بعد أن أزال الوهم السحري، مدّ يده مباشرةً ليتحسّس نبض العجوز.
كان النبض ضعيفًا، وتحت بشرته كانت آثار السوداء قد انتشرت بالفعل.
كان واضحًا أنّ الرجل لم يتبقَّ له الكثير ليعيشه.
“لا بأس يا فتى. لقد شَفاني السيد غاوين…….”
جلس لوْدفيل، الذي كان يرتدي رداءً يغطي جسده، يراقب القرية كلّها.
ثم قابل أهلها واحدًا تلو الآخر.
لم يكونوا يشعرون بالألم.
ولا بالخوف، ولا بأي إحساس آخر.
وكانت الرائحة الخفيفة التي غطّت وسط القرية هي رائحة دواءٍ سحريٍّ يقوم على تَخدير الحواس.
‘منذ اللحظة التي أُعلن فيها اختفاء اميرة كارْديل…… كلّ شيء صار على هذا الحال.’
كما توقّع تمامًا.
كان واضحًا أنّ عائلة “كارْديل” ليست سوى جماعة كاملة تعتمد على قوة الابنة الثالثة وحدها، أودِل كارْديل.
وباحتمالية عالية جدًّا.
ومع ذلك فقد أُخفيت قدرات أودِل تمامًا، ووُضعت شخصية “غاوين كارْديل” دائمًا في الواجهة.
لم يكن الأمر مجرد هروب مدلّلةٍ صغيرة من بيتها.
بل كانت أودِيل تحمل واجبات العائلة بقوتها وحدها، ثم انهارت، فهربت غير قادرة على التحمّل.
قبض قبضته ببطء شديد.
‘هذا منطقي.’
فمن وجهة نظر ربّ العائلة، إذا استطاع حماية اسمه العريق بتضحية واحدة فقط، فالخيار يبدو عقلانيًّا تمامًا.
كان لوْدفيل قادرًا على فهم سبب إقدام آل كارْديل على ذلك، بصفته قائدًا.
“لكن لماذا…….”
اضطرب تنفّسه.
شعور مزعج، يستحيل على عقله تفسيره، كان ينهش داخله ببطء.
كان يأكل صبره، وضبطه لنفسه، خيطًا بعد خيط.
وفي مكان ما داخل جسده، كان يغلي.
مزيجٌ لزج، قاتم، بارد لكنه حارق، من المشاعر التي تصرخ بلا توقف:
لماذا ما زال أولئك الحثالة يتنفّسون؟
‘اسم كارْديل نفسه…… يجب أن يُمحى من التاريخ بلا أن ينجو منه أحد.’
راوده هذا التفكير.
تنفّس لوْدفيل زفرة طويلة.
“هاه…….”
أودِل كارْديل.
يبدو أنّ أيّ ارتباطٍ طفيف بها يكفي لإثارة جنونه.
ولكن لماذا ما يزال يحتجزها في القصر، ولا يستطيع تركها ترحل حتى الآن؟
***
جلس لوْدفيل بصمت أمام مكتبه.
وكان يحدّق بعينين حادّتين في كل تقريرٍ له علاقة بعائلة كارْديل، ويدرسها صفحةً بعد صفحة.
لم تكن مجرد مستندات بسيطة.
كانت نسخًا محذوفة، وإحصائيات مغطّاة بالأكاذيب، وحتى مراسلات خاصة لموظّفين صغار، وخرائط حسّية تتابع تدفّق المانا.
كان ينبش تلك العائلة بكل الطرق الممكنة.
“قرية روزِنباخ، العلاج مُنجز…….”
نظر لوْدفيل إلى التقرير، وانحنى طرف شفتيه بسخرية.
فالقرية لم تكن سوى قشرةٍ سليمة تغطي داخلًا تعفّن منذ زمن طويل.
لم يكن تطهيرًا، بل تمويهًا.
إخفاء، تزوير، واستغلال.
‘هذا ما يحدث عادةً في القرى النائية.’
أماكن لا يزورها أحد، ولا تُقدَّم عنها أي طلبات تحقيق.
كارْديل بدأت بالتهام تلك الأماكن أولًا.
قرى لا يلحظ أحد اختفاءها بسهولة، ثم تُزيَّن بواجهة تطهيرٍ وهمية.
أما المنطقة المركزية ذات الحاكم فكانت مختلفة تمامًا.
الأمراض واللّعنات والطاقات الشرّيرة التي كانت تضربها بقوّة اختفت فجأةً، كأنها لم توجد أبدًا.
بفضل “السحر القديم المقدس” لكارْديل.
وكان سكان القرية يمشون في الشوارع بعيون صافية ووجوه مفعمة بالحياة، كأنهم لم يمرضوا قط.
‘لا أعلم أيّ وسيلة استخدموها…….’
لكن المؤكد أن استخدام كارْديل للسحر القديم يكلّفهم ثمنًا أكبر من ذي قبل.
وبطريقة غير فعّالة.
‘ومنذ اختفاء الابنة الثالثة، أصبح إنقاذهم للناس انتقائيًّا…….’
وهذا يعني أنّ إنجازاتهم السابقة لم تكن سوى عصرٍ وحشيّ لقدرات الفتاة.
“……يجب أن أقتلعهم من جذورهم.”
حين شهد الحقيقة ميدانيًا، اعتقد أنه ما إن يعود إلى القصر سيخفت جنونه.
لكن شرارة الجنون صارت تُغذي نفسها، لا تنطفئ رغم كبحها.
فكلما فكّك اسم كارْديل قطعةً قطعة… لم يجد سببًا واحدًا لبقائهم.
وكان الغضب المكبوت يدفع عقله للخلف شيئًا فشيئًا.
“لحظة يا صاحب السمو.”
تدخّل إدوِين بسرعة.
“مهلًا يا صاحب السمو.”
تدخّل إدْوين بقلق شديد.
“لا تفكر… بما أظنه، صحيح؟ مثلاً، إبادة عائلةٍ بطولية حمت الإمبراطورية لقرون…؟”
“لم أفعل شيئًا بعد.”
رجاءً أطفئ تلك النظرة القاتلة أولًا يا سموّك……
شعر إدوِين بتوجّسٍ عظيم، فانطلق بالكلام دون أن يتنفس.
“صحيح أنّ آل كارْديل منافقون، وأنا أتفق معك تمامًا. لكن…… حتى لو كشفنا الحقيقة، هل ستتخلّى الإمبراطورية عنهم؟ أليست سلالة الوصيّ الإلهي جزءًا من هوية هذه الأرض؟”
كان يتكلم بسرعة ويأس، محاولًا قراءة مزاج لوْدفيل.
“وإذا عاقبتموهم بالسيف في وضع كهذا، سيُطلق عليكم لقب الوحش الذي حسد دم البطل…… أو المارق الذي طمع في السحر القديم المقدس!”
ردّ لوْدفيل بانزعاج واضح:
“لا داعي لشرح ما أعرفه.”
“مع انك تعرف هل تفكّر بفعلها!؟ هل تريد أن تصبح خائنًا حقيقيًّا؟!”
عندها…
قُطِع حديثهما بنقرة بابٍ خفيفة، ثم دخل ثيودور بهدوء.
“صاحب السمو، لقد تركت الاميرة رسالة لك.”
تجمّد كلٌّ من الدوق ومستشاره في مكانهما.
“……ما الرسالة؟”
“تقول إن الغد هو اليوم المتّفق عليه، وترغب في زيارتك في أيّ وقتٍ يناسبك يا صاحب السمو.”
عقد لوْدفيل حاجبيه قليلًا.
سقط قلبه مرة واحدة بثقل، ثم بدأ يخفق بقوّة تكاد تؤلم.
وبين غضبه وكتمانه الطويل، امتزجت مشاعر غريبة قلق…… وشيء يشبه الترقّب.
وكأنّ جسده يسبق وعيه ويتصرّف من تلقاء نفسه.
كما لو أنّه تناول إحدى جرعات العشق الأسطورية.
حدّق لوْدفيل في أصابعه المرتجفة قليلًا، ثم قبض عليها وهمس:
“غدا اذن.”
بصوتٍ رتيب لا يكشف شيئًا.
ولأن إدوِين لم يكن يتخيّل ما يجول في بال سيده، فقد أشرق وجهه فرحًا لأنه تمكّن من تغيير الموضوع.
وأخذ يهذّر بحماس:
“يبدو أنّك كنت تنتظر هذا اليوم طويلًا! فقد طلبت مقابلتها مباشرةً بعد عودتك إلى القصر!”
“…….”
“ستستقبلها طبعًا، صحيح؟ لا بدّ لي بصفتي يدك اليمنى أن أشاهد ذلك المشهد عن قرب…….”
لم يردّ لوْدفيل على ثرثرة إدوِين المستمرة.
ومع ذلك، كان قلبه يخفق من جديد……
سواء كانت المشكلة في عقله أو جسده، فإحدى الجهتين قد تحطّمت بلا شك.
التعليقات لهذا الفصل " 39"