الانستا: aahkk_7
***
“واليوم سيكون لقاءنا الأول، منذ ذلك الحين”
استحيا وجه غريس تورُّدًا غمره كتفتُّحر نوّار الكرز.. فديتريش؛ مليكُ فؤادها، سيقف أمامها بعد لحظاتٍ من جديد… مليكُ روحها، الرّجل الذي وعدها، سيعود إليها اليوم.
لكن..
ما أمر هذا الارتباك الجارف؟
عانقت وجنتيها، علّها تخفف وطأة توهّجٍ ذي برودةٍ حارّة، سرت من جبينها، حتى غُمر وجهها كلّه بكفيها.
ثم،
انفلقت الأبواب فجأة، – بدت غير مُرحّبة – ما جعلها تتبعثر، ثم نهضت والتفتت ببطء. . .
“آاه…”
عجز لسانها عن التعبير،
كانت قد أعدّت سناريوهاتٍ ملؤها حبكاتٌ دراميّة فذّة، لكنّها الآن.. قد تلاشت.
لم يبقى من أثرها، سوى صمتٍ مبهوت، صمتٌ أساسهُ ذهولُ أشواقٍ معلّقةٍ على رأس الرّجل المقترب صَوبها.
شعرٌ داكن.. عينان تُحاكي دجن الليل، وملامحُ مألوفه؛ دفنَ نقاءها قسوة الزّمن وجفاءه.
هو لم يعد… ذات الرّجل، الذي عهدته منذ خمس سنوات..
كان ديتريش دوما ما يُساء فهمه بسبب مهابته، إلا أنه اليوم، لم يدع مجالًا للّبس في هكذا ظن…
نظراتٌ حادّة وشرسة، تحمل في طيّا جفونها وعيدًا مكبوتًا؛ بل وتنضحُ بِعِداءٍ متوحّش، وتنوي وعيدًا مكتومًا…
مجرّد تجسيدٍ، للشّراسة.
أهذا هو حقًّا؟
استساءلت ذاتها مدهوشةً حتى تلبّك قلبها مما تراه…
ملامحُ الهُزال تغزو تقاسيم وجهه، دوائر الهالات المسودّة… نحيلٌ من الصّحة والعافية.. ومليءٌ بالشُّؤم والبرود.
رجلٌ خالٍ من دفء الأمس.
لكن لماذا؟
ألم تُختَتَم الحرب بانتصارٍ باهر؟
ألم يَعِد الإمبراطورُ بمكافأةِ من يُعيد المجد للبلاد؟
إذن لماذا…
“سمعتُ أنّكِ جئتِ للتّحدُّثِ عن الرّاحلة زوجتي” قاطع أفكارها بصوته العميق شحيحِ اللين.
“آه…”
ارتجفت الكلمات في جوف حلقها،
لقد مرّ زمنٌ منذ سمعت صوته، إلا أنّه بدا خاليًا من أيّ مودة.
“بلى، هذا صحيح”
“من الذي أرسلكِ هذه المرّة”
“لم يُرسلني أحدٌ لحضرتك.
أُدعى دينيسيا بلانشيت، أتيتُ وحيدةً؛ لأُحدّثك بما أعرف، يا مولاي الماركيز”
رمقها بفتور، وأردف بنبرةٍ بالية مُستخفّة:” بلا نشيت إذن…
أُسرةٌ لا صلة لها بزوجتي؛ فلا أظن، أن في كلامكِ سيكونُ شيئًا، يستحقُّ الإصغاء”
صُدمت حقًّا، إلا أنها تماسكت وأردفت:
“ألستَ ترى، أنه سيكون من المُنصف، أن تسمع حكاياي أولًا، ثم تحكُمَ بنفسك إذا كان يستحقُّ الإصغاء؟”
ضيّق حاجبيه بنفاد صبر، ويبدو بالكاد يستطيع أن يكتم ضيقه، وأردف: كما قُلت، لا صلة بينكما أبدًا، لقد عرفتُ غريس قبل أن يطأ اسمكِ مسامعي”
” لكن، ألا يُساورك الفضول لتعلم سبب عدم زيارتي لها؟ لقد كنتُ سيدي عليلةً للغاية… إلى حدّ بقتئي طريحة الفراش طوال الوقت”
توقفت أصابعه عن العبث على الطّاولة، ثم أردف ببرود:” أتدرين كم هو هراؤكِ هذا سخيف؟
أكمليه، وسترين كيف سأُزهقُ روحكِ في الحال.”
“لتفعل، لكن تذكّر أنك إن فعلتها؛ فسيُساوركَ ندمٌ تقضمُ فيه أصابعك إن قتلتني دون أن تسمعني يا مولاي”
حدّقت فيه بنظراتٍ ثابته،
هي تُدرك أنه قادرٌ على سحقها حالًا، إلا أنها كانت تؤمنُ بشيءٍ واحد،
«هو لن يفعل»
فثقتها به لم ولن تتزحزح.
“إذن، ما الذي جئتِ لتُريني إيّاه؟”
“هذه”
أخرجت من حقيبتها رسالةً مطوِيّة،
للحظةٍ اتسعت عيناه؛ فخطف الرّسالة كقطٍّ وجد قُوُته حينما كان على حافّة الهلاك.
فتحتها بأيدٍ مرتعشة، ارتعاشٌ رقيقٌ بالكاد يُرى، لكنّه حاضرٌ بين كفيه، وقرأ…
قرأ ومع كلّ سطرٍ يلينُ جبلٌ بركامٍ مهدّم عن جفنيه، حدّةُ نظراته تخفُت،
كادَ يُرى بريقُ أملٍ في بؤبؤَيه، ولانت قسوته أمام مجرّد حروفٍ محبورة.
أعاد قراءة كلّ سطرٍ مرّةً بعد مرّة حتى ضاق صوته في صمت،
وأخيرًا، رفع ناظريه إليّ:” ما الذي دفعكِ للمجيء إلى هنا؟ لا يسهُل على ابنةِ بارونٍ مغمورٍ أن تصل إلى هنا”
“سمعتُ أنك تبحثُ عن أي أثرٍ لزوجتك؛ فجئت”
ساد صمتٌ أشبه بمكانٍ مُفرغ، حتى أردف لها
“وماذا بعد؟”
تبسّمت بخفّة، وقد كان الحنين يعتصرُ قلبها؛ فأجابته:” لم تكن رسالةً واحدة؛ فقد أرسلت لي العديدَ تحكي فيهم عن تفاصيلها الصّغيرة، عمّا تُحبُّ وتكره، وربمّا… عمّا تبحثُ عنه”
حدّق فيها مليًّا ثم سأل:“وكم ثمنهم؟”
تلاقت أعينهما؛ فرأت في خاصّته فراغًا أجوف يحتوي في طيّاته ألمًا غائرًا.
اضطربَ قلبها، تذكّرت الماضي، وكادت تنسى نفسها…
ارتسم على ثغرها بسمةٌ لا إرادية أردفتها مع نبرةٍ أقرب للهمس:” لا أطلبُ مالًا يا مولاي، بل أودُّ… أن تعقدَ معي، زواجًا تعاقُدًّا”
***
الانستا: aahkk_7
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"