1
“كيكيكي.”
تَعَالَتْ ضحكةٌ غريبةٌ لامرأةٍ يتدلّى شعرُها الأسودُ الفاحمُ كليلٍ بهيمٍ حتى كعبيها.
“هـاه…”
حبستُ أنفاسي وجسدي يرتجفُ، بينما غطيتُ فمي بيدي، وفي تلك اللحظةِ تناهى إلى مسامعي صوتُ تكسُّرِ مفاصلِها “طَق، طَق”.
تدا- تدا- تدا-
كانتِ المرأةُ تقتربُ ركضاً على أطرافِها الأربعِ، وقد انحنى ظهرُها إلى الخلفِ بزاويةٍ مرعبةٍ. ومن بين خصلاتِ شعرِها الغيرُ مرتب، برقتْ عينانِ محتقنتانِ بالدماءِ. كان مشهداً مهيباً يُطبقُ على الأنفاسِ؛ مشهداً كفيلاً بأن يجعلَ أيَّ شخصٍ يخرُّ صريعاً من شدةِ الهولِ.
“ما رأيكِ يا روبي؟”
التفتُّ، فإذا برجلٍ يقفُ خلفي لم يكن له أثرٌ قبل لحظاتٍ.
“هل أعجبتكِ الهديةُ؟”
ابتسمَ الرجلُ ببرودٍ، غيرَ آبهٍ بتلك المرأةِ التي كانت تندفعُ نحونا بدموعٍ من دمٍ.
“إنها…. إنها جداً…..”
أحكمتُ قبضتي، وصرختُ في وجهِ الرجلِ الذي كان ينتظرُ ردَّ فعلي بلهفةٍ:
“إنها فاتنةٌ للغايةِ!”
اسمي هو روبيانا أريستيا.
وكما ترونَ، أنا الآن أعيشُ شهرَ عسلٍ تبلغُ نسبةُ الرضا عنه مئةً بالمئةِ مع الرجلِ الذي يقفُ أمامي.
***
كانت روبيانا أريستيا مجردَ شخصية جانبية في هذه الروايةِ؛ شخصيةٌ جانبيةٌ باهتةٌ تغادرُ المسرحَ دون أن تحظى بفرصةِ تبادلِ كلمةٍ واحدةٍ مع البطلِ أو البطلةِ. هذا هو الدورُ الذي وُهب لي حين وُلدتُ مجدداً داخلَ صفحاتِ هذه القصةِ.
“يا إلهي، ما الذي أتى بتلك الكئيبةِ روبيانا إلى هنا؟”
بمجرد أن خطوتُ داخلَ قاعةِ الرقصِ، بدأت همساتُ الناسِ تلاحقني كظلالٍ سامةٍ.
“ليس لديها أصدقاءٌ، وقد فُسختْ خطبتُها ثلاثَ مراتٍ.”
“ويقولونَ إنها ترى أشياءً غريبةً.”
توقفتُ عن السيرِ حين سمعتُ ذلك.
أرى أشياءً غريبةً، هاه؟
صوّبتُ نظراتي نحو امرأةٍ تتزينُ بجواهرَ براقةٍ، فرأيتُ كتلةً سوداءَ تلتصقُ بكتفِها وتتلوى بوضوحٍ.
[مـاء.. مـاء..]
كانت الكتلةُ تتمتمُ بصوتٍ يشبهُ بكاءَ طفلٍ صغيرٍ. فكرتُ في نفسي: “أجل، كلامُهم ليس خاطئاً تماماً.” فأنا بالفعل أستطيعُ رؤيةَ ما يعجزُ الآخرونَ عن إبصارِهِ.
“من الأفضلِ لكِ أن تحذري من الماءِ.”
قلتُها للمرأةِ التي لم تلاحظْ وجودَ تلك الكتلةِ السوداء أبداً.
“ماذا؟ ما هذا الهراءُ الذي تقولـ…..”
تحطم!
لم أكد أتمُّ كلماتي حتى فقدَ خادمٌ توازنَهُ وهو يمرُّ بجانبِها، لينسكبَ النبيذُ فوق فستانِها الفاخرِ.
“هذا…. أتعلمُ كم يبلغُ ثمنُ هذا الفستانِ!”
بينما كانت المرأةُ منشغلةً بفستانِها، انسحبتُ بهدوءٍ من وسطِ الجلبةِ.
[مـاء.. مـاء أحمر.. أحبه!]
لمحتُ بطرفِ عيني تلك الكتلةَ السوداءَ وهي تتمرغُ في النبيذِ المسكوبِ على الأرضِ.
‘إنها موجودةٌ في كلِّ مكانٍ اليومَ أيضاً.’
تلك الكائناتُ الغريبةُ لم تكن سوى “لعناتٍ”. لعناتٌ تجلبُ سوءَ حظٍ بسيطٍ لمن يقتربُ منها؛ كتعثرٍ في الطريقِ أو فقدانِ غرضٍ ثمينٍ. كانت مراقبةُ تلك اللعناتِ هي لذتي الوحيدةَ منذ أن تجسدتُ هنا. وبما أنني كنتُ في حياتي السابقةِ أعشقُ الرعبَ وألتهمُ رواياتِهِ، فقد كانت هذه اللعناتُ كائناتٍ مثيرةً للاهتمامِ بالنسبةِ لي.
“انظري، قلتُ لكِ إن المصائبَ تقعُ دائماً بجانبِ الليدي روبيانا.”
“وُلدتْ بعد أن تسببتْ في موتِ أمِّها، فماذا نتوقعُ منها؟”
وعلى عكسِ البشرِ، كانت اللعناتُ هي الوحيدةَ التي لا تؤذيني.
“يا لشدةِ اختلافِها عن أختِها الكبرى التي تشبهُ الملائكةَ.”
استقرتْ تلك الكلماتُ الساخرةُ في أذني، فغيرتُ وجهتي نحو الشرفةِ هرباً من ضجيجِهم. وهناك….
اصطدام!
“رو- روبيانا؟”
بمجرد أن أزحتُ الستائرَ التي تغطي الشرفةَ، افترقَ رجلٌ وامرأةٌ كانا ملتصقينِ كأنهما جسدٌ واحدٌ.
“روبيانا، الأمرُ ليس كما تظنينَ…..”
هذا الرجلُ الذي كان يتلعثمُ بأعذارٍ واهيةٍ، بقميصِهِ المفتوحِ ووجهِهِ المحتقنِ خجلاً، هو خطيبي الذي ارتبطتُ به منذ ثلاثةِ أسابيعَ فقط. وكان أحمرُ الشفاهِ يلطخُ شفتيهِ بوضوحٍ.
“روبيانا، يا أختي الصغرى.”
أما المرأةُ التي كانت تقبلُهُ بكلِّ شغفٍ، فكانت أختي غيرُ الشقيقةِ، سيسيليا، المشهورةُ برقتِها الملائكيةِ.
“ماذا أفعلُ يا عزيزتي؟ مالك يقولُ إنني حبُّهُ الحقيقيُّ الوحيدُ.”
قالت سيسيليا وهي تداعبُ وجنةَ مالك بابتسامةٍ سماويةٍ.
“القلبُ وما يهوى، أليس كذلك يا مالريك؟”
من ذا الذي كان ليعرفَ أن سيسيليا النقيةَ والرؤوفةَ هي في الحقيقةِ من نشرتِ الشائعاتِ ضدي وسجنتني في غرفةٍ مهجورةٍ، بل ووصل بها الحقدُ إلى سرقةِ خطيبي؟
“آه…”
تنهدتُ وأنا أرجعُ شعري إلى الوراء.
[آه، يؤلم…. يؤلم….]
[لن أتركك…. لن أتركك…. لن أتركك….]
[كل هذا بسببكَ أنتتتت!]
كانت اللعناتُ الجاثمةُ فوق كتفِ مالريك تصرخُ بحقدٍ أسودَ.
“أختي، حقاً معدتكِ قويةٌ.”
أبعدتُ نظري عن تلك اللعناتِ الصارخةِ وقلتُ بنبرةٍ خافتةٍ:
“أن تتدحرجي على الأرضِ مع مصابٍ بمرضِ (سليان).”
تصلبَ وجهُ سيسيليا فورَ سماعِها اسمَ ذلك المرضِ المعدي الذي تظلُّ بثورُهُ الحمراءُ تطاردُ المصابَ حتى الموتِ.
“…ماذا؟”
“آه، ألم تسمعي؟”
تعمدتُ رفعَ صوتي ليسمعَ الجميعُ بوضوحٍ:
“قلتُ إن معدتكِ قويةٌ لتقومي بتقبيل شخصٍ مصاباً بمرضِ سليان!!”
تجمعَ الناسُ حول الشرفةِ بفضولٍ إثرَ صرختي.
“تخيلوا، لقد وصلتْ عدةُ مطالباتٍ ماليةٍ لعلاجِ مالريك بريستون من مستشفى ليمان!”
كان خطيبي يثيرُ اشمئزازي منذ يومِ الخطوبةِ، حيث كان يجرُّ خلفَهُ لعناتٍ تبكي من الألمِ. وبالفعلِ، سقطتْ من جيبِ سترتِهِ التي نسيها ذات مرةٍ فواتيرُ من المستشفى الذي لا يستقبلُ سوى مرضى سليان.
“ماذا؟ الابنُ الثالثُ لعائلةِ بريستون مصابٌ بمرضِ سليان؟”
“ألم يكن خطيبَ الليدي روبيانا؟ هل يقبلُ الليدي سيسيليا الآن؟”
في لمحِ البصرِ، تركزتِ الأنظارُ على سيسيليا مالريك، وشحبَ لونُهما كالأمواتِ.
“هـ-هذا.. ليس الأمرُ كذلك، أختي تقولُ أشياءَ غريبةً مجدداً-“
حاولتْ سيسيليا التبريرَ، لكن الناسَ لم يكترثوا للحقيقةِ.
“على ذكرِ ذلك، يقالُ إن كلَّ النساءِ اللواتي واعدنَ مالريك بريستون طريحاتِ الفراشِ الآن.”
“يا للهولِ، إذن سيسيليا أيضاً…”
تركتُها ووجهُها يتقلبُ بين الحمرةِ والزرقةِ، وخرجتُ من الشرفةِ.
“يا له من إرهاقٍ.”
كنتُ أرغبُ في قضاءِ يومٍ هادئٍ بمراقبةِ اللعناتِ فحسب. وفجأةً، راودني خاطرٌ: “إلى متى سأظلُّ أعيشُ هكذا؟”
منذ حياتي السابقةِ وأنا أعشقُ كلَّ ما هو مخيفٌ؛ الأشباحَ ذواتِ الشعرِ الطويلِ، الدمى التي تتحركُ من تلقاءِ نفسِها، الجماجمَ المدفونة في الجدرانِ. كنتُ أريدُ فقط أن أعيشَ بسلامٍ وسط هذه الأشياءِ. لكن يبدو أن البشرَ في كلِّ عالمٍ متشابهونَ، فقد كانوا منشغلينَ بمضايقتي ونعتي بالغريبةِ.
“بهذا الشكلِ، لا يختلفُ هذا العالمُ عن حياتي السابقةِ في شيءٍ.”
اصطدام—
في تلك اللحظةِ، اصطدمَ كتفي بشخصٍ ما.
“…أنا أعتذرُ.”
اعتذرَ رجلٌ ذو بشرةٍ شاحبةٍ وشعرٍ فضيٍ كأنهُ نُسجَ من رقاقاتِ الثلجِ.
“آه، لا بأسَ. أنا بخيرٌ.”
رغم أنه لم يكن حفلاً تنكرياً، إلا أنه كان يغطي نصفَ وجهِهِ بقناعٍ أبيضَ جامدٍ. ومع ذلك، كان أنفُهُ المستقيمُ وخطُّ فكِّهِ المتناسقُ يشيانِ بجمالٍ آسرٍ خلفَ ذلك القناعِ. لكن ثمةَ شيءٌ آخرُ جذبَ انتباهي.
“يا للهولِ…..”
كانت هناك أضخمُ لعنةٍ رأيتُها في حياتي تجلسُ فوق كتفِهِ، فاتحةً فاها على مصراعيها. كانت من الضخامةِ بحيث تكادُ تغطي نصفَ جسدِهِ. ربما لهذا السببِ بدا الرجلُ مرهقاً بشكلٍ غيرِ طبيعيٍ.
“انظروا هناك، إنه ذاك الملعونُ…..”
“اشش، اخفض صوتَك!”
سمعتُ همساتِ الناسِ وهم يشيرونَ إليهِ.
“إنه الدوقُ السفاحُ.”
الدوقُ السفاحُ؟ ذاك المشهورُ؟
“آه…”
“أووه، هل أنت بخيرٌ؟”
قبل أن أسترسلَ في تفكيري، مالَ جسدُ الرجلِ جانباً. ورغم أنه استعادَ توازنَهُ بسرعةٍ، إلا أن علاماتِ الألمِ من ثقلِ اللعنةِ كانت واضحةً عليهِ. لم أستطعِ الوقوفَ مكتوفة الأيدي، فمددتُ يدي نحو كتفِهِ. وبمجرد أن لامستْ أصابعي تلك اللعنةَ المتلويةَ، انفجرتْ وتلاشتْ كأن لم تكنْ. المكانُ الذي كانت تحتلُّهُ تلك الكتلةُ الضخمةُ أصبح فارغاً تماماً.
“يا آنسة.”
أعادني صوتُهُ الرخيمُ إلى واقعي. استقرَّ تنفسُهُ أخيراً بعد أن تحررَ من ذاك الثقلِ الجاثمِ.
“ما اسمُكِ؟”
كان الرجلُ ينظرُ إليَّ مباشرةً، بنظرةٍ تختلفُ تماماً عن نظراتِهِ السابقةِ.
“روبيانا أريستيا.”
أومأ الرجلُ برأسِهِ عند سماعِ جوابي، ثم انحنى.
“هاه؟”
أطبقَ بيديهِ على يدي، ثم نطقَ باسمِهِ بنبرةٍ وقورةٍ:
“أنا داميان ماليديكتوس.”
