2
“ماذا…؟”
انعكسَ ضوءُ البرقِ الخاطفِ بميلٍ على وجهِ الرجلِ المُقَنَّعِ.
ومع ذلك، لم يكن بمقدوري أبداً معرفةُ أيِّ تعبيرٍ يرتسمُ على محياه.
‘هذا الرجلُ…. ماذا قال للتو؟’
كنتُ لا أزالُ غارقةً في ذهولي حين حدثَ ذلك.
“هوي! مَن أنتَ لتجرؤَ على طمعِكَ في امرأتي؟”
انفجرَ الرجلُ البدينُ، الذي كان يقفُ متفرجاً ببرودٍ حين صفعني والدي، غضباً.
“أتدركُ كم أنفقتُ من المالِ؟ تسعةَ آلافِ قطعةٍ ذهبيةٍ! لقد دفعتُ تسعةَ آلافِ قـ…”
طَق—
نهضَ الرجلُ المُقَنَّعُ الذي كان جاثياً على ركبتِهِ أمامي، وبصمتٍ تامٍ، وضعَ ورقةً واحدةً فوقَ الطاولةِ.
تفرَّسَ الرجلُ البدينُ في الورقةِ بوجٍه تملؤُهُ الحيرةُ، وبعد ثوانٍ قليلةٍ، تجمَّدَت ملامحُهُ وتمتمَ بذعرٍ:
“داميان ماليديكتوس…؟”
بمجردِ سماعِ اسمِ الدوقِ الذي يجري في عروقِهِ دمُ العائلةِ الإمبراطوريةِ، والأكثرِ شهرةً وغموضاً في الإمبراطوريةِ، اختطفَ والدي الورقةَ عن الطاولةِ بسرعةِ البرقِ.
“مِـ.. مائتا مليونِ قطعةٍ ذهبيةٍ…!”
ارتحفتْ يدُ والدي وهي تمسكُ بالشيكِ.
وبعينينِ يملؤُهُما الجشعُ، تجاوزَ الرجلَ العجوزَ الذي طلبَ يدي أولاً، وهرعَ نحو الرجلِ المُقَنَّعِ يتملقُهُ بانحناءٍ شديدٍ.
“إنه لشرفٌ عظيمٌ أن يتفضلَ شخصٌ بمقامِكُم الرفيعِ بالنظرِ إلى ابنتي المتواضعةِ بعينِ الرضا. لا تظلَّ واقفاً هكذا، لعلَّكَ تتفضلُ بالحديثِ معي، أنا والدُها…”
لم يعد والدي يرى ذاك الرجلَ البدينَ العجوزَ أمامهُ؛ فما كان من الأخيرِ إلا أن غادرَ غرفةَ الاستقبالِ دون أن ينبسَ ببنتِ شفةٍ.
***
“ولكن يا صاحبَ السموِّ، ألم تحضرِ الحفلةَ الراقصةَ التي أُقيمت مؤخراً؟ أخالُني رأيتُكَ هناك!”
طلبَ الدوقُ ماليديكتوس الحديثَ معي، فأمرَ والدي سيسيليا أن تُرشِدَهُ.
وطوالَ الطريقِ نحو الغرفةِ، كانت سيسيليا تبتسمُ بإشراقٍ وتحاولُ جاهدةً فتحَ حديثٍ مع الدوقِ.
كانت تلك الابتسامةُ الطيبةُ المصطنعةُ التي اعتادتْ إظهارَها في المحافلِ الاجتماعيةِ.
“كنتُ أتساءلُ إن كنتَ قد رأيتَ روبيانا هناك! يا لَلخسارةِ، لو حدثَ ذلك لربما حظيتُ بشرفِ الحديثِ معكَ أيضاً.”
“……”
رغمَ اهتمامِ سيسيليا الفجِّ والواضحِ، ظلَّ الدوقُ ملتزماً بصمتٍ مطبقٍ.
