5
كانت الغرفةُ تفوحُ برائحةِ فاكهةٍ حلوةٍ لدرجةِ تُديرُ الرأس.
وفي منتصفِ تلك الغرفة، كانت العروسُ الجالسةُ على السريرِ تبدو مختلفةً تماماً عما كانت عليهِ في حفلِ الزفافِ نهاراً.
كانت ترتدي قميصَ نومٍ رقيقاً، وتضعُ على رأسِها طرحةً شبهَ شفافة، بينما تُمسكُ بكلتا يديها باقةَ زهورٍ بيضاء، وقد أغمضتْ عينيها بقوة.
“أنا…. أنا لا أستطيعُ فتحَ عينيَّ الآن.”
بمجردِ سماعِ كلماتِ العروس، أدرك داميان فوراً ما الذي حدث.
“لقد دهنت كبيرةُ الخدمِ شيئاً ما حول عينيَّ، وهو لا يزولُ أبداً. هل يمكنكَ استدعاءُ كبيرةِ الخدمِ بدلاً مني؟”
يبدو أن الأمرَ كان من تدبيرِ الخدمِ المتحمسينَ لخبرِ قدومِ العروسِ الجديدة.
ففي ظلِ انعدامِ أيِّ علاقةٍ عاطفيةٍ لسيدِهم، أرادوا مساعدتَهُ بتزيينِ العروسِ بأبهى صورة، فوضعوا “العسلَ” حول عينيها؛ لكي يقضيا ليلتَهما الأولى دون عوائق، رغم أنَّ هذا لا وجودَ له في زواجِ المصلحة.
“…… أعتقدُ أنني أستطيعُ حلَّ المشكلة.”
تحدثَ داميان بهدوءٍ، محاولاً إخفاءَ ارتباكِهِ قدرَ الإمكان.
“أعطيني الزهورَ أولاً، سيكونُ من المتعبِ الاستمرارُ في حملِها.”
“هذه…. لقد تركتْها كبيرةُ الخدمِ معي، وطلبتْ مني الحفاظَ عليها لكي لا تفسد.”
ربما كان إعطاءُ الزهورِ للعروسِ غرضُه منعُها من لمسِ عينيها بيدها، لكن داميان لم يذكرْ ذلك.
“لا بأس، سأضعُها جانباً.”
حينها فقط، سلمتِ العروسُ باقةَ الزهورِ لداميان. وبمجردِ اختفاءِ الزهورِ التي كانت تحجبُ الجزءَ العلويَّ من جسدِ العروس، وجدَ داميان صعوبةً في تحديدِ المكانِ الذي يوجهُ إليهِ نظرَهُ، فانتهى به الأمرُ بتثبيتِ بصرِهِ على الأرض.
“سأساعدُكِ على فتحِ عينيكِ. هل يمكنكِ الانحناءُ للأمامِ قليلاً؟”
“نعم.”
ما وضعَهُ الخدمُ حول عينيِّ العروسِ كان نوعاً خاصاً من العسلِ ذي رائحةٍ حلوةٍ جداً.
لا يمكنُ إزالتُهُ بفركِهِ باليدِ أو القماش، ولا يُمسحُ بالماء. هذا العسلُ لا يزولُ إلا بمادةٍ تشبهُ في تكوينِها لعابَ البشر، أي عند مسحِهِ بالفمِ فقط.
لذا كان يُستخدمُ سراً في الليالي الأولى للنبلاء، ليخلقَ مشهداً رومانسياً حيثُ يفتحُ العريسُ عينيَّ عروسِهِ بقبلاتِه.
إسراء : 😧😧😧😧
لكنَّ المشكلةَ أن هذين الزوجينِ هما زوجا مصلحةٍ لم يمضِ على لقائهمُ الكثير.
‘ألن ترتعبَ إذا اقتربتُ بفمي فجأة؟’
تذكرَ داميان كيف أغمضتِ العروسُ عينيها بقوةٍ أثناءَ قبلةِ العهد، فتردد. لكنهُ لم يكن قادراً على تركِها هكذا لا ترى شيئاً.
‘لحسنِ الحظِ، هناك موادٌ يمكنها إزالةُ العسل.’
كان يعرفُ كيفيةَ صنعِ محلولٍ يزيلُ العسل، وكانت الموادُ موجودةً في درجٍ بزاويةِ غرفته. صنعَ المحلولَ في ثوانٍ، غمسَ منديلَهُ فيه، ثم قال للعروس:
“سأزيلُهُ لكِ حالاً.”
“آه، حسناً.”
أومأتِ العروسُ برأسِها بلطف.
“…… عذراً.”
انحنى داميان بعمقٍ وقرّبَ منديلَهُ من عينِ العروسِ اليمنى. العروسُ التي كانت تتصرفُ بهدوءٍ رغم أنَّها ليلتُها الأولى (اسمياً)، انتفضتْ قليلاً حين لامسَ المنديلُ الباردُ عينها.
“اششش، لا بأس. لن يستغرقَ الأمرُ طويلاً.”
حينها استرخى كتفا العروسِ قليلاً. بدأ يمسحُ حول عينيها بمنتهى الحذر، كأنَّهُ يمسحُ قارورةً زجاجيةً سريعةَ الكسر.
بعد أن أزالَ العسلَ من العينِ اليمنى تماماً، انتقلَ إلى العينِ اليسرى.
‘بشرتُها رقيقةٌ جداً.’
فكرَ داميان بذلك دون وعيٍ بينما يمسحُ العسل، ثم انتبهَ لنفسه فجأة: “لا، ماذا دهاك.. فيمَ تفكر؟” شعرَ وكأنَّ الحرارةَ قد انتقلتْ إلى يدِهِ التي لامستْ محيطَ عينيها.
“لقد انتهيت.”
رفعتِ العروسُ رأسَها عند كلماتِ داميان. وفي تلك اللحظة…
“شكراً لك.”
انفتحتِ العينانِ الحمراوتانِ العميقتانِ لتلمعا بوضوحٍ وشفافية. غرقَ داميان في تأملِ البؤبؤينِ اللذينِ يشبهانِ الياقوت.
“بفضلكَ استطعتُ فتحَ عينيّ. لم يكن العسلُ يزولُ مهما فعلت.”
رآها تبتسمُ برقة، ففكرَ مجدداً: “عيناها جميلتان.”
حاولَ طردَ هذه الأفكارِ التافهة، فليس هذا وقتُ الإعجابِ بينما يحاولُ ضمانَ عدمِ هروبِ شريكتِه. هزَّ رأسَهُ وصرفَ نظرَهُ عنها، لكن لسببٍ ما، تسارعتْ دقاتُ قلبِه.
‘هل هو بسببِ الشموعِ المعطرة؟’
أو ربما كان مجردَ إرهاقٍ من مراسمِ الزفاف.
“لقد كان يوماً شاقاً، لنخلدْ للنومِ سريعاً.”
شعرَ بحرارةٍ مفاجئةٍ تسري في جسده. لم يعرفِ السببَ الدقيق، لكنهُ ظنَّ أنَّ النومَ العميقَ سيجعلُهُ بخير، فقررَ النومَ بجانبِ عروسِه.
“نعم، هذا جيد.”
“تعالي هنا، سأساعدُكِ على خلعِ الطرحةِ أيضاً.”
بعد نزعِ الطرحةِ وإزالةِ زينةِ الزهورِ من شعرِها، استقرتِ العروسُ بهدوءٍ على السرير. وحين استلقى داميان بجانبِها، تحدثتْ بحذر:
“أرجوكَ لا توبخِ الخدمَ كثيراً. يبدو أنهم لا يعرفون أننا زوجا مصلحة، وفعلوا ذلك رغبةً في سعادتِنا.”
“نعم، أعلم. لن أوبخَهم.”
في الأصل، كان داميان يعلمُ أنَّ أفرادَ قصرِ الدوقِ غريبي الأطوارِ لن يستمعوا لكلامِهِ دائماً، لذا لم يكن ينوي محاسبتَهم على إلباسِ العروسِ قميصَ نومٍ رقيقاً ووضعِ العسلِ على عينيها.
“لذا لا تقلقي.”
أومأتِ العروسُ برأسِها بملامحَ مطمئنة. وفي الظلام، اتجهتْ عيناها الحمراوتانِ اللتانِ تلمعانِ بهدوءٍ نحو قناعِ داميان.
حين رأى نظراتِها المركزةَ على القناع، ترددَ داميان للحظة؛ خشيَ أن تطلبَ منهُ نزعَ القناعِ ورؤيةَ وجهِه، بما أنها قالت سابقاً إنها لا تستطيعُ الزواجَ بشخصٍ لا تعرفُ وجهَه.
“صاحبَ السمو…. بخصوصِ هذا القناع.”
كما توقع، فتحتْ سيرةَ القناع. فمن الطبيعي أن ترغبَ في معرفةِ وجهِ زوجِها وهي تنامُ في نفسِ السرير.
وبينما كان يفكرُ في عذرٍ للرفض، قالتِ العروسُ شيئاً غيرَ متوقع:
“سأبقى مغمضةَ العينين، لذا إذا كان القناعُ يزعجُكَ يمكنكَ خلعُه.”
لم تطلبْ رؤيةَ وجهه، بل قالت إنها لن تنظرَ إليهِ إذا كان يشعرُ بالضيقِ لكي يرتاح. من بين كلِّ الناسِ الذين قابلهم، وحتى النساءُ اللواتي طُرحتْ أسماؤُهنَّ للخطوبة، لم يسبقْ لأحدٍ أن قالَ لهُ مثلَ هذا الكلام.
“…… لا، لا بأس. سأنامُ وأنا أرتديه.”
“آه، حسناً.”
لم تشتكِ أو تتذمرَ كأنَّهُ لا يثقُ بها، بل كانت هادئةً جداً.
“إذن، تصبحُ على خير، يا صاحبَ السمو.”
أنهتِ التحيةَ بكلماتٍ مقتضبةٍ وأغمضتْ عينيها. وسرعانَ ما تناهى لمسامعِهِ صوتُ أنفاسِها الهادئةِ وهي غارقةٌ في النوم.
‘نامتْ سريعاً.’
بسببِ التعب، غطتِ العروسُ في نومٍ عميقٍ خلالَ ثوانٍ. نظرَ إليها داميان بصمت، ثم عدّلَ الغطاءَ ولفَّهُ حولَها جيداً. حتى لو لم يتعلقْ بها، فبإمكانِهِ فعلُ هذه الأشياءِ البسيطة.
‘امرأةٌ غريبة.’
تمدُّ يدَها لغريبٍ رأتهُ لأولِ مرة، ورغمَ خوفِها، تأتي لبيتِ زوجٍ يهربُ منهُ الجميعُ خوفاً، وتنامُ دون تذمر. وبخلافِ الآخرين الذين حاولوا نزعَ قناعِهِ قسراً، لم تكن مهتمةً حتى برؤيةِ وجهِه.
“…… تُصبحين على خيرٍ.”
ألقى تحيتَهُ الخافتةَ على تلك المرأةِ الغريبة. فبإمكانِهِ فعلُ هذا القدرِ دون أن يتعلقَ بها.
***
حين فتحتُ عينيّ، رأيتُ سقفاً غيرَ مألوف.
“أين أنا؟”
رمشتُ بعينيَّ مرتين، فتدافعتْ ذكرياتُ زفافِ الأمسِ في عقلي.
آه، أنا في قصرِ الدوقِ ماليديكتوس. المكانُ الذي تزوجتُ فيه.
“صباحُ الخير.”
فزعتُ من صوتِ الرجلِ المفاجئِ ونظرتُ لمصدرِ الصوت، فإذ بالدوقِ المقنعِ يقفُ بجانبِ السرير.
“صاحبَ السمو؟ لماذا أنتَ هنا؟”
في زواجِ مصلحةٍ لأغراضِ العمل، وإذا لم تُقضَ الليلةُ الأولى فعلياً، فمن المفترضِ أن يتركَ الزوجُ زوجتَهُ ويرحلَ في الصباحِ الباكر؛ هذا هو المعتاد. لذا لم أتوقعْ وجودَهُ بجانبي.
“أنتِ لستِ معتادةً على القصرِ بعد، لذا من الأفضلِ أن نذهبَ لغرفةِ الطعامِ معاً.”
أجابَ الدوقُ بصوتٍ رزينٍ وجاف:
“كما أنَّ ظهورَ الزوجينِ معاً سيكونُ لائقاً أكثر.”
“آه، معكَ حق.”
بالنظرِ لتصرفاتِ الخدمِ بالأمس، يبدو أن أغلبَهم لا يعرفُ أن زواجَنا هو زواجُ مصلحة. لا داعي لإثارةِ الشائعاتِ بإظهارِ جفاءٍ بيننا.
“على أيةِ حال، هيا لنخرجَ حين تصبحينَ جاهزة.”
“حاضر.”
“وأيضاً.”
تطلَّعَ نحوي القناعُ الأبيضُ الذي يلمعُ تحتَ أشعةِ الشمس، وبرقتِ العينانِ الأرجوانيتانِ بحدةٍ من خلفِه:
“هناك شيءٌ يجبُ عليكِ رؤيتُهُ حتماً.”
التعليقات لهذا الفصل " 5"