقد السارق أنه لا يملك غيرها وبالفعل، اختفى الكيس، لكن الخدعة انطلت عليهم.
دررررررر.
فتح خزانة الأغطية، وأدخل يده بين اللحف المتراكمة، وأخرج منها الصرة التي تحتوي على مقتنياته الثمينة التي يحملها في رحلته، وخبأها بسرعة.
ثم فتش جسد بانغ سوول، ليجد أن كيس نقوده، وسيفه العظيم، وخنجره قد اختفوا جميعاً، وحتى تميمة العطر التي كان يرتديها دائماً.
‘لو كنت أعلم، لطلبت منه وضع أغراضه معي في مكان سري.’
لكن بما أن الطعام لم يكن مسموماً، وبما أن بانغ سوول يستيقظ كالسيف عند أدنى حركة، اعتقد اي هيون أن بقاء الأسلحة معه هو الخيار الأكثر أماناً وعلى أي حال، فحتى لو حاول إخفاءها، فإن السيف العظيم لن يتسع داخل الخزانة.
المفارقة المضحكة كانت أن القربان المقدم للأفعى ظلت مكانها؛ يبدو أنهم تشاءموا من شكلها ولم يجرؤوا على لمسها أعادها إي هيون إلى صدر بانغ سوول.
في تلك اللحظة…
طرق… طرق…
سمع صوت خطوات صغيرة تقترب من الغرفة.
‘تباً.’
أغلق إي هيون النافذة بسرعة واستلقى في فراشه متظاهراً بالنوم، متمنياً ألا يثير انطفاء البخور شكوكهم.
دررررررر.
“همم؟ رائحة البخور أضعف من المعتاد.”
ذلك الصوت المنخفض والمبحوح جعل قلب إي هيون يثقل؛ فقد كان صوت الشيخ بلا شك ورغم إدراكه لخطورة الموقف، كان هناك بصيص أمل ضئيل يتمنى أن يكون هناك سوء فهم.
لكن كيف لا يغضب؟ حتى لو كان هو يحتاط دائماً، فإن خداع شخص طيب ونبيل مثل بانغ سوول بهذه الطريقة أمر يثير الحنق.
إن تحول الإحسان إلى غدر هو أمر مرير حقاً.
“أوه، انظر إلى المبخرة يبدو أن البخور انطفأ في منتصف الطريق.”
“يا رجل، بالنسبة لأنفي، هذه الرائحة قوية بما يكفي كحة كحة.”
تحدث الرجال الذين دخلوا الغرفة مع الشيخ.
‘هذا الصوت… لقد سمعته من قبل.’
فجأة، تذكر إي هيون أين سمع هذا الصوت؛ لقد كانت أصوات قطاع الطرق الذين التقاهم في الجبل نهاراً!
‘إذن كانوا جميعاً عصابة واحدة.’
الآن تأكد له أن الكنة والحفيد ربما لا يمتون للشيخ بصلة قرابة أصلاً.
“تسك على أي حال، هذا القدر كافٍ لتنويم شخصين انقلوهما بحذر لم يحدث هذا كثيراً من قبل، لكن أحياناً يستيقظ البعض في الطريق.”
قام الرجال بحمل إي هيون و بانغ سوول على أكتافهم وبينما كان إي هيون محمولاً على كتف أحدهم، صارع أفكاره.
هل يتركهم يقتادونه هكذا؟
‘لو كان رجلاً واحداً، لانتهزت الفرصة واستخدمت كف السم ، لكن هناك ثلاثة رجال بالغين على الأقل هنا.’
‘اللعنة.’
بينما كان يتم نقلهما من منزل الشيخ إلى وجهة مجهولة، قال أحد قطاع الطرق
“بالمناسبة، ألم يقل هذا الفتى إنه الابن الأكبر لعائلة بانغ؟ بما أنه يملك قلادة ضيوفهم، فمن المرجح أنه حقيقي هل تعتقد أن الأمر سيكون على ما يرام؟”
“ولماذا لا يكون كذلك؟ هذا الفتى لم يأتِ إلى هنا أبداً، هذا هو لسان حالنا مَن قد يتخيل أن قرويين يعيشون حياة عادية قد يرتكبون فعلاً كهذا؟ حتى سيد عائلة بانغ نفسه لن يساوره الشك كيكيكيكي.”
“صدقت لقد بذلنا جهداً كبيراً في التخطيط لدرجة تجعل الشك مستحيلاً.”
“لقد حالفنا الحظ اليوم كلما كان الضحية ذا روح مفعمة بالمروءة وبنية قوية كهذا، تمكنا من اعتصار كميات أكبر ولفترة أطول.”
“ولكن، أعتقد أنه من الأفضل أن نتوقف لفترة بعد هذه العملية بدأت تدور شائعات بأن الناس يختفون غالباً بمجرد مرورهم من ذلك الطريق، وبدأت القوافل التجارية والمسافرون يتجنبون هذا المسار مؤخراً.”
“تشه، يا لهم من جبناء.”
الآن اتضح كل شيء.
كان إي هيون يتساءل لماذا يهاجم قطاع الطرق أناساً يبدو عليهم الفقر كأولئك، لكن اتضح أنها كانت مجرد مسرحية من تدبيرهم وبسبب تلك الأفعال، كفت القوافل التجارية عن استخدام ذلك الطريق فعلاً.
لكن هذه لم تكن المشكلة الأهم الآن.
بعد قليل، سُمع صوت احتكاك معدني ثقيل وصوت فتح باب حديدي ضخم.
بما أنه كان محمولاً كالأمتعة فوق الكتف، فتح إي هيون عينيه قليلاً واثقاً أن أحداً لن يلحظ ذلك رأى أنهم يهبطون إلى قبو عبر ممر ضيق تضاء فيه المصابيح هنا وهناك.
ولم يمضِ وقت طويل حتى انتهت السلالم ووصلوا إلى مساحة تحت الأرض وخلف قضبان حديدية قديمة يعلوها الصدأ، أُلقي بـإي هيون و بانغ سوول بلا رحمة فوق أرضية ترابية باردة وعفنة.
كاد إي هيون أن يفتح عينيه من شدة الصدمة التي تلقاها رأسه عند السقوط، لكنه كتم ألمه وتحمل.
صريف… بااام! تشق تشق.
سُمع صوت قفل القضبان الحديدية تلاه ضحكات الرجال الساخرة.
“هؤلاء الأوغاد، لا بد أنهم عاشوا حياة رغيدة حتى الآن، لا يمكنهم أبداً تخيل أنهم على وشك رؤية الجحيم بأعينهم، أليس كذلك؟”
“هذا هو الممتع في الأمر كلما نعم هؤلاء بكل تلك الامتيازات، كانت الطاقة التي نستخرجها منهم ذات جودة أعلى.”
كانوا يتحدثون منذ قليل عن الاعتصار والاستخراج
‘ما الذي يعتصرونه بالضبط؟’
هل يصنع هؤلاء الأوغاد حبوباً طاقة من البشر أيضاً؟ تماماً كما كان يفعل سيد جناح اليشم السماوي ؟
لكن الأمر بدا غريباً، فالمشعوذون الذين يسيطرون على الأرواح ليسوا متاحين في كل زاوية طريق.
“على أي حال، لقد تحسنت أحوالنا المعيشية كثيراً منذ بدأنا هذا العمل بالنسبة لنا، هؤلاء الرجال هم مصدر رزقنا.”
“كيكيكيت، هذا صحيح تماماً.”
ضحك الشيخ ثم تابع قائلاً
“بما أن جودة هؤلاء استثنائية، فمن الأفضل إجراء المعالجة الأولية أولاً قبل البدء بالعمل.”
“معالجة أولية؟”
“ألم تفعلها من قبل؟”
“كلا، فأنا عادة ما أقوم بدور الطُعم في الخارج.”
بدأت أصوات الرجال تبتعد حتى لم يعد يسمع ما تلا ذلك.
لم يكن يعرف ما هي المعالجة الأولية ، لكن كان من الواضح أنها أخبار سيئة لإي هيون و بانغ سوول.
بمجرد اختفاء الرجال، نهض إي هيون.
تفحص ما حوله؛ كان المكان عبارة عن كهف تحت الأرض، تم تحويل إحدى فجواته إلى زنزانة عبر تثبيت قضبان حديدية فيها.
‘سأفكر فيما سأفعله بهؤلاء الأوغاد بعد أن نخرج من هنا أولاً.’
التعليقات لهذا الفصل " 127"