تشنَّجَ ما بين حاجبي سيسيليا من الإحراجِ، لكنها سرعانَ ما استعادتْ قناعَها وواصلتْ ثرثرتَها دون انقطاعٍ.
“ولكن، ما الذي جعلكَ تميلُ بقلبِكَ نحو روبيانا؟”
“هنا سيكونُ مناسباً.”
قاطعَها صوتُ الدوقِ، وكان هذا أولَ ما نطقَ به منذ خروجِنا من غرفةِ الاستقبالِ، فاستفهمتْ سيسيليا بدهشةٍ:
“عفواً؟ لكننا لم نصلْ إلى تلك الغرفةِ بعد…”
وقبل أن تُنهيَ كلامَها، كان الدوقُ قد فتحَ بابَ إحدى الغرفِ بالفعلِ.
‘يبدو أنه فتحَ أيَّ بابٍ صادفَهُ فحسبُ.’
بدا واضحاً أن سيسيليا كانت تزعجُهُ بشكلٍ فاقَ توقعاتي.
“تفضلي بالدخولِ أولاً.”
أشارَ الدوقُ بيدهِ نحو داخلِ الغرفةِ.
أومأتُ برأسي وخطوتُ إلى الداخلِ، وحين همَّ الدوقُ بالدخولِ، حاولت سيسيليا حشرَ جسدِها معهُ.
“صـ.. صاحبَ السموِّ، لا تزالُ روبيانا تجهلُ الكثيرَ من الأمورِ، لذا أظنُّ أنه من الأفضلِ أن أكونَ معكما في هذه الحـ…..”
بام—!
لكنَّ الدوقَ أغلقَ البابَ في وجهِها دون أدنى رحمةٍ.
وبعد أن أغلقَ البابَ بهدوءٍ وجلسَ في المقعدِ المقابلِ لي، نطقَ بصوتٍ ثابتٍ لا شيةَ فيهِ.
“أخيراً، أصبحنا وحدَنا.”
تناهى إلى مسامعي صوتُ سيسيليا من خلفِ البابِ وهي تلهثُ غضباً وتزمجرُ.
“تباً! أيها الـ X!”
وما إن ابتعدتْ خطواتُ سيسيليا الغاضبةُ وهي تشتمُ، حتى خيَّمَ الصمتُ على الغرفةِ.
اتجهتْ نظراتي نحو الرجلِ الجالسِ أمامي.
في الحفلةِ الراقصةِ، كان الوقتُ الذي قضيناهُ معاً قصيراً جداً، وحتى قبل قليلٍ كنتُ في حالةِ ذهولٍ، لذا لم أتمكنْ من رؤيةِ وجهِهِ بوضوحٍ إلا الآنَ.
رغمَ جلوسِهِ، كان جسدُهُ طويلاً بشكلٍ يجعلكِ تضطرينَ للنظرِ إليهِ عالياً، وبكتفينِ عريضينِ للغايةِ.
وعلى نقيضِ بنيتِهِ الضخمةِ، لفتتْ انتباهي أصابعُهُ الدقيقةُ والطويلةُ بشكلٍ استثنائيٍ.
شعرُهُ الفضيُّ يشعُّ ببريقٍ غامضٍ، وتحتَ القناعِ الجامدِ الذي يبعثُ على القشعريرةِ، برزَ خطُّ فكِّهِ الحادُّ وأنفُهُ المستقيمُ.
وصولاً إلى بشرتِهِ المرهقةِ وعينيهِ الأرجوانيتينِ الحادتينِ كالنصلِ.
‘الآنَ أفهمُ لماذا يلقبُونَهُ بالدوقِ السفاحِ.’
يبدو أنه نالَ هذا اللقبَ بسببِ تلك الهالةِ الثقيلةِ والمظلمةِ التي تميزُهُ عن سائرِ البشرِ.
ومع ذلك، شعرتُ أن هذا اللقبَ لا يصفُهُ بدقةٍ كاملةٍ.
‘إنه يوحي بأنه دوقٌ شبحيٌّ أكثرَ من كونهِ دوقاً سفاحاً.’
