لو كان بإمكانها ولو ليلة واحدة فقط أن ترتاح على سرير تستطيع أن تمدّ جسدها عليه بدل العربة. أو إن كان بإمكانها أن تغمر جسدها في ماء دافئ بدل الاكتفاء بمسحه بمنشفة مبللة.
‘أو على الأقل أريد أن آكل طعامًا حقيقيًا.’
جلست مكتئبة عند حافة الجدول، تتخيل حساءً ساخنًا، وخبزًا طريًا خرج لتوّه من الفرن، ومربى مصنوعًا من فراولة طازجة.
بسبب الإرهاق الجسدي في الأيام الماضية، فقدت شهيتها، لكنها شعرت أن شيئًا حلوًا حامضًا قد يعيد لها بعض النشاط.
“أديل.”
رفعت رأسها فجأة وهي لا تزال جاثية في مكانها.
ظنّت أنها سمعت خطأ، لكن لدهشتها كان فالنتين يقترب بالفعل نحو الجدول حيث كانت.
اتسعت عيناها فرحًا، ثم سرعان ما ضاقتا بشك. بعقلٍ شبه غائب، بدأت تشك مجددًا إن كان ما تراه حقيقيًا.
هل هذا حقيقي فعلًا؟ أم مجرد وهم؟ ربما هو خيال صنعه قلبها الضعيف لشدة شوقها إليه.
“……”
نظر فالنتين إلى وجه أديل المتجمّد، ثم حكّ مؤخرة عنقه بشيء من الإحراج.
“سمعت أنكِ هنا، فجئت مسرعًا.”
عندما التقت أعينهما، ابتسم وهو يضيّق عينيه الذهبيتين قليلًا. تلك الابتسامة الماكرة جعلتها تتيقن.
نهضت أديل فجأة وركضت نحوه. لم تتذكر حتى التحذيرات التي كانت تقول إنه لا يجب أن تقترب منه أو أنها لن تتحمل.
لو لم تعانقه الآن، شعرت وكأنها ستموت.
“فالنتين.”
ركضت نحوه بذراعين مفتوحتين، فاستقبلها بثبات.
تجمّد جسده للحظة من المفاجأة، ثم سرعان ما احتضن خصرها النحيل وسحبها بقوة إلى صدره.
دفنت أديل وجهها في صدره واستنشقت رائحته الباردة بعمق.
كان دائمًا يفوح منه عطر يشبه التجول في غابة عميقة.
“اشتقت إليك.”
“وأنا كذلك. كنت مشغولًا جدًا.”
مرّر يده بلطف على شعرها المبعثر وهو يجيبها. ترددت أديل قليلًا ثم تمتمت بصراحة:
“في الحقيقة… ظننت أنك تتجنبني عمدًا.”
“مستحيل… انتظري لحظة، أديل.”
رفع ذقنها برفق. وبسبب انحنائه، التقت أعينهما عن قرب. راحت عيناه الذهبيتان تتفحصان ملامحها، من عينيها إلى وجنتيها المحمرّتين ثم شفتيها.
“هل بكيتِ؟”
في تلك اللحظة، شعرت أديل أن الدموع على وشك الانهمار.
كلمات الفارس إيان الوقحة—أنها بلا تعبير وكأنها ليست إنسانة—توقفت أخيرًا عن التكرار في ذهنها.
حتى الآن، لم تدرك أنها نادرًا ما تُظهر تعابيرها أمام الآخرين. فمعظمهم لم يهتم بها أصلًا، أما فالنتين… فكان دائمًا يفهمها قبل أن تتكلم.
مرّر فالنتين إبهامه برفق على عينيها المرتجفتين قليلًا.
“هل أقتله من أجلكِ؟”
كان صوته دافئًا للغاية، لكن كلماته باردة كشتاء قاسٍ. من الواضح أنه يعرف ما حدث في الأيام الماضية.
لم يكن موجودًا في المخيم، فكيف…؟ حاولت كبح تساؤلاتها، فالأمر الآن ليس مهمًا.
“…لا تفعل.”