نظرتْ إليَّ من خلفِ القناعِ عينانِ أرجوانيتانِ عميقتانِ.
“…شكراً لكِ.”
كانت نظرتُهُ مليئةً بالامتنانِ، كمن ينظرُ إلى منقذٍ أنقذَ حياتَهُ.
“سأردُّ لكِ هذا المعروفَ حتماً.”
وقبل أن أنطقَ بكلمةٍ، رحلَ مخلفاً وراءَهُ كلماتِ الشكرِ تلك.
‘يشكرني؟’
بما أنه لم يلحظْ وجودَ اللعنةِ أصلاً، فمن المؤكدِ أنه لا يعرفُ أنني أزلتُها. ربما يشكرني لمجرد أنني ساندتُهُ قليلاً.
‘حسناً، يبدو أنه رجلٌ طيبٌ على عكسِ الشائعاتِ.’
وهكذا، نسيتُ أمرَ ذلك اليومِ تماماً.
***
مرتْ عدةُ أيامٍ على تلك الحفلةِ.
“على أيةِ حالٍ، لقد وقعتُ في حبكِ من النظرةِ الأولى.”
رجلٌ بدينٌ يبدو في الخمسينَ من عمرِهِ، أخرجَ علبةً مخمليةً من جيبِ سترتِهِ الذي يكادُ ينفجرُ، ومدَّها نحوي.
“أرجو أن تقبلي الزواجَ بي، يا آنسة روبيانا.”
نظرتُ ببرودٍ إلى ذلك الرجلِ الذي كان يتصببُ عرقاً وتعلوا وجهَهُ ابتسامةٌ جشعةٌ.
“روبيانا، ماذا تفعلينَ؟ خذيها فوراً.”
حثني والدي بصوتٍ متسلطٍ.
“كما قالتْ سيسيليا، حان الوقتُ لتستقري. لم أكن أتوقعُ أن تجدَ لكِ زوجاً رائعاً كهذا.”
تلك اللعينةُ سيسيليا.
رمقتها بنظرةٍ حادةٍ وهي تتظاهرُ بالبراءةِ وتهزُّ مروحتَها اليدويةَ، فأطلقتْ ضحكةً مزيفةً.
“لقد صادفتُ هذا الرجلَ النبيلَ فحسبُ. أين سنجدُ شخصاً يقبلُ بالزواجِ من فتاةٍ فُسختْ خطبتُها ثلاثَ مراتٍ، بل ويدفعُ تسعةَ آلافِ قطعةٍ ذهبيةٍ مهراً لها؟”
لقد قدمتْ لوالدي، الذي لا يهمُّهُ سوى المالِ، رجلاً أكبرَ منه سناً ليكون زوجاً لي، فقط لتنتقمَ مني لما حدث في الحفلةِ.
“لن أتزوجَ.”
نهضتُ من مكاني وأعلنتُ قراري.
“لستُ مجنونةً لأفعلَ ذلك.”
لم أكن أريدُ أن أعيشَ حياةً لا أملكُ فيها حقَّ القرارِ حتى بعد أن تجسدتُ في روايةٍ.
صفعة—!
أمسكتُ بوجنتي التي لسعتها الصفعةُ وأطرقتُ رأسي. وسرعانَ ما انهمرتْ عليَّ الشتائمُ.
“أيتها الطفيليةُ، كيف تجرئينَ على العصيانِ؟”
أمسك بي والدي وأنا أترنحُ، وأجبرني على الجلوسِ أمام ذلك الرجلِ البدينِ.
“اقبلي.”
لم أعد أحتملُ العيشَ هكذا.
“أنتِ مجردُ بضاعةٍ ستُباعُ مقابلَ تسعةِ آلافِ قطعةٍ ذهبيةٍ.”
لم أعد.. لم أعد أحتملُ…..
بوم—!
فجأةً، انشقتِ السماءُ الصافيةُ عن صاعقةٍ رعديةٍ، واُفتتحَ بابُ غرفةِ الاستقبالِ بعنفٍ.
“مـ-ماذا يحدثُ؟”
مرَّ رجلٌ ينبعثُ منه جوٌّ موحشٌ من أمام والدي وسيسيليا المذعورينِ، وخطا للداخلِ بخطواتٍ ثابتةٍ. كان فارعَ الطولِ، بشعرٍ فضيٍ رأيتُهُ من قبلُ، وقناعٍ أبيضَ يغطي نصفَ وجهِهِ.
“لقد جئتُ لأردَّ المعروفَ.”
جثا الرجلُ الذي نادوهُ في الحفلِ بالدوقِ الملعونِ على ركبتِهِ أمامي وقالَ:
“روبيانا، هل تقبلينَ الزواجَ بي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 1"