-الرنين-
“…….”
“أنتِ… تجعلينني أفقد صوابي هكذا.”
قالها بصوت غارق كمن يغوص في الأعماق، فارتعشت أديل ارتعاشة خفيفة.
إحساس نابض انطلق من قلبها وانتشر في كامل جسدها، وعلى بشرتها المتحفزة الحساسة وصلتها حرارة جسده مباشرة.
آه… ما إن أفلتت منها شهقة حتى دفن رأسه عند عنقها كمن لم يعد يحتمل.
لكنه لم يلمس جلدها. ترك مسافة ضئيلة، كأنه يرسم حدًا قاسيًا بينها وبينه، ومن خلفه بالكاد كان يصبر.
أنفاس فالنتين المتسربة من بين أسنانه المطبقة كانت حارة إلى حدٍ مفرط، تنساب على عنقها الأبيض الرقيق كمنبهٍ ناعم ومؤلم في آن.
أحيانًا… كان ذلك وحده كافيًا.
“فالنتين…”
عند صوتها الرطب رفع رأسه فجأة، وكأنه استعاد وعيه، وارتسم شيء من اللوم الذاتي على ملامحه الوسيمة.
لكنها لم تدم سوى لحظة، إذ سرعان ما تعكر بصره من جديد.
“……”
كان ينظر إليها كما لو أنه يرى غزالًا ينزف، بعيني وحش جائع، كأنه على وشك أن يمزق قناع الأناقة ويكشف عن أنيابه الحادة في أية لحظة.
كان بالكاد يقمع اندفاعه بطبقة رقيقة من العقل، ولو أفلت زمامها… لشعرت وكأنها ستُلتهم من رأسها حتى أخمص قدميها.
ليس مجازًا، بل وحشية حقيقية.
“حتى الآن… تنبعث منك رائحة حلوة على نحوٍ مفرط…”
قالها بصعوبة، وتحركت تفاحة عنقه وهو يبتلع أنفاسه.
“يصعب عليّ التحمل. غريزتي تعرف أن قدرتك النقية مفيدة لي. سرعة انهيار عقلي… أسرع مما توقعت. حتى لو تحملت لفترة…”
حاول أن يبتسم لكنه فشل، فالتوى فمه المهذب بتشقّق غريب.
“قد يأتي يوم أفقد فيه صبري الهش، وأكسر كاحليك.”
“……”
“كي لا تهربي، ولكي أستطيع امتلاكك متى شئت.”
احمرّ وجه أديل الأبيض من وقع كلماته الفظة. رغم أن الشمس كانت تميل إلى الغروب، إلا أن المكان ما زال مضاءً بوضوح.
وفي هذا الفضاء المكشوف، وليس حتى في غرفة نوم، أن تسمع مثل هذه الكلمات الصريحة…
وحين أغلقت أديل عينيها ارتباكًا، أمسك بذقنها ورفع وجهها حتى لا تفلت من نظره. كانت عيناه حادتين إلى أقصى حد.
“هكذا سنمدد حياة بائسة لكِ، وسعيدة لي، بلا نهاية.”
شعرت أنها ارتجفت قليلًا، لا تدري إن كان خوفًا أم ترقبًا.
ظل فالنتين يتأمل عينيها طويلًا، كأنهما الوسيلة الوحيدة المتبقية لربط عقله بالمنطق.
“لذلك تعلمي قدرتك بأسرع ما يمكن، قبل أن يفلت وحشك من سيطرتك.”
ثم همس بذلك وتركها على مضض.
كان موضع يده شديد السخونة، فلما ابتعد شعرت حتى الهواء البارد أكثر برودة.
وحين مدت أديل يدها بلا وعي لتمنعه من الرحيل، أمسك فورًا بمعصمها وأنزله، ثم تراجع خطوتين. وارتسمت ابتسامة مرة على شفتيه.
“إلى أن تتقني استخدام قدرتك… من الأفضل ألا تلمسيني هكذا. فقد أؤذيك حقًا.”
قالها تحذيرًا صادقًا كي تشعر بالخطر، لكن أديل لم تشعر إلا بالشفقة عليه.
“لكن هذا يعني أنك ستتألم طوال الفترة التي أتعلم فيها…”
“لهذا عليك أن تتعلمي بسرعة. أحيانًا، قبل أن تفيض القدرة عن حدودها، يكفي أن تمرري إصبعك عليّ.”
“……”
“وسأحاول أن أتحمل هذا الجوع بأي طريقة.”
شدّ فالنتين رباط عقله من جديد وابتسم لها.
اختفت تمامًا ملامح الاضطراب السابقة، وكأن شيئًا لم يكن، وذلك التناقض آلمها دون سبب واضح.
“هيا يا أديل، تعالي إلى هنا.”
كان قد وقف في وسط الساحة يلوّح لها بيده، فتقدمت ووقفت حيث أشار.
“البداية هي الرنين. أغمضي عينيك وتنفسّي. اشعري بنبض الأرض، والريح، وهمس الغابة.”
تفاجأت أديل، فقد توقعت تدريبًا أكثر عملية.
أن تغمض عينيها وتشعر بالهواء؟
“هل هذا… حقًا مفيد؟ كنت أظن أنني سأتعلم شيئًا أكثر تطبيقًا.”
“السحر هو أن تفرضي إرادتك على المانا، أما قدرة الحاكم فهي أشبه بإصدار أمر للعالم نفسه. كلما تعمق الرنين، تحرك كل شيء استجابة لإرادتك دون عناء.”
الرنين… هل كان ذلك الإحساس الحساس الدقيق الذي شعرت به وهي تنظر إلى فالنتين؟ تلك اللحظة التي بدا فيها العالم كله مكشوفًا أمام كل شعرة في جسدها؟
“وكيف أعرف أنني نجحت في الرنين؟”
“حتى مع عينيك مغمضتين، سترين محيطك بوضوح. ما لم يكن هناك حاجز، فلن تعود المسافة عائقًا، حتى لو كانت آلاف الأميال.”
“هذا…”
كان من المستحيل أن يكون ذلك ممكنًا.
كادت أديل أن تجيب بالنفي دون تفكