الفصل 40
“……قل لها أن تاتي غدًا في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر.”
تمكّن من الإجابة بثبات.
وكأنه لم يتأثر مطلقًا، كما يفعل عادة.
انحنى ثيودور بهدء.
” استدعي الطبيب.”
“……نعم؟”
“أظنّ أنّ لديّ خللًا عقليًا.”
الآن فقط أدركت ذلك يا سيدي؟
كان إدوين يبدو كمن يريد قول ذلك، لولا أنّ حرصه على حياته جعله يطبق شفتيه بإحكام.
“أو ربما أصابني مرض في جسدي.”
لكن إدوين لم يستطع احتمال هذا الكلام، فأضاف معترضًا:
“في الفحص الدوري الأخير لم يظهر أيّ مشكل، يا سيدي. بل إنّ قدرتك على التعافي قد تكون مساوية للوحوش، وربما أعلى…….”
“اصمت. قلتُ لك استدعِ الطبيب.”
“……نعم.”
حلّ صمت قصير.
أثناءه، حدّق لودفيل في ثيودور وكأنه يريد قول شيء، لكنّه أغلق شفتيه عدة مرات.
ثيودور لم يره مترددًا من قبل، فاستغرب وسأله:
“هل لديك ما تودّ قوله لي يا سيدي؟”
“……الم يكن لدى الاميرة أيّ دلائل تشير إلى تعلّمها السحر الأسود؟”
“ماذا؟! بالطبع لا……”
“لا، انسى الأمر.”
وضع لودفيل يده على جبينه، وزفر زفرة عميقة.
ثم لوّح بيده نحو تابعيه بإشارة ضيق، وكأنه يطرد ذبابًا مزعجًا.
“اخرجا كلاكما.”
وبعد أن أُغلِق الباب، تبادل كبير الخدم و المستشار نظرات مذهولة في ممرّ المكتب.
***
بعد يوم، في فترة بعد الظهر.
الوقت الذي يفترض أن تأتي فيه أوديل كان يقترب شيئًا فشيئًا.
جلس التابعون حول الطاولة الطويلة يتبادلون الآراء.
أما لودفيل فجلس بوجه هادئ، بينما كانت أطراف أصابعه تنقر على المكتب كعقرب الثواني.
تأمّله إدوين وفكّر بوقاحة أنه إن لم يصبه أيّ مرض، فبالتأكيد أصيب باضطرابٍ في المزاج.
“يا صاحب السمو، هذه هي الوثيقة الرسمية من البلاط الإمبراطوري.”
وضع المسؤول الإداري على مكتب لودفيل وثيقة مختومة بختم ذهبي.
مظروف سميك، وتعبيرات رسمية مطابقة لبروتوكولات البلاط.
[استنادًا إلى الاجتماع السنوي السابع والأربعين للاستراتيجيات العسكرية برعاية الإمبراطورية، نلتمس من سموك تولي منصب رئيس الجلسة…….]
لم يكمل قراءة السطر التالي، وبدأ يطوي الوثيقة.
“……يا صاحب السمو؟”
طوى جانبًا، ثم الجانب الآخر.
ومع اكتمال جناحي الطائرة الورقية، بدأ شحوب وجه الإداري يزداد.
وحين عدّل لودفيل الخط المركزي للطائرة، فتح النافذة.
ششـق…
ثم أطلق الطائرة الورقية المختومة بختم الإمبراطورية، لتطير فوق أسوار القلعة مع الريح.
“يا صاحب السمو! حتى لو كان الأمر مجرد طلب منصب، لا يمكنك رمي وثيقة إمبراطورية بهذه الطريقة!”
لم يُظهر لودفيل أيّ رد فعل، وأجاب بوجه خالٍ من التعابير:
“ليس منصب رئيس الجلسة. بل مجرد تمثيل شكلي.”
“وأنت تعلم يا صاحب السمو أن هذا هو جوهر الإمبراطورية! الشكلية!”
“ممل.”
“…….”
“لا تجلب لي مثل هذا الإزعاج مجددًا.”
لم يستطع الإداري قول كلمة أخرى، وفتح الباب مسرعًا، وقد بدأ العرق البارد يغطي جبينه.
كان واضحًا أنه ذهب ليبحث عن الطائرة الورقية.
راقبه إدوين وهو يغادر، ثم تمتم بإعجاب:
“يا لنعومتك اليوم يا سيدي…”
وبالفعل، كان هذا ألطَف ردّ له خلال الأشهر الماضية.
على الأقل لم يرمي الوثيقة مباشرة في الموقد ليشعل بها النار.
“ربما لأنّ صاحبة السمو الدوقة المستقبلية موجودة في القلعة.”
وما إن قال ذلك بلا تفكير، حتى التفت لودفيل إليه من عند النافذة.
“من قال إنها ستصبح دوقة؟”
“ماذا؟ أليس هذا ما كان مخططًا له؟ ألم يكن هذا هو سبب تحديد الموعد؟”
نظر إليه إدوين بدهشة.
رمقه لودفيل بصمت، ثم أجاب بصوت بارد كشتاء الشمال:
“لم أقرر بعد.”
كانت عبارة قاطعة.
ومع أن أحدًا لم يتحدث، إلا أن جميع التابعين شاركوا السؤال ذاته في أعماقهم:
حقًا لم يقرر؟
مع أنه لم يطردها من القلعة طوال نصف شهر؟
‘……إذن لماذا يبقيها قربه؟’
‘لا يرسلها إلى كارديل، ولا يسمح برفع تقرير للإمبراطورية حول العثور على الاميرة، ولا حتى يضع عليها رقابة؟’
‘ألم يكن يستعدّ لاستقبالها كدوقة؟’
لكن الجميع ظلّ صامتًا.
على أي حال، سيُحسم الأمر اليوم.
إما أن يتقبلها، أو يعيدها إلى كارديل.
ومع أنّ معظم التابعين ضاقوا ذرعًا بـ”ذوات العيون الزرقاء”، إلا أنّ بعضهم حمل أملًا خفيًا.
فخلال نصف الشهر الذي وجدَت فيه الاميرة في القلعة، ساد الهدوء بشكل غير معتاد.
وتمنّى هؤلاء أن يقبل لودفيل بأوديل لتبقى الأيام هادئة.
لعلّه ينسى أمر ذات العيون الزرقاء وكل ما يتعلق بها.
لكن يبدو أن الأمنيات في الشمال المتقلب رفاهية زائدة.
فجأة…
فُتح باب قاعة الاجتماعات بعنف.
دخل الإداري وهو يلهث بشدة، ناسياً أمر الطائرة الورقية تمامًا.
“يا صاحب السمو، خبر عاجل. تفشّى وباء في مدينة ميناء فيلادر.”
تجمّدت الأجواء في القاعة
فجأة.
***
كانت أوديل تحمل عقدًا جديدًا بين يديها.
‘هل سيقبله هذه المرة؟….’
هدّأت توترها قليلًا واتجهت إلى غرفة الاستقبال.
جاءت قبل الموعد بقليل، لتنتظر هناك.
في تلك اللحظة، لمحت شخصًا في الجانب الآخر من الرواق.
كان الإداري ليان، وهو يركض مضطربًا يحمل حزمة من الأوراق.
توقفت أوديل.
‘ما الذي يحدث؟’
وإحساس سيء يخبرها بأن شيئًا مهمًا يقع.
تبعته بهدوء، محافظة على مسافة آمنة حتى لا يكشفها.
اتجه ليان نحو قاعة الاجتماعات.
ومن خلال الباب الذي لم يُغلق بالكامل، سمعت صوته اللاهث:
“يا صاحب السمو، خبر عاجل. تفشّى وباء في مدينة ميناء فيلادر.”
حبست أوديل أنفاسها.
وألصقت أذنها بالباب تستمع.
“سرعة التفشي كبيرة جدًا. وقد سُجّلت حالات وفاة بالفعل.”
“ما نطاق الانتشار؟”
“الأعراض تنتشر في منطقة الميناء والمناطق التجارية. إحدى السفن قيد الحجر حاليًا، أما عدد المصابين في المدينة فما زال قيد الحصر.”
“وما السبب؟”
“لم يُعرف بعد يا سيدي. لكنّه لا يشبه أيّ حالة سابقة.”
التفت لودفيل نحو الخريطة الموضوعة على الطاولة.
فيلادر.
أقصى غرب الشمال، مركز التجارة البحرية.
وموقع مثالي للغاية لانتشار الوباء.
تصفّح لودفيل التقرير المستعجل بصمت، ثم قال بحزم:
“أغلقوها.”
“……عفوًا، يا صاحب السمو؟”
“اعزلوا المدينة بالكامل، وأقيموا خطوطَ حظر. أيّ مصاب، اقتلوه فورًا. ولا تسمحوا بخروج أيّ أحد. دون استثناء.”
ساد الصمت الثقيل القاعة.
“لكن يا سيدي، السبب لم يُحدد بعد…….”
“وماذا لو انتشر المرض في تلك الأثناء؟”
قاطع لودفيل ببرود.
ففيلادر مدينة ضخمة تعجّ بالحركة.
والخسائر ستكون كارثية إذا لم يوقفوها فورًا.
“وإن لم يَكفي العزل لوقف المرض…….”
تركّز بصر لودفيل على نقطة محددة في الخريطة.
“فأحرقوا المدينة بأكملها.”
تلألأت عيناه البنفسجيتان ببرودة قاتلة.
وكأنه يتخلّص من حبة بطاطا فاسدة.
وكأن ما عدا ذلك مجرد مشاعر غير ضرورية
التعليقات لهذا الفصل " 40"