بمجردِ النظرِ إليهِ، خُيِّلَ إليَّ أنني أرى قصراً “قوطياً” ملعوناً تنعقُ فوقَهُ الغربانُ.
وفجأةً، أيقظني صوتُ الدوقِ وهو يكسرُ حاجزَ الصمتِ.
“هل وجنتُكِ بخيرٍ؟”
حينها فقط، شعرتُ بحرارةِ الوجنةِ التي صُفعتُ عليها.
لقد بدتِ الأحداثُ التي وقعت قبل قليلٍ غيرَ واقعيةٍ لدرجةِ أنني نسيتُ الأمرَ تماماً.
“آه، نعم…. أنا بخيرٌ.”
ابتسمتُ بأكثرِ قدرٍ ممكنٍ من الطبيعيةِ كي لا يشعرَ بالقلقِ.
ظلَّ يرمقني بنظراتِهِ من خلفِ القناعِ الأبيضِ الخالي من التعبيراتِ، ثم أخرجَ شيئاً من بين ثيابِهِ ومدهُ نحوي بغتةً.
“إن لم يكن لديكِ مانعٌ، خذي هذا…”
ما قدمهُ لي لم يكن سوى مرهمٍ، ومن النوعِ المشهورِ بصعوبةِ الحصولِ عليهِ.
“سيخففُ الألمَ قليلاً إذا وضعتِهِ.”
هززتُ رأسي بابتسامةٍ خفيفةٍ
“لا، يكفي أنكَ ساعدتني، لا يمكنني قبولُ هذا أيضاً.”
رفعتُ رأسي وواجهتُ عينيهِ الأرجوانيتينِ اللتينِ تلمعانِ بهدوءٍ من خلفِ القناعِ.
“شكراً لكَ لتمثيلِ دورِ الخاطبِ. بفضلكَ، استطعتُ النجاةَ من الزواجِ بذاك النبيلِ العجوزِ.”
حدقَ الدوقُ ماليديكتوس بي بصمتٍ، ثم أجابَ بنبرةٍ متأخرةٍ قليلاً:
“…… لم يكن تمثيلاً.”
“سأحاولُ ردَّ قيمةِ الشيكِ لكَ بأيِّ طريقةٍ. إذا لم أستطعِ استعادتَهُ من والدي، فسأقومُ بسدادِهِ بنفسي ولو—”
“قبل قليلٍ.”
دوى صوتُهُ القويُّ، بنبرةٍ تختلفُ تماماً عما سبقَ.
“لم أكن أمثلُ الدورَ.”
“…… ماذا؟”
برقتْ عيناهُ الأرجوانيتانِ في عتمةِ القناعِ.
“لقد جئتُ لطلبِ يدكِ حقاً. لأنني أرغبُ في الزواجِ منكِ.”
في البدايةِ، لم أستوعبْ ما قالهُ الرجلُ الماثلُ أمامي.
وحين أدركتُ المعنى الكاملَ لكلماتِهِ، أصابَ عقلي بياضٌ تامٌ.
“آه.. لا، ولكن لماذا؟”
هل هذا الرجلُ جادٌ فيما يقولُ؟
‘لقد التقنيا مرةً واحدةً فقط، وفجأةً يطلبُ الزواجَ بي؟’
رجلٌ يتربعُ على عرشِ أرفعِ مكانةٍ في الإمبراطوريةِ، لا يملكُ سبباً واحداً للزواجِ من ابنةِ عائلةِ كونتٍ توشكُ على الإفلاسِ، لم يلمحْها إلا عابراً.
وخاصةً أنا، التي يشارُ إليها بالبنانِ لكوني كئيبةً وتجلبُ النحسَ.
“…… في الحقيقةِ.”
فتحَ الدوقُ فمهُ ببطءٍ.
“لقد وقعتُ في حبكِ من النظرةِ الأولى.”
وعند نطقِهِ بتلك الكلماتِ، احمرَّ طرفُ أذنهِ حمرةً خفيفةً جداً.
المشكلةُ تكمنُ في أن نبرتَهُ كانت جامدةً للغايةِ، كأنه يقرأُ من كتابٍ مدرسيٍ.
‘مهما نظرتُ للأمرِ، يبدو لي كأنه يكذبُ.’
لا بد أن هذا أسلوبٌ جديدٌ من أساليبِ الاحتيالِ.
وإلا، فليس من المنطقيِّ أن يقولَ هراءً عن الوقوعِ في الحبِ والرغبةِ في الزواجِ من شخصٍ رآهُ للمرةِ الأولى.
‘من يدري ماذا سيحدثُ إن انخدعتُ بهذا؟ إذا كان قادراً على الاحتيالِ هكذا في أولِ لقاءِ لنا، فلا أحدَ يعلمُ كيف سينقلبُ حالُهُ لاحقاً.’
بما أنه لا يوجدُ سببٌ يدعوني للانخداعِ باحتيالِهِ، قررتُ الرفضَ بتقديمِ بعضِ الأعذارِ المناسبةِ.
“ولكن، هل أنتَ متأكدٌ حقاً؟”
قلتُ بصوتٍ جادٍ تماماً، مع محاولةِ إظهارِ أكبرِ قدرٍ من الجنونِ في عينيَّ.
“أنا جسدي عليلٌ جداً. سيكلفُكَ البقاءُ بجانبي الكثيرَ من المالِ.”
تعمدتُ تغطيةَ فمي بيدي والتظاهرَ بالسعالِ وأنا أراقبُ ردَّ فعلِهِ.
‘بهذا، سيصعبُ عليهِ الإصرارُ على الزواجِ.’
ولم يكن هذا كذباً تماماً، فقد سبقَ وأن فُسختْ خطبتي لأنني كنتُ أمرضُ بلا سببٍ وأبصقُ الدمَ أحياناً.
وبينما ظننتُ أن الأمرَ سينتهي برؤيتِهِ وهو يفكرُ متردداً، قالَ:
“المالُ ليس ما ينقصني. لذا، فهذا لا يشكلُ مشكلةً على الإطلاقِ.”
أجل، عائلةٌ تملكُ من المالِ ما يفوقُ الحصرَ، أليس كذلك؟
كتمتُ غيظي وحاولتُ التظاهرَ بضعفٍ أكبرَ.
“…… كُح كُح. يقولُ الطبيبُ إن سببَ مرضي مجهولٌ، وقد يكونُ معدياً.”
“هذا رائعٌ. هكذا سأتمكنُ من مشاركةِ آلامِكِ معاً.”
أمام هذا الردِّ الغريبِ والباردِ على تحذيري المخيفِ، بدأتُ أشعرُ أن ثمةَ خطباً ما في هذا الدوقِ.
“لقد فُسختْ خطبتي أربعَ مراتٍ أيضاً.”
“أحقاً؟ بفضلِ ذلك، أصبحتُ قادراً على طلبِ يدكِ. لو كان هناكَ من يملكُ قلبكِ لكنتُ في مأزقٍ.”
عضضتُ على شفتي أمام ردودهِ الواثقةِ، وقدمتُ سبباً آخراً:
“شخصيتي كئيبةٌ، ويقالُ إنني أجلبُ النحسَ أينما حللتُ.”
بصراحةٍ، من يطلبُ يدي لا بد وأن يكونَ قد سمعَ بعضَ الشائعاتِ عني.
ولا يمكنُ لشخصٍ من عائلةِ الدوقِ ألا يبالي بشائعاتٍ كهذه—
“حقاً؟ وهل يمكنكِ إثباتُ ذلك؟”
“عفواً؟”
“مسألةُ كونكِ تجلبينَ النحسَ أم لا……”
انعقدَ لساني أمام همسِهِ الخافتِ:
“لا أظنُّ أننا سنعرفُ ذلك، إلا إذا عشنا معاً.”
التعليقات لهذا الفصل " 2"