الانستا: aahkk_7
***
هزّت رأسها نافِضةً قَتَرةَ رهبتها،
وزمّت شفتيها مُصمِّمة؛
فهذا ليس وقتَ الاستسلام للأفكار،
أخذت نَفَسًا وتقدّمت من الحارس الواقف عند جِسر القلعةِ المرفوع
“جئتُ أطلبُ لقاء الماركيز هابروفيلد”
“اليومَ لا زياراتٍ مقرّرةً له، ألديكِ موعد؟”
“كلا”
تبدّلت ملامح الحارس وأشاحها بيده مزدرئًا
“سيدنا ليس ممن يُبدِّدُ وقته في تفاهاتٍ مصطنعةٍ كهذه، انصرفي”
حدّقت فيه بشرارةٍ تحدٍّ وعزم وأردفت:” أظنُّ أن الماركيز لن يمانع رؤيتي؛ فأنا أحمل لهُ بلاغاتٍ عن الماركيز غريس”
تصلّب وجه الحارس، وارتبك للحظة، ثم احنى رأسه قليلًا إلى مستوى رأسها وقال:
“لستُ أعلم من أين أتيتِ، لكن إن لم تريدي أن تُزهقَ حياتكِ هدرًا؛ فعودي أدراجكِ.”
كان صوته صارمًا، لكنه بقي مهذبًا؛
واضحٌ أنه يظنها امرأةً ساذجةً ابتلعتها الشائعات ومغنطتها نحو هابروفيلد، غير أنّ دينيسيا لم تتراجع.
“شكرًا لاهتمامك، لكنني لا أحتاجه، هذا طريقي الذي اخترته بنفسي، وسأمشيه مهما حدث”
” ألستِ عاقلةً يا آنسه؟ أقول لكِ، إن تقدمتِ أكثر قد تخسرين حياتك”
“أُدرك ذلك… لكنني وصلتُ إلى هنا بإيماني واختياري، ولن أعود.”
تنهد الحارس تنهيدةً طويلة، ثم رفع يده؛ فأُسدل الجسر بخشخشةٍ مُدَوِّيَة.
تراجع إلى الخلف مشيرًا لها بالمرور.
“آمل أن أراكِ ثانية وأنتِ بخير.”
أومأت له شاكرة،
مُصرّةً… وفيها تفاؤلٌ كبير، كأنها أرادت أن تُردف له بثقة تامّة: «أنا أعرف زوجي جيدًا لا تقلق!» لكنها… كتمتها.
أطرقت قدماها أولى خطواتها كدينيسيا داخل أملاك هابروفيلد، بيتها الحبيب…
ومع كلّ خطوةِ حنين تخطوها، تتباطأُ قدماها إثر الوحشةِ التي اجتاحت صدرها، وهي تتأمّل أرجاء المكان المُفره الخاوي بعد خمسِ سنواتٍ طوالٍ من الفِراق.
“طفلي… حبيبي الصغير، لا أثر له…”
خمسةُ أعوام، هذا عمر صغيرها الآن…
لابدّ أنه يحومُ ويلعب، ويستكشف العالم بعينيه الصّغيريتين اللطيفتين…آااه..
فكرةُ أنها لم تره بعد، تغُصُّ صدرها..
نفضت رأسها،
“كلّا، عليّ أن أستعيد شتات نفسي!”
“إذا سارت الأمور على خير، فسوف أراه قريبًا، عليّ ألا أبدو مريبة!”
اقترب منها كبيرٌ خدمٍ لم تألَفه، ولم تره من قبل؛ فالقديم الذي كان يخدمُ في وقت غريس، لم يكن موجودًا..
“تفضلي إلى غرفة الاستقبال”
جلست في أحضان دفء الغرفة، وأخذت تحتسي شايها العطر؛ إلا أن أصابعها أخذت تتجمّد على حافّة الكوب.
آااه، إنني أرتجف…
أخذت بطرفيْ معطفها وأحطتهما بجسمها؛ فمذ أن داست قدماها الغرفة وإذا بجوٍ غريب اعترى جسدها من فرط التوتر؛ فأخذ يرتجف.
أخيرًا ستراه!
زوجها! زوجها الحبيب!
أخيرًا بعد خمس سنواتٍ طوال.
مع أن الخمسَ سنوات مرّت كأنها نص سنةٍ منذ ودعته
“لا تقلقي، سأعود سريعًا”
كانت تلك آخر كلماته التي دقّت أُذنها، ولا تزال تصدح
“إنه كالعادة، لا شيء خطير، سأمضي وأعود وكأن شيئًا لم يكن”
يده الدافئة كانت تحتضن يدها في أعقاب ذلك الشتاء القارس. تساقطت حبّات الثلوج الرّقيقة على معطفه الصوفي البني؛ فبدا كلوحة معلّقة في الذاكرة.
“فقط تمهّلي علي قليلًا، وانتظريني”
“أنتظرك لأجل ماذا؟”
“لأجل الطفل”
حينها أدركت فقط، أن نظره كان مثبّتًا على بطنا فقط..
قطب حاجبيه قلقًا وسألها:”أليس أوانُ ولادتكِ قد اقترب؟”
“…ربما”
رفعت غريس ذراعها وأخذت تمسّد بطنها برفقٍ لاشعوريًّا، ربما بالفعل صارت ولادتها قريبه، إلا أنها قد تباغتها في أيّ لحظة.
“أوصيتُ الجميع بالفعل بأن يرعوكِ بأقصى قدرٍ من الاهتمام؛ حتى لا ينقصكِ شيء؛ فلا أريدكِ أن تحسّي بأي ضيق”
في قصر آل هابروفيلد، كان يسكنه قلّةٌ من الأطفال، ولم يبدو ديتريش من النوع الذي قد ينخرط في العلاقات؛ لذا فقد كان الزواج بالتعاقد معه ممكنًا؛ غير أنه، قد أبدى لهذا الطّفل الموعود كلّ الحماسة والاهتمام سواء كان ذكرًا أم أُنثى؛ فقد كان ينظر له على أنه الوريث المنتظر.
“سأعود قبل أن يحين موعد ولادتك؛ لكن مع ذلك احتياطًا؛ فقد نبهتُ الموظيفن في حال حصول أي طارئ”
كان يؤكد الأمر كثيرًا بمظهرٍ قلق، إلى أن ربتت غريس على يده برفق بداعي طمأنته وأردفت :”لا تقلق، سأكون بانتظارك”
عندها حلّ صمتٌ غير مُعبّر أجراء الجوّ بينهما، لم يبتسم ديتريش، إلا أنه أطلق زفرةٍ قصيرة، وآخر كلماته :”اعتنِ بنفسك.”
ثم توالت الفصول، وطال الغياب
حتى جاء ذاك اليوم، ووضعت فيه غريس مولودها.. ثم أغمضت عينيها للأبد.
ولم يعد ديتريش.
***
الانستا: aahkk_7
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"