تذكرت فجأة همسًا سمعته من قبل: أليس هو حاكماً كاد يقتل البشر جميعًا من أجل إنقاذها وحدها؟
“لا يجب أن تقتل الناس بهذه السهولة.”
أمسكت بذراعه بشيء من القلق.
كان صوتها هذه المرة حازمًا. ضحك فالنتين بخفة وكأنه غير مصدق.
بدا وكأنه يريد قول الكثير، لكن سرعان ما عاد وابتسم بسلاسة.
“إن كان هذا أمركِ.”
“لا تتكلم بهذه الرسمية البعيدة.”
“هذا ليس طبعي… بل طبعكِ أنتِ.”
قالها وهو يعيد ترتيب خصلات شعرها خلف أذنها بلطف، لكن كلماته كانت تحمل خيبة واضحة.
رفعت أديل نظرها إليه بارتباك.
“لا تقل… ربما أنت…”
توقفت عن الكلام للحظة. ماذا يجب أن تقول؟ هل تقول: “هل أنت منزعج؟” كان ذلك خفيفًا أكثر من اللازم. مهما يكن، فهو حاكم هذا العالم وتنين أيضًا.
هل تقول: “هل أخطأت؟” لا يمكن اعتبار قول “لا تقتل الناس بلا تمييز” خطأً.
“قولي. أنا أستمع.”
“لا… أمم… فقط… اخفض رأسك قليلًا.”
ابتسم فالنتين ابتسامة مائلة وكأنه فضولي بشأن نواياها، ثم خفض رأسه قليلًا.
عندما اقترب حتى شعرت بأنفاسه على جبينها، أغلقت أديل عينيها بإحكام وقبّلت ذقنه.
“……”
عندما فتحت عينيها ببطء، رأت فالنتين يحدّق بها بعينين متسعتين من الدهشة. احمرّ وجهها وهمست:
“لـ… ليس أمرًا، بل طلب… لذا عليك أن تستجيب.”
تنهد أم شتم؟ تفاجأت أديل بالكلمة الخشنة التي خرجت من فمه، وفتحت عينيها على اتساعهما.
أو هكذا ظنت. لكن انعكاس وجهها في عينيه الذهبيتين الصافيتين كان أقرب إلى الخالي من التعبير.
ومع ذلك…
“……”
تحولت عيناه الذهبيتان في لحظة إلى لون أعمق، تلمعان في الظلام كأنهما تشعّان ضوءًا.
نظرت أديل بنصف انبهار إلى حدقتيه وهما تضيقان كحيوان تخلّى عن هيئة الإنسان. وعندما وضعت خدها في يده الممدودة دون مقاومة، تحركت تفاحة حنجرته بسرعة.
“أديل… أنتِ…”
كأنكِ من جلبتِ كل هذا على نفسك. ابتلع بقية كلامه على عجل، ثم التهم شفتيها بوحشية.
أحاطت كفه الكبيرة الخشنة بمؤخرة عنقها.
كان أكثر لهفة وخشونة، وأكثر اندفاعًا من المعتاد، ومع ذلك بدا مصممًا على ألا يفوّت حتى أنفاسها.
“آه…”
ابتعد قليلًا ليمنحها فرصة للتنفس، وأطلق صوتًا لا يُعرف أهو أنين أم زفرة، ثم عاد ليقبّلها من جديد.
كان الإحساس أشد اندفاعًا من المعتاد، حتى أن قشعريرة سرت في عمودها الفقري.
هذا… كان أكثر من اللازم. أمسكت أديل بمقدمة ثيابه ودفعته عنها بقوة.
في العادة، كان يلتقط رفضها فورًا، لكنه هذه المرة لم يتراجع على الإطلاق، بل اندفع أعمق بدافع غريزي.
“……”
صار تنفسها أكثر اضطرابًا لحظة بعد أخرى. كان الفرق بين اللذة والألم رقيقًا كصفحة واحدة، والإحساس المتصاعد بدأ يخنق أنفاسها.
شعرت وكأنها قد تموت هكذا… أو تُلتهم.
شدّت قبضتها ودفعته من كتفه. ولم يستعد فالنتين وعيه إلا عندما شحب وجه أديل تمامًا.
