لم تكن مجرد امرأة مجنونة عابرة.
لكن حين نظر كاسيان إليها من فوق صهوة جواده، ورأى تلك المرأة الضئيلة التي بدت ككائنٍ أسطوريّ أشبه بجنيّة، تهاون في حذره. ولأنه كان واثقًا تمام الثقة من انتصاره، باغتته الهزيمة من حيث لا يحتسب.
كان يتوق بشدة إلى تبديل ملابسه. صعد الدرج على عجل، وكاد يصطدم بشخصٍ يقف في الأعلى.
“كاسيان.”
“أخي.”
كان ذلك تيسماكس بيترو، الوريث المرتقب لدوقية بيترو.
وكما قال والداه، كانت صحته تزداد سوءًا مع الأيام. بدا شاحب اللون، ناحل القوام، والهالات الداكنة تحت عينيه كشفت عن إرهاقٍ عميق لا تخطئه العين.
“…”
“…”
خيّم صمت ثقيل بينهما. الرجلان، المتشابهان حدّ التطابق، كأنهما انعكاسان في مرآة، حدّقا أحدهما في الآخر بحدة.
في كل مرة يصادف أحدهما الآخر في المنزل، كان المشهد يتكرر على هذا النحو. فبعد طول غياب، لم يعد الأخوان قريبين، بل غدا بينهما بُعدٌ أشد من الغربة.
كان كاسيان أول من كسر الصمت.
“هل أنت مريض فعلًا؟.”
“أنا بخير.”
أجاب تيسماكس ببرود.
“أم أنك تتظاهر بذلك من أجلي؟.”
“ماذا؟.”
ارتعشت حواجب تيسماكس عند كلمات كاسيان اللاذعة.
“أعني… هل تحمل في قلبك ضغينة لأني تركتك وحدك؟.”
“أي هراء هذا الذي تتفوه به؟.”
“لا يهمني لقب الدوقية من الأساس. لذا تماسك، وتولَّ مكانك كما ينبغي، من دون أن تمنح الناس ذريعة للثرثرة.”
“كاسيان، أنت من يحتاج إلى أن يفيق.”
أمسك تيسماكس بياقة شقيقه الأصغر بعنف لم يسبق له مثيل. كانت تلك أول مرة يمدّ يده عليه.
“دعني!.”
“يبدو أن العيش متفرغًا في الريف جعلك تجهل كيف يسير هذا العالم. كون جسدي لم يعد كما كان، لا يعني أن منصب الوريث سيقع بين يدي متسكّع مثلك.”
كانت كلماته منخفضة، لا يسمعها سوى كاسيان، لكنها حملت برودة لاذعة.
“أما ما يدور في رأس جبانٍ فرّ هاربًا، فلا يعنيني في شيء. يكاد رأسي ينفجر من كثرة ما أتحمّله من أعباء نيابة عن والدنا. فوفّر عليّ سخافاتك الطفولية.”
بعدها فقط، أطلق تيسماكس سراحه.
نفض يديه بهدوء، ثم مرّ من أمام الخدم المذهولين، وخرج من الباب الرئيسي بخطوات واثقة.
ظلّ اتزانه كاملًا، على عكس كاسيان الذي احمرّ وجهه حتى الأعماق. كان ذلك تصرفًا بالغ النضج، قاسيًا ونظيفًا في آنٍ واحد.
اندفع كاسيان إلى غرفته، وخلع سترته بعنف. انكشف صدر شاحب لم يعتد أشعة الشمس.
كان جسده، الذي لا يزال في طور الانتقال من المراهقة المتأخرة إلى الرجولة، يبدو نحيلًا للوهلة الأولى، لكنه كان يزداد صلابة مع مرور الزمن.
ارتمى على السرير بزاوية مائلة، وغطّى عينيه بيده. كانت دوامة من الغضب والمهانة تنهش صدره.
‘هل أعود إلى تاكسفورد حالًا؟.’
ما زالت أمامه بضعة أيام، لكنه يستطيع استدعاء عربة والمغادرة متى شاء. ففي النهاية، لا شيء هنا ينتمي إليه حقًا.
اعتدل في جلسته، ومدّ يده إلى كأس الماء على الطاولة المجاورة.
ابتلعه دفعة واحدة، وشعر أخيرًا بأن رأسه بدأ يصفو قليلًا.
كاسيان بيترو.
الابن الثاني لدوق بيترو، وُلد في الحقيقة بصحة قوية.
منذ طفولته وحتى اليوم، لم يُصب حتى بأبسط الأمراض.
ورغم بنيته التي توحي بالهشاشة، وهي سِمة متوارثة في آل بيترو، إلى جانب بشرته البيضاء الناصعة التي ورثها عن والدته، كان يبني قوته الحقيقية بعيدًا عن أنظار الأسرة.
اتساع كتفيه واشتداد ذراعيه كانا خير دليل على ذلك.
ولولا عزيمته الصلبة، والتدريب القاسي الذي خضع له منذ صغره، لما ظلّ هذا السر خافيًا على الجميع خارج أسوار بيت بيترو.
لكن شقيقه الأكبر، تيسماكس، لم يكن محظوظًا مثله. فرغم تطابق ملامحهما، كان تيسماكس يلامس الموت مرارًا بفارقٍ ضئيل.
حين بلغ كاسيان العاشرة، انهار تيسماكس مرة أخرى.
وفي يأسٍ عميق، استدعى دوق ودوقة بيترو ابنهما الثاني.
«كاسيان.»
«كيف حال أخي؟ هل مرضه خطير؟.»
«هذا ليس المهم الآن.»
أمسكت الدوقة بيد كاسيان الصغيرة بقبضة مرتجفة، يشوبها إصرار قاسٍ، إرادة الحفاظ على مستقبل العائلة.
«اعتبارًا من اليوم، عليك أن تحلّ محل أخيك.»
«ماذا…؟»
«لم يعد بإمكاننا تقديم تيسماكس بوصفه الوريث. شخص بهذه الهشاشة لا يمكنه قيادة بيت بيترو.»
لم يستوعب كاسيان كلمات والده. كل ما شعر به كان قشعريرة تسري في جسده تحت نظرة الدوق القاتمة.
«أبي، ماذا تعني…؟»
«كاسيان، من الآن فصاعدًا، أنت الوريث. ستقود بيت بيترو بدلًا من أخيك.»
في ذلك العمر، لم يكن قادرًا على فهم معنى الدوقية، ولا ثقل لقب الوريث، ولا ما تمثله كرامة العائلة.
لكن ثمة أمرًا واحدًا أدركه بوضوح، لأنه رآه كل يوم بعينيه: تيسماكس، رغم جسده الضعيف، لم يستسلم قط. لم يتوقف عن السعي، ولم يدّخر جهدًا، من أجل هدفٍ واحد، أن يصبح وريثًا لا يخيّب أمل والده.
والآن يتوقعون مني أن أسلبه ذلك؟.
كان الأمر مستحيلًا. غير معقول.
بدت الفكرة وكأن السماء والأرض قد انقلبتا رأسًا على عقب. لم يكن تيسماكس مجرد أخٍ أكبر، كان بطل كاسيان.
في تلك الليلة، بعد أن أُبلغ بأنه سيكون الوريث، تسلّل كاسيان بعيدًا عن أعين الخدم، وغاص في حوض ماءٍ مثلج.
ولم يكن مفاجئًا أن يستيقظ في الصباح التالي محمومًا، طريح الفراش، يرتجف بلا توقف.
في اليوم التالي، والذي يليه، لم يتمكن الابن الثاني لدوق بيترو من النهوض.
توافد الأطباء المرموقون إلى القصر، لكن أحدًا لم يستطع تحسين حالته. ومع الوقت، تلاشى الحديث عن تعيين كاسيان وريثًا.
مرّت السنوات، ورغم تعافيه من المرض الشديد، لم يعد كاسيان ذلك الطفل المعافى كما كان.
اختفى الصبي الذي لا يعرف التعب، الذي كان يركض في الحدائق بمرح، ويأكل بشهية ويفرغ طبقه دائمًا.
ومثل تيسماكس، صار كاسيان ضعيف البنية، طفلًا مريضًا لا يلفت الأنظار.
وكان من الطبيعي أن يشعر والده بخيبة أمل.
لكن في الحقيقة، كان ذلك تمامًا ما أراده كاسيان.
لم يكن يرغب قط في انتزاع مكان أخيه.
«على السيد الشاب أن يقضي فترة نقاهة في الريف.»
ومنذ تلك اللحظة، سارت الأمور بسرعة.
عدا عن صحته، لم يكن كاسيان نِدًّا لتيسماكس في أي شيء.
لم يعد هناك أي احتمال ليحلّ محله. ولأجل صحته، أرسله الدوق والدوقة إلى تاكسفورد، حيث المناخ أكثر دفئًا.
تمدد كاسيان بكسل. كان يظن أن كل شيء قد استقر أخيرًا، لكن يبدو أن الخيوط بدأت تنفلت من جديد.
لم يكن بوسعه السماح لعشر سنوات من الخداع أن تذهب سدى.
ومع مرور الوقت، لم يعد خداعه يهدف فقط إلى حماية مكان تيسماكس.
كلما كبر، قلّت رغبته في تحمّل الدور الثقيل لوريث الدوقية.
لم يكن ذلك من طبعه أصلًا. تيسماكس، بعقله الحاد، كان يرتدي لقب «الدوق الشاب» كما لو كان ثوبًا مفصّلًا له بعناية.
أما كاسيان، فلم يمتلك لا القدرة ولا الرغبة في إدارة شؤون لا تنتهي.
ما كان يناسبه هو الحياة الهادئة في الإقامة الصغيرة المنسية في تاكسفورد، حيث لا يلتفت إليه أحد.
أن ينام متى شاء، ويستيقظ متى شاء، وأن يعيش أيامًا هادئة تتلاشى فيها حدود الأمس واليوم والغد.
تلك كانت الحياة التي أحبها كاسيان، حياة المتفرغ بلا أعباء. ولم يرد يومًا أن يحلّ محل أخيه.
—
كان قصر الجليد، مقر الكونت وارشو، يضم قاعة فسيحة على نحوٍ استثنائي.
زينت الجدران لوحات فاخرة تضاهي لوحات القصر الإمبراطوري. وملأت التماثيل الغريبة المستوردة من الخارج المكان بروحٍ أجنبية، فيما أضاءت الثريات الكريستالية المتلألئة القاعة بنورٍ يكاد يعمي الأبصار، دليل واضح على ما أنفقه الكونت بسخاء على هذا الحفل.
“جولييت! جولييت! تعالي إلى هنا.”
“عفوًا لحظة واحدة.”
كانت جولييت تتبادل التحيات مع سيدات مسنّات لم ترهن منذ زمن، حين نادتها كونتيسة بليثوود.
اعتذرت سريعًا، وتوجهت إلى والدتها.
“عرّفي عن نفسكِ. هذا هو الفيكونت غريغوري بايج.”
“تشرفتُ بلقائكِ، آنسة جولييت.”
وقف إلى جانب والدتها رجل يبدو أكبر من جولييت بما لا يقل عن عشر سنوات.
كان شعره مشوبًا بالشيب، وبشرته تميل إلى الصفرة المرضية، كأنه يعاني من داءٍ ما. لم يكن اسمه ولا وجهه مألوفين لها.
“طاب مساؤك، سيدي. أنا جولييت بليثوود.”
انحنت بأدب، وألقت نظرة مترددة بينهما. شعور غير مريح دبّ في صدرها.
“ألستما ثنائيًا رائعًا؟ لقد نال الفيكونت لقبه مباشرة من جلالة الإمبراطور. وفوق ذلك، نجح مؤخرًا في زراعة الموز في مزرعته.”
“آه… تهانينا، سيدي.”
“لا شيء يُذكر. أي شخص يستطيع تحقيق الأمر ذاته إذا درس المناخ وطبيعة الموز جيدًا. ما جعله مميزًا هو أن أحدًا في إمبراطورية أوغيلفي لم يهتم يومًا بالفواكه الاستوائية…”
ومن دون دعوة، شرع الفيكونت في سردٍ مطوّل عن إنجازه الزراعي.
شعرت جولييت أن الحديث سيتحول قريبًا إلى استعراضٍ للألقاب إن لم تقاطعه.
“سيدي، شرحك ممتع للغاية، لكن، هل تسمح لي بكأس من الليمونادة؟ يبدو أن حديثنا سيطول.”
“يا إلهي! ابقي مكانكِ، سأحضره لكِ.”
“لا يا سيدتي بليثوود، لا يمكنني أن أدع سيدة تذهب بنفسها. دعيني أنا.”
غادر الفيكونت، وما إن ابتعد حتى انفجرت الكونتيسة حماسةً.
“ما رأيك؟ أليس رجلًا مهذبًا بحق؟.”
كادت جولييت تتراجع خطوة من شدة الرعب.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"