هل مر بالفعل أكثر من شهرين على ذلك الأمر؟ في شتاء قارص لم يطرق الربيع أبوابه بعد، طار خبر عاجل من طائفة سيتشوان دانغ إلى عائلة هابوك بانغ.
خبرٌ نُقل عبر ، ذلك الطائر الروحي المهيب كان محتوى الرسالة يفيد بأن السيد الشاب الثالث لطائفة دانغ قد استعاد وعيه بعد غياب دام سنتين.
“ماذا قلت؟!”
تجمد بانغ سيو وول في مكانه للحظة، لم يستطع تصديق ما قرأه.
وبمجرد أن تأكد من الرسالة، ركض دون وعي وبأقصى سرعته نحو الإسطبل، واعتلى صهوة جواده نار الرعد وهمّ بالانطلاق نحو سيتشوان فوراً لولا أن والده استوقفه في اللحظة الأخيرة، لكان بانغ سوول قد قطع الطريق إلى سيتشوان وحيداً وهو في تلك الحالة من الاضطراب.
حاولت والدته تهدئته وهو يتخبط بين مشاعر الحماسة والصدمة
“أليس عيد ميلاد السيد الشاب دانغ قد اقترب؟ الذهاب هكذا ليس مناسباً، من الأفضل أن تجهز هدية تأخذها معك، لتكون احتفالاً باستعادة وعيه أيضاً.”
آه، صحيح عيد ميلاد هيون بالتفكير في الأمر، كان عيد ميلاد السيد الشاب الثالث قد اقترب بالفعل؛ في الخامس عشر من شهر فبراير، وهو الوقت الذي تتفتح فيه أزهار البرقوق.
كان ذلك يوم مولد ذلك الفتى لم يتمكن من الاحتفال به لفترة طويلة، لكنه يستطيع فعل ذلك هذه المرة.
لطالما كان عيد ميلاد بانغ سوول، الابن الأكبر لعائلة هابوك بانغ، يغص بالزوار.
ورغم أن معظمهم كانوا يأتون لتوطيد العلاقات والمصالح، إلا أن الكثيرين كانوا يهنئونه من قلوبهم.
ولذلك، شعر بانغ سوول بصدمة بالغة في البداية عندما علم بمدى الوحشة والهدوء اللذين يحيطان بعيد ميلاد دانغ سا هيون.
كان يعلم أن حثالة طائفة دانغ لن يهتموا بعيد ميلاد هيون هذه المرة أيضاً، لذا كان عليه هو أن يتولى الأمر بنفسه.
سيأخذ معه هدية تليق به ويحتفل معه بحرارة، وسيجعله يتناول الكثير من الطعام اللذيذ، فمن المؤكد أنه لم يأكل شيئاً طوال سنتين.
لا، بما أنه لم يأكل لفترة طويلة، فقد لا يتمكن من تناول الطعام الثقيل فوراً؟ كان ذلك مؤسفاً، لكن لا بأس.
المهم هو أنه سيتمكن من لقاء هيون وهو بوعيه، وسيتحدث معه في كل ما فاتهما؛ فالحكايات التي تراكمت كانت كثيرة جداً.
سارع بانغ سوول بتجهيز هدية قد تنال إعجاب السيد الشاب الثالث.
ومع أنه شعر ببعض التقصير لأن التحضير كان متسرعاً، إلا أنه كان واثقاً أن هيون سيتفهم الأمر ويقبلها بفرح.
وهكذا، وبناءً على رغبة والديه، انطلق نحو سيتشوان برفقة حاشية من الحراس.
طوال الطريق، كان بانغ سوول يشعر بقلق لا يوصف لم يكن ليصدق حقاً أن السيد الشاب الثالث قد استيقظ إلا إذا رآه بعينيه.
وبسبب نفاذ صبره، سبق الجميع على ظهر جواده ووصل إلى سيتشوان وحده أولاً لكن، المشهد الذي رآه عندما ركض نحو مقر إقامة السيد الشاب الثالث كان…
“…… أعد ما قلته ماذا؟ السيد الشاب الثالث تعرض للتسميم داخل غرفته؟ وبسمّ مانغتشو أيضاً؟”
“هـ، هـ، هذا صحيح……”
كانت الهيئة التي وجد عليها بانغ سوول صديقه دانغ سا هيون هي هيئة شخص سقط مجدداً بسبب سم قاتل، بوجه شاحب يخلو من قطرة دم.
بل بدا حاله أسوأ مما كان عليه خلال السنتين الماضيتين عندما كان فاقداً للوعي.
ارتجف خدم مقر السيد الشاب الثالث من هالة القتل التي انبعثت من بانغ سوول بعد أن فقد السيطرة على أعصابه.
حتى أن أحدهم خانته قدماه فسقط جالساً على الأرض من شدة الرعب.
ومع ذلك، لم يفكر بانغ سوول في كبح جماح طاقته فلا بد أن هؤلاء الحثالة هم أيضاً ممن أساءوا معاملة هيون وضايقوه تُرى ماذا تفعل هذه العائلة التي تدعى طائفة دانغ؟
‘كيف، كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث داخل المنزل؟’
حتى لو سقط حيوان يُربى في المنزل، لما كان حاله هكذا.
لم يستطع بانغ سوول كبح غضبه العارم، وكان على وشك تهشيم الطاولة المجاورة له بقبضته، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة.
‘لا يجوز ، هذه الطاولة كان يستخدمها هيون عادةً.’
لقد عاش ذلك الفتى في هذا الجناح مع والدته سابقاً.
ربما كانت لهذه الطاولة القديمة ذكريات خاصة لديه بصعوبة بالغة، بدأ بانغ سوول يخمد طاقته التي كانت تندلع كبركان ثائر.
وبينما كان يتنفس بعمق وبطء وهو ينظر إلى الفراغ بنظرات حادة كأنها تخترقه، بلل أحد الخدم ثيابه من شدة الرعب وكأنه على وشك فقدان وعيه.
قطب بانغ سوول حاجبيه
“ماذا تفعل الآن؟ كيف تجرؤ في مقر سيدك؟”
لو كان بانغ سوول في حالته الطبيعية، لما أرعب أحداً ثم وجه له كلاماً قاسياً كهذا، لكنه الآن لم يستطع كبح غيظه أبداً.
أليس ترك مقر السيد الشاب الثالث مغطى بالغبار دليلاً على أن هؤلاء الخدم لم يقوموا بعملهم إطلاقاً؟ لا بد أن هذا هو السبب الذي جعلهم يطلبون منه الانتظار في ردهة الضيوف عندما حاول الدخول إلى الغرفة قسراً.
إنه مريض فاقد للوعي، لا يستطيع فعل شيء لنفسه، ومع ذلك يتركونه هكذا في كومة من الغبار!
“أ، أنا آسف أنا آسف جداً سننظف المكان فوراً حالاً.”
“لا، لا بأس سأفعل ذلك بنفسي، اتركوا أدوات التنظيف وارحلوا.”
“ماذا؟”
لا يمكن الوثوق بهؤلاء إذا كان من أطعم هيون السم مانغتشو هو خادم أيضاً، فمن يدري أي واحد منهم قد يرتكب حماقة أخرى؟
“ألم تسمعوا؟ قلت اخرجوا جميعاً من هنا!”
“حـ، حاضر……!”
مسح الخادم بوله بطرف ثيابه بسرعة، ثم هرب من الغرفة مع الآخرين كأنهم يفرون من الموت.
“…… تباً.”
لكن لا بأس سم المانغتشو؟ لا يهم مدى قوة ذلك السم، فمن المستحيل أن يهزم دانغ سا هيون.
هو فقط فقد وعيه مؤقتاً لأن حالته ضعيفة، لكنه سيقاوم وسيستيقظ غداً بالتأكيد لا بد أن يحدث ذلك.
…… هكذا كان يظن.
لكن السيد الشاب الثالث الذي استعاد وعيه أخيراً بعد مرور أيام على عيد ميلاده…… كان يسكن جسده وحش ما.
‘هل يعقل ألا أعرف وجه صديقي لمجرد أننا لم نلتقِ منذ مدة؟’
ذلك الوشم لثعبان أحمر الذي ظهر واختفى في لحظة على وجه ذلك الشخص الذي يتظاهر ببرود بأنه دانغ سا هيون عندما رأى ذلك، شعر بمشاعر لن يفهمها أحد في هذا العالم.
لا يدري لمَ يجب أن تحدث كل هذه الأمور لهيون.
‘ما الخطأ الذي ارتكبه ذلك الفتى؟’
كان بانغ سوول لا يزال يتذكر بوضوح كم كان السيد الشاب الثالث فتىً طيباً، ويتذكر تلك الأيام الممتعة التي قضاها معه.
بدا الأمر وكأنه ماضٍ سحيق، وفي الوقت نفسه كأنه حدث بالأمس فقط.
لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أنها كانت أوقاتاً لا تقدر بثمن بالنسبة له.
كان هيون فتىً نادراً ما يضحك، يكتفي عادةً بابتسامة مهذبة ومرسومة.
ولم يكن ذلك غريباً، إذ لم يكن هناك بشر حوله، بدءاً من عائلته، ممن قد يفعلون شيئاً يستحق الابتسام لكن ذلك السيد الشاب الثالث كان دائماً يظهر ابتسامة نابعة من أعماق قلبه عندما يكون أمام بانغ سوول.
‘واك!’
‘سوول! ما الذي أتى بك إلى سيتشوان فجأة؟’
‘ماذا؟ لقد ظهرتُ فجأة من نافذة غرفتك بينما يُفترض أن أكون في هابوك وأنت لا تُبدي أي ذعر بل تسأل عن هذا أولاً؟’
‘كلا، لقد ذُعرت.’
‘حقاً؟’
‘هاها…… ممم في الواقع، كنت قد شعرتُ بالفعل ببوادر شخص يقترب خلسة.’
‘….. لم أصدر أي صوت لخطواتي؟’
‘ليست المشكلة في صوت الخطوات يا سيد بانغ الشاب فبمجرد اقتراب طاقتك القوية والمندفعة، سيلاحظ أي شخص ذلك بالتأكيد.’
‘ليس الأمر كذلك! تقنيات التخفي لدي ليست بهذا السوء…… هه ولكن، هل كنت متأكداً أنه أنا ومع ذلك تظاهرت بعدم المعرفة وبقيت ساكناً؟ أيها السيد الشاب الثالث، لم أكن أظنك هكذا، تتلاعب بمشاعر الآخرين يبدو أنني أخطأت في تقديرك.’
‘لأنني شعرتُ أنك تود إخافتي…… في المرة القادمة سأحاول أن أظهر تعبيراً أكثر ذعراً أنا آسف.’
‘…… هذا ليس ممتعاً يبدو أن عليّ صقل مهارات التخفي لديّ أكثر.’
‘أهاهات.’
تلاشت فجأة صورة دانغ سا هيون وهو يضحك بمرح، لتتحول إلى هيئة جثة هامدة مستلقية في سكون مطبق.
“……”
أدرك بانغ سوول فجأة.
آه، يبدو أنني أحلم الآن، هكذا فكر.
‘جسد ذلك الفتى لم يعد هناك بعد الآن فقد استولى عليه وغد آخر وهو يتجول به في أرجاء العالم.’
سرت قشعريرة باردة على طول عموده الفقري لقد كان ذلك الشرير يقلد دانغ سا هيون ببراعة مذهلة.
‘بمجرد دخولي إلى هذا الجسد، بدأت بعض الأحداث التي مر بها دانغ سا هيون تتدفق إلى ذهني تلقائياً أليس من الطبيعي أن تظهر الذكريات بما أنها مخزنة في الدماغ؟’
بالتفكير في الأمر، كان ذلك الشرير قد قال كلمات كهذه، ويبدو أن كلامه كان حقيقة.
نبرة صوت السيد الشاب الثالث، وتصرفاته المتوقعة، وحتى الطريقة التي عامل بها والده ووالدته وإخوته عندما جاء إلى عائلة بانغ.
بينما كان يراقب كيف يعيد تجسيد دانغ سا هيون بتلك المهارة، لم يملك بانغ سوول إلا أن يشعر بالرعب.
ففي بعض اللحظات، كان هو نفسه يشعر وكأن هيون موجود حقاً في ذلك المكان كيف يمكن وصف هذا الشعور بتلاشي مكانة دانغ سا هيون الحقيقي تدريجياً؟
بصراحة، كان قلبه يدفعه للصراخ والتهديد ومطالبة ذلك الكيان بالخروج من ذلك الجسد فوراً؛ هذا لو كان بوسعه إخراجه بتلك الطريقة.
لكن بانغ سوول صبر.
فلو ساءت العلاقة بينهما، سيحاول ذلك الوغد الابتعاد عنه قدر الإمكان وحينها، سيصعب عليه مراقبة ما ينوي فعله.
لذا، حاول جاهداً كبح جماح غضبه والتحلي بالصبر إلى أقصى حدوده.
قد يرى البعض أن ما فعله لم يكن صبراً حقيقياً، لكن بالنسبة لبانغ سوول، كان قد أظهر قدرة مذهلة على ضبط النفس، خاصة وهو يقف أمام كيان يرتدي قناع دانغ سا هيون.
في الواقع، كانت هناك لحظات شاقة أخرى تتجاوز مجرد كتم الغضب.
وهي عندما يظهر ذلك الوغد تعابير وجه إنسانية للغاية فعندما كان يرى ذلك الأثر الباهت من المرارة على وجهه، كان يشعر بجفلة لا إرادية
شعر بانغ سوول بالغثيان من نفسه.
‘هل تريد أن تصبح شخصاً جيداً أمام الشيطان الذي استولى على جسد صديقك، يا بانغ سوول؟’
وبغض النظر عن احتمالية حدوث ذلك، فلو كان ذلك الكيان مجرد روح بريئة بالصدفة، لكان هو الشخص السيئ في القصة.
لأنه في هذه الحالة، سيكون قد ظلم كياناً لم يقصد الأذى، بل سكن ذلك الجسد بمحض الصدفة ودون أي تخطيط مسبق منه.
وإذا كان الأمر كذلك حقاً، فربما يكون بانغ سوول نفسه هو الشرير وليس ذلك الكيان.
ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فماذا في ذلك؟ ذلك الوغد يستخدم جسد هيون كما يحلو له، فهل يُفترض بي أن أعترف به؟ ماذا لو اعتبرتُ أنا أيضاً يوماً ما وجود ذلك الشرير في هذا الجسد أمراً طبيعيّاً؟ لا أحد يبحث عن دانغ سا هيون الحقيقي.
‘لا أحد سواي يعلم حتى بحقيقة اختفائه……’
لو فعلتُ أنا ذلك أيضاً، فماذا سيبقى لهيون؟ هل يجب عليّ أن أعامله كأنه دانغ سا هيون مثل الآخرين، وأنتظر بحذر أن يخرج من ذلك الجسد من تلقاء نفسه يوماً ما؟ متى سيكون ذلك؟ عندما يهرم ويموت في جسد دانغ سا هيون؟ إذا لم أكن أنا، فمن سيقول بجرأة أن هذا الجسد يخص دانغ سا هيون في الحقيقة، وأنه ملك لصديقي؟ رغم علمه بأنه يحلم، لم يستطع بانغ سوول إلا أن يفكر وهو ينظر إلى دانغ سا هيون المستلقي على الأرض كأنه غارق في نوم عميق.
‘دانغ سا هيون الحقيقي لا يزال مستلقياً هناك، عاجزاً عن الاستيقاظ.’
استيقظ بانغ سوول من نومه وجلس شارداً للحظة.
لم يستطع في تلك الثانية التمييز إن كان لا يزال في حلم أم في الواقع وعندما أدار عينيه ببطء، رأى ذلك الوغد نائماً في الفراش المجاور.
‘الواقع هو واقع، لكنه كابوس.’
نظر من النافذة، فكان الفجر قد بدأ يلوح في الأفق.
‘…… يبدو أنني نمت لمدت ساعتين تقريباً.’
حتى وإن نام، لم يشعر بالراحة مطلقاً، فكوابيسه كانت دائماً موحشة.
ومع ذلك، اعتُبر هذا نوماً جيداً جداً بالنسبة لبانغ سوول.
فقد مر عليه الكثير من الأيام التي لم يستطع فيها النوم إطلاقاً.
ربما كان التعب قد تراكم عليه قليلاً، تماماً كما كان ذلك الوغد يلحّ عليه.
التعليقات لهذا الفصل " 111"