أطلق كاسيان شخيرًا ساخرًا. كان منظر تلك المرأة الصغيرة، التي بالكاد تصل إلى مستوى كتفه، وهي تحاول بتهوّر ومن دون أي خطة أن تمنعه، مثيرًا للضحك، ومثيرًا للعطف في آنٍ واحد. غير أن هذا المشهد بعينه لم يفعل سوى تأجيج غضب جولييت، فارتجف جسدها من شدة الغيظ.
“همف! سنرى إذن.”
تقدّمت جولييت بخطوات سريعة حتى وقفت أمام كاسيان مباشرة، ثم رفعت يدها وصفعت بقوة خاصرة الحصان الأبيض الذي كان يمتطيه.
“صهيييه!.”
“مهلًا—”
انتفض الحصان فجأة ووقف على قائمتيه الخلفيتين، وكاد كاسيان يسقط أرضًا. لولا قبضته المحكمة على اللجام، لكان قد تحطم عنقه لا محالة. وبشق الأنفس، تمكّن من استعادة توازنه.
لكن الحصان المذعور لم يهدأ. أطلق صرخة حادة في الهواء، ثم اندفع راكضًا بجنون.
“توري!.”
راح كاسيان ينادي اسم فرسه مرارًا، لكن دون جدوى. ففي النهاية، حمله الجواد مسرعًا بعيدًا عن جولييت، عائدًا من حيث أتى.
‘يا إلهي، لقد نجحت!.’
ما إن تأكدت جولييت من اختفاء كاسيان في الأفق حتى لم تُضِع لحظة واحدة. اندفعت إلى الأدغال، التقطت أدوات الرسم، وثبّتتها بسرعة على ظهر حصانها، ثم انطلقت مسرعة في الاتجاه المعاكس تمامًا.
أبعد، وأبعد، إلى مسافة يستحيل عليه اللحاق بها.
“لن أتمكن من الرسم عند بحيرة غاليسِّياس مجددًا…”
تشوهت ملامحها بالأسى. يا له من يوم تعيس! بسبب ذلك الدخيل الذي ظهر فجأة، لم تُكمل لوحتها، والأسوأ من ذلك أنها فقدت المكان السرّي الذي لم يكن يعرفه سواها.
وفوق ذلك كله، كانت هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، لقد صنعت عدوًا من دوقية بيترو.
ولو قررت العائلة الدوقية تحميلها مسؤولية إصابة ابنهم الثاني، فقد تُقدم السيدة بليثوود على طردها من المنزل دون تردد.
واصلت جولييت حثّ حصانها بلا توقف. وحين وصلت إلى البيت، لاحظت عربة غريبة تقف في الساحة، لم تكن تعود لعائلة بليثوود.
‘ذلك الشعار…’
حدّقت في الختم الغريب، وفجأة أدركت الحقيقة. اندفعت إلى الداخل مسرعة.
وكما توقعت، كان المنزل الهادئ يعجّ بالحركة على غير العادة. نادت بصوتٍ عالٍ:
“آرين!.”
“أختي!.”
كانت آرين تومسون، شقيقة جولييت الصغرى، تزور العائلة لأول مرة منذ زمن طويل، برفقة زوجها.
ما إن دخلت جولييت غرفة الجلوس حتى ابتسمت آرين، الجالسة على الأريكة، ابتسامة مشرقة. كانت تشبه أختها كثيرًا بشعرها الأحمر الناري وعينيها الزمرديتين، لكن قامتها الأطول جعلتها تبدو وكأنها الأخت الكبرى.
“ما الذي جاء بكِ دون حتى رسالة؟ لو أخبرتِني لما خرجتُ اليوم. هل أنتِ بخير؟.”
أجابت آرين مبتسمة: “جئت على عجل لأن لديّ خبرًا سعيدًا. لكن، يا إلهي، شعركِ!.”
“جولييت! حقًا، ماذا سنفعل مع هذا العقل الشارد؟.”
حاولت جولييت ترتيب شعرها على عجل، لكنها لم تفعل سوى أن أخرجت أوراقًا جافة كانت عالقة فيه. فقد ركضت طوال الطريق إلى البيت دون أن تفكر في مظهرها. نقرت والدتها بلسانها استنكارًا، غير أن جولييت تجاهلتها وجلست بجوار آرين.
قالت بحماس:
“خبر سار؟ لا أطيق صبرًا! ما هو؟.”
“أنا حامل!.”
“يا إلهي! آرين!.”
“يا لروعة الخبر!.”
صفقت جولييت ووالدها في آنٍ واحد، وكادت والدتهما تقفز من مكانها فرحًا. ارتسمت السعادة على وجوههم جميعًا.
سألتها جولييت بقلق: “لكن أليس السفر بالعربة خطرًا في بداية الحمل؟ كان ينبغي علينا أن نزوركِ ونبارك لكِ بأنفسنا…”
“لا بأس، الطبيب سمح لي. ثم إنني سئمت البقاء في تيريفيرا، لم أعد أحتمل.”
دفعت بطنها للأمام قليلًا. لم يكن الحمل واضحًا من النظرة الأولى، لكن عند التحديق، بدت علامات الانتفاخ جلية.
“لقد مضت أربعة أشهر، أمي وأبي. بحلول الربيع المقبل، ستصبحان جدّين.”
“يا إلهي، كبرتِ بهذه السرعة…”
اغرورقت عينا السيدة بليثوود بالدموع، وربّت الكونت على كتف زوجته متأثرًا. كان هذا أول حفيد للعائلة، ففاضت قلوبهم بالمشاعر.
لكن الفرحة لم تدم طويلًا، إذ بدأت السيدة بليثوود بالتذمر:
“آرين، أنتِ تسيرين في حياتك على أكمل وجه، لكنني لا أفهم مطلقًا ما الذي تفعله شقيقتكِ.”
“أمي!.”
“تخرج كل يوم ولا أعلم إلى أين تذهب، ولا يبدو أنها تلتقي بأي رجل أيضًا. ومع تدهور أوضاعنا، ماذا سنفعل بجولييت التي لا تنوي الزواج أصلًا؟.”
ها هو المشهد المعتاد يتكرر. تلك اللحظة التي تُوبَّخ فيها جولييت بالمقارنة مع آرين. اسودّ وجهها في الحال.
قالت آرين بلطف:
“رجاءً لا تكوني قاسية، أمي. لا يمكن فرض هذه الأمور. أنا كنت محظوظة بلقاء ويليام مبكرًا، لكن الحب الحقيقي سيأتي لأختي أيضًا.”
“الحب؟ وهل يُبنى الزواج على الحب وحده؟ أخشى أن تكبر جولييت وتبقى عانسًا بهذا المعدل.”
تدخّل ويليام بابتسامة هادئة:
“سيدتي، آرين محقة. التريّث خير من التسرع والزواج من الرجل الخطأ ثم الندم لاحقًا.”
تبادل آرين وويليام نظرة دافئة، امتلأت بالود، وكأن لا شيء في العالم قادر على تعكير صفوهما.
كانا زوجين مثاليين، كأنهما خرجا من صفحات رواية. التقيا في حفل ظهور آرين الأول، ووقعا في الحب من النظرة الأولى. رقصا طوال تلك الليلة، وبعدها أصبحا حديث مجتمع برونكوس. وبعد قصة حب قصيرة لكنها ملتهبة، تزوجا وسط تهاني الجميع.
كان ويليام، وريث إقطاعية تومسون، مرحبًا به بحرارة من عائلة بليثوود. فآل تومسون كانوا من كبار ملاك الأراضي، يسيطرون على غرب تيريفيرا الشاسع، وهو ما جعل هذا الزواج المثال الأسمى في نظر السيدة بليثوود.
لم يكن غريبًا إذن أن تُقارن جولييت دومًا بأختها. وإدراكًا منها لذلك، أدارت جولييت وجهها بعيدًا عن والدتها. فالكلام لن يزيد الأمر إلا سوءًا.
في تلك اللحظة، قالت آرين بصوتٍ لطيف:
“لا تكوني هكذا، أختي. لماذا لا تخرجين لتغيير مزاجكِ؟ تلقّى ويليام دعوة إلى حفل من الكونت وارشو. لا أستطيع الذهاب كما ترين، فاذهبي مكاني. من يدري؟ ربما تلتقين هناك بشريك قدركِ.”
كانت جولييت تكره الحفلات، لكنها لم تستطع أن ترفض نظرة أختها المتحمسة، ولا امتلكت الجرأة على الرفض أمام نظرات أمها الحادة. فاختارت العذر الأكثر أمانًا.
“شكرًا لكِ، لكن لا أملك فستانًا مناسبًا. إن ذهبت هكذا فلن أجلب إلا الإحراج لنفسي.”
“جولييت!.”
ارتفع صوت السيدة بليثوود كما توقعت.
ضحكت آرين وقالت: “عذر جميل، أختي. لكن هل ظننتِ أنني جئت إلى برونكوس خالية الوفاض؟ لقد جلبت لكِ فستانًا جديدًا هدية، فلا تفكري بالهرب.”
يا له من أمر لا يُصدق. هل جعلها الزواج بهذه الحنكة؟ كانت متقدمة عليها بخطوتين على الأقل. لم تجد جولييت مفرًا.
“…حسنًا. متى موعد الحفل؟.”
—
دخل كاسيان من الباب الأمامي وهو يغلي غضبًا. ولحسن الحظ، كانت توري قد استعادت هدوءها بعد خروجهما من الغابة. لم يكن بالإمكان العودة إلى البحيرة، فقد ابتعدا كثيرًا، وكان الغروب قد حلّ. لم يبقَ أمامهما سوى العودة إلى المنزل.
كانت ذراعاه تحترقان من شدة إحكامه القبضة على اللجام، وألمٌ حاد يسري في فخذيه مع كل حركة. أما ملابسه الأنيقة سابقًا، فقد تمزقت واتسخت بالطين.
‘تلك المرأة المجنونة!.’
لا بد أنها فقدت صوابها تمامًا. حتى لو كانت تخفي أمرًا ما، من الذي يعقل أن يضرب حصان شخص آخر؟ لم يلتقِ في حياته امرأة متهورة إلى هذا الحد. وكان عليه أن يدرك ذلك منذ اللحظة التي حبست فيها ذلك السكير في دورة المياه.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"