“يا إلهي.”
عندما ابتعد بسرعة، علقت بشفتيه أنيابه الحادة، فمزّقت جلدها الرقيق. لم تشعر أديل بالألم حتى، بل راحت تلهث بشدة.
“أديل.”
مدّ يده ليحتضنها مجددًا، لكنها أبعدتها بسرعة.
تجمّد فالنتين في مكانه عند هذا الرفض العفوي. كان وجهه شاحبًا بلا حياة.
“فزعتِ… لا… أنا آسف. لم أقصد أن يحدث هذا.”
كان صوته منخفضًا، ممتلئًا بحزن مرير وتأنيب. وكانت يده التي ترفع شعره المرتبك ترتجف قليلًا.
“لم أستطع… السيطرة على نفسي.”
كما لو أنه أصبح وحشًا تذوّق الدم.
تمتم بذلك بوجه يفيض كرهًا لذاته، الأمر الذي صدم أديل أكثر. فأمسكت بذراعه بخفة.
“لا… لا بأس الآن. قبل قليل… كان مجرد… لحظة.”
“وجهك ما زال شاحبًا يا أديل. ويداك ما زالتا ترتجفان.”
“فقط لأنني تفاجأت… هذا كل شيء.”
“…لم آتِ لأضغط عليكِ هكذا.”
تمتم بسخرية من نفسه وهو يرتب ملابسها المبعثرة. ظلت أديل ممسكة بذراعه وهي تلتقط أنفاسها.
“لا بأس. حقًا.”
“كان لدي شيء أريد أن أعطيكِ إياه.”
“ما هو؟”
كانت أذناه وعنقه محمرّتين قليلًا، كصبي أدرك متأخرًا أن هديته متواضعة.
أخرج بتردد من جيبه منديلًا ملطخًا بعصير أحمر، وعندما فتحه، ظهرت حفنة من التوت البري.
“هذا…”
“أليس هذا ما تحبينه؟”
قاطعها صوته قبل أن تكمل، وكان فيه توتر خفي.
“سمعت أنكِ لا تأكلين جيدًا هذه الأيام…”
كان التوت دافئًا قليلًا بحرارة جسده.
وضعت أديل حبة في فمها ومضغتها. امتزج الطعم الحلو والحامض مع البذور الصغيرة على لسانها بنعومة.
تناولت عدة حبات أخرى ثم ابتسمت له.
“شكرًا. إنه لذيذ جدًا.”
عندها فقط ابتسم فالنتين بارتياح، ابتسامة حسية كما لو أنها لمحة من ماضٍ بعيد.
“……”
كلما اختلط الحلم بالواقع، كانت تشعر بالحزن فقط، ومعه يزداد تعلّقها به.
أدركت الآن أن هذا دليل على أنه ظل بجانبها طوال ذلك الزمن الطويل حتى اختلط كل شيء.
لاحظ حالتها الكئيبة بحساسيته المعتادة، فالتقط الضمادات من الأرض وقال:
“سيطلع الفجر قريبًا، لنعد إلى العربة. من الأفضل أن تنامي قليلًا.”
“هل ستخرجون للاستطلاع مع الفرسان اليوم أيضًا؟”
كلما اتجهوا شمالًا، ازدادت الوحوش شراسة، وحتى مع الاستطلاع لم يكن بالإمكان إيقافها جميعًا.
وبالتالي، ازداد عدد المصابين.
فما إن تعالج شخصًا واحدًا، حتى يأتي اثنان آخران مصابين في المساء. وأصبح الجنود والفرسان الذين يتولون الحراسة أكثر توترًا باستمرار.
“حتى الغد فقط. بعد أن نتجاوز ذلك التل، سنصل إلى أنسغار.”
عند سماع ذلك، شعرت أديل براحة عميقة تغمرها. غدًا… أو على أبعد تقدير بعد غد.
إذا صمدت حتى ذلك الحين، ستصل أخيرًا إلى أنسغار.
ومجرد الأمل في التحرر من هذه الدوامة المرهقة منحها طاقة جديدة.
الانستغرام: zh_hima14
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 126"