قال صاحب المانور بحدة وهو يقطع الحديث، ووجهه يفيض بالانزعاج
“لا تتحدث بهراء لا يعقله عقل.”
“وهل تعتقد حقاً أن الآخرين سيجدون كلامي غير معقول؟”
“إن كنت واثقاً إلى هذا الحد، فأرني تلك الرساله المزعومة هنا الآن! فمن المؤكد أنها ليست بخطي.”
“للأسف، الرسالة لم تعد موجودة فأنا من النوع الذي يحرق مثل هذه الأشياء فور استلامها لم أكن أتوقع أن تؤول الأمور إلى هذا الحد، ولكن حتى لو كانت الرسالة موجودة فعلاً، فمن ذا الذي يكون أحمق لدرجة أن يكشف عن خط يده الحقيقي وهو يكتب أمراً كهذا؟”
“ها… إن هذا لمثير للسخرية حقاً، أن تحاول إهانة شخص وتلفيق تهمة له برسالة لا وجود لها وفوق كل شيء، لو طلب أخي منصبي هذا، لكنت تنازلت له عنه بكل طيب خاطر فكيف يعقل أن يدبر أمراً مهولاً كهذا!”
“اللسان لا يعجز عن قول أي شيء لو كان ذلك صدقاً، لكنت أدركت منذ زمن طويل أنك لا تملك مؤهلات وريث العائلة الصغير واعتزلت المنصب فلماذا كنت تتشبث بمنصب الوريث بكل ما أوتيت من قوة؟ ها؟”
أطبق صاحب المانور على أسنانه وهو يرمق سيد عائلة قويانغ بنظرة ثاقبة كادت تخترقه، ثم قال بعينين غارقتين في الظلام
“بما أن والدي قد فارق الحياة الآن، فإن كامل السلطة في العائلة تؤول إليّ وسيتم مناقشة هذا الأمر بجدية فور عودتنا إلى المنزل الرئيسي لقد لوحت بالحرب يا سيد عائلة غويانغ، ولكنك مخطئ تماماً إن كنت تظن أن قلعة سوك تخشى ذلك.”
“حسناً.. حسناً! لا عجب أنك استدعيتني إلى هذا المكان في المكان الذي أعلنت فيه قطيعة والدك، تعلن فيه الآن الحرب يبدو أن للمكان رمزية خاصة فليكن! والمنتصر في الحرب هو من سيكون على حق! هاهاهاها!”
ضحك سيد عائلة غويانغ بهياج وصفق بيديه، ثم توقف فجأة.
وقال بوجه خالٍ من التعبيرات وبنبرة باردة
“أجل، أجل ما حاجتنا للكلام الآن؟ كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا منذ البداية بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، فلنمضِ به إلى النهاية لقد سئمت أنا أيضاً من هذا كله.”
“حسناً…”
وبينما كان صاحب المانور يهم بالرد بوجه يملؤه التصميم، دوى تحذير إي هيون الهادئ والحازم في مسامعهما
“أقترح على كليكما أن تزينا كلماتكما بمزيد من الحذر.”
توقف سيد عائلة غويانغ وصاحب المانور للحظة والتفتا نحو إي هيون
“ألا يتربع هنا الابن الأكبر لعائلة بانغ في هابوك؟ لا تنسيا آذان من تلتقط الكلمات التي تخرج في لحظة غضب وأنتما كليكما في موقع مسؤولية عن عائلة بأكملها يجب أن تضعا في الحسبان أيضاً أن هناك من قد يبتهج بهذا الوضع الحالي.”
“…”
صمت الرجلان برهة وحولا أنظارهما نحو بانغ سوول الذي كان واقفاً بهدوء في مكان قريب لقد غاب عن ذهنهما وجوده تماماً بسبب انفعالهما.
كانت عائلة بانغ في هابوك واحدة من أقوى العائلات التي تملك نفوذاً طاغياً ليس في هابوك فحسب، بل في عالم الموريم بأكمله.
وكان بانغ سوول هو الشخص الذي من المؤكد أنه سيصبح سيد عائلة بانغ القادم.
وشهادة شخص مثل بانغ سوول سيكون لها أثر بالغ في كيفية حكم عالم الكانغهو على النزاع بين العائلتين، وتحديداً في مسألة أي الطرفين يملك الحق والشرعية.
وبالنظر إلى أن كل الحروب هي في النهاية صراع على الشرعية، فإن كلمة واحدة تخرج بتهور في هذا المكان قد تتحول إلى حركة خاطئة لا يمكن الرجوع عنها.
وهذا أمر طبيعي، فلكل قوة منافسون، وعائلة سوك وعائلة غويانغ ليستا استثناءً.
فالكلمات العاطفية التي تُلقى الآن قد تتحول إلى وليمة دسمة لأولئك الذين يتربصون كالضباع بانتظار الفرصة فماذا لو قامت عائلة أخرى بطعنهما من الخلف متذرعة بالشرعية بينما هما في خضم الحرب؟
لن يقتصر الأمر على إفادة الآخرين فحسب، بل قد يؤدي حرفياً إلى تمزق العائلة وانهيارها.
ألم يكن الهدف الأساسي من دعوة الابن الأكبر لعائلة بانغ لهذا المجلس هو ضمان بقاء الحوار هادئاً ومنع الأمور من الانزلاق نحو الصدام؟ لكن ما إن احتدم النقاش، حتى فقد الطرفان السيطرة على أعصابهما ونسيا الغرض الذي اجتمعا لأجله.
زفر سيد عائلة غويانغ أنفاساً عميقة بوجه منقبض ثم أدار رأسه، وكذلك فعل صاحب المانور متجنباً النظر.
وعندما شعر إي هيون أن حدة الغضب قد خفت قليلاً
“هل هدأت أعصابكما قليلاً؟”
“بالفعل.. إنه لأمر مذهل بالنسبة لشاب في مثل عمرك أن تتذكر أمراً كهذا في هذا الموقف، وتبرد رأسي ببضع كلمات لقد أدركت اليوم جيداً لماذا يُستدعى دهاة عائلة جيغال دائماً لمثل هذه المواقف!”
“هذا من كرم أخلاقك.”
“يا فتى، رغم صغر سنك، فإن ذكاءك ليس عادياً إن أثبتَّ براءتي اليوم، فسأكافئك مكافأة مجزية!”
عند سماع ذلك، استشاط صاحب المانور غضباً
“أتحاول الآن استمالة داهية عائلة جيغال؟”
إنه ليس داهية من عائلة جيغال على أي حال.
هكذا فكر بانغ سوول، لكنه التزم الصمت لأن الأجواء لم تكن تسمح بطرح مثل هذا الحديث.
“استمالة؟ أنا على وشك أن أُتهم بتهمة باطلة لا يعقلها عقل، فهل تطلب مني ألا أقدم أي مكافأة لمن يثبت براءتي؟ لم أكن أعلم أن عائلة سوك تفتقر إلى الأصول بهذا الشكل!”
“لم أقصد ذلك…!”
“هيا، اهدآ أنا لا أسعى للانحياز إلى أي طرف.”
تمتم صاحب المانور قليلاً عند سماع كلمات إي هيون، ثم تنفس بارتياح
“وكيف لنا أن نصدق ذلك؟”
“فكر في الأمر لقد أريتكما بالفعل الرمز الخشبي لعائلة بانغ في هابوك فما الداعي لأن أجلب لنفسي عداء عائلة سوك؟ وما هي الفائدة التي سأجنيها من ذلك؟”
“…”
كان اي هيون يقصد أنه بما أنه يملك صلات بالفعل مع عائلة بانغ، فليس هناك سبب يدفعه للانحياز قسراً لعائلة غويانغ وجعل عائلة سوك عدواً لدوداً له، خاصة في موقف خطير قد يؤدي إلى حرب.
وبتشبيه تقريبي، فإن الشخص الذي يملك صلات مع الإمبراطور ليس بحاجة لكسب ود حاكم محلي على حساب معاداة مسؤول آخر، لا سيما في ظروف حرجة كهذه.
ورغم أن إي هيون لم يقل صراحة إن عائلة بانغ تتفوق على عائلة غويانغ، إلا أن صاحب المانور، كونه وريثاً للعائلة، فهم المغزى تماماً.
“…هذا صحيح.”
“نعم حسناً، لنعد بحديثنا إلى صلب الموضوع رغم أن عائلة سوك مشهورة أكثر بكونها عائلة من الحرفيين، إلا أنها في الوقت ذاته عائلة محاربة وسيد قلعة سوك نفسه هو محارب أيضاً، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح.”
“ولكن، لماذا أُصيب سيد قلعة سوك بطعنة سيف في ظهره؟ وبمثل هذه الغفلة؟”
“هذا بديهي، فمن المؤكد أنه لم يتوقع أبداً أن يقوم سيد عائلة غويانغ بمهاجمته!”
“ليس بالضرورة لو دخل دخيل عبر النافذة، ألم يكن من المفترض أن يصرخ بشكل غريزي؟ خاصة وأن الحراس يقفون مباشرة خلف الباب.”
“…! هذا.. آه!”
بدا وكأن صاحب المانور قد أدرك شيئاً، فقال مسرعاً
“إذاً، ألا يمكن أن يكون الأمر كالتالي؟ لقد قتل سيد عائلة غويانغ والدي بشكل مفاجئ بعد مشادة كلامية ولأنه خشي أن يُتهم بالقتل، قام بترك آثار هنا توحي بأن دخيلاً من الخارج قد اقتحم المكان.”
برزت عروق الصدغ لدى سيد عائلة غويانغ الذي كان يكبح غضبه بصعوبة وقبل أن ينشب النزاع مجدداً، قال إي هيون
“مهما كان الأمر، فإن غياب أي آثار للدفاع عن النفس أمر يثير الريبة كانت جثة سيد قلعة سوك نظيفة تماماً وفوق ذلك، كيف يمكن للمرء أن يدير ظهره هكذا وبكل أريحية لشخص تشاجر معه لتوه وبصوت عالٍ؟ لو كنتم مكانه، هل كنتم ستفعلون ذلك؟”
“…”
وعندما عجز صاحب المانور عن الإجابة، تابع إي هيون حديثه
“وهناك نقطة أخرى تجعل من الصعب القول بأن سيد عائلة غويانغ هو الجاني.”
“… ونقطة أخرى أيضاً؟”
“انظروا إلى آثار الأقدام هذه بتمعن ألا تبدو بوضوح كآثار قفزة هبطت بكل ثقلها على القدم اليسرى أولاً؟”
تفرس الجميع في المكان بعد سماع كلمات إي هيون.
وبالفعل، كانت آثار الأقدام غائرة بشكل أعمق من جهة القدم اليسرى حينها أصدر سيد عائلة غويانغ صوتاً وكأنما أدرك حقيقة ما
“آه!”
“صحيح! لو كنت أنا من قفز من ذلك الارتفاع، لاستحال أن أهبط بهذه الطريقة ولكن…”
نظر سيد عائلة غويانغ إلى إي هيون بارتياب وتابع
“كيف عرفت أن قدمي اليسرى قد أُصيبت في الماضي؟ لقد تعافت تماماً ولا يظهر عليها أي أثر من الخارج.”
“الأمر بسيط لقد لاحظتُ أنك تضع وزناً أكبر دائماً على قدمك اليمنى أثناء المشي بشكل غير ملحوظ وحتى عند صعود الدرج أو نزوله، كنت تبدأ دائماً بالقدم اليمنى ثم تتبعها باليسرى وحتى وأنت واقف، تريح قدمك اليسرى وتعتمد على اليمنى لذا استنتجتُ أن قدمك اليسرى كانت تؤلمك لفترة طويلة لدرجة أن الأمر تحول إلى عادة متأصلة وشخص بمثل حالتك لا يمكن أن يقفز من مكان عالٍ ويهبط بكل ثقله على قدمه اليسرى أولاً.”
“مذهل!”
ضرب سيد عائلة غويانغ ساقه بقوة معبراً عن إعجابه
“إن دقة ملاحظتك بارعة حقاً.”
في الظروف العادية، لم يكن ليرحب بتحليل وضعية جسده بهذا الشكل، ولكن في مثل هذا الموقف، لم يملك إلا الإعجاب.
خاصة وأن الألم قد تلاشى منذ زمن طويل على أي حال.
“ولكن، كيف ستفسر آثار الجرح الموجودة على الجثة؟ تلك الآثار التي لا يتركها إلا نصل لا يستخدمه إلا أفراد السلالة المباشرة لعائلة غويانغ!”
“أعتقد أنني أستطيع تفسير ذلك أيضاً هل نعود إلى مسرح الجريمة أولاً؟”
وعندما ظهر الامتعاض على وجه صاحب المانور من اقتراح إي هيون، صرخ سيد عائلة غويانغ بصوت عالٍ كأنه يوبخه
“لنذهب! لا تقل لي أنك الآن، خوفاً من سماع ما لا يسرّك، تريد تزييف الأدلة أو شيء من هذا القبيل!”
“… هل يعقل أن أفعل ذلك؟”
وهكذا، انتقلت المجموعة مرة أخرى إلى غرفة سيد قلعة سوك.
كان الجو صحواً والسماء خالية من الغيوم، مما سمح لأشعة الشمس بالتدفق بغزارة عبر النوافذ الكبيرة إلى داخل الغرفة.
وفي وسط ذلك الضوء الساطع المنعكس على الأرض، كانت جثة سيد قلعة سوك ممددة في سكون.
قال صاحب المانور لإي هيون بوجه جامد
“حسناً، لقد وصلنا إلى هنا، فأرنا شرحاً يمكننا تقبله.”
حينها طلب إي هيون من سيد عائلة غويانغ
“يا صاحب السيادة، إن لم يكن لديك مانع، هل يمكنك إعارتي ذلك النصل المعلق في خصرك للحظة؟ بغمده كما هو.”
“… بالطبع ، افحصه كما تشاء.”
فك سيد عائلة غويانغ الغمد من خصره وناوله لإي هيون.
سشششششششسررنغ
كان نصل سيد عائلة غويانغ نحيفاً ورشيقاً، على نقيض السيوف العريضة والضخمة التي تشتهر بها عائلة بانغ في هابوك.
أعاد إي هيون النصل إلى غمده، ثم وجه حديثه إلى صاحب النُزل الذي كان يقف خلف الباب
“هل من الممكن الحصول على قطعة كبيرة من اللحم؟”
فوجئ صاحب النُزل بالطلب، لكنه سرعان ما أومأ برأسه موافقاً
“بالطبع، انتظر لحظة من فضلك.”
وبعد فترة وجيزة، عاد المالك ومعه قطعة ضخمة من اللحم، فناولها إي هيون إلى بانغ سوول
“خذ هذه وقف هناك ارفعها بحيث تكون في نفس مستوى الارتفاع الذي أصيب فيه سيد قلعة سوك.”
“…”
لم يدرِ بانغ سوول لماذا انتهى به المطاف وهو يؤدي دور المساعد، لكنه انصاع لطلب إي هيون في النهاية.
فمع استمراره في المراقبة، تملكه الفضول هو الآخر لمعرفة هوية الجاني الحقيقي.
التعليقات لهذا الفصل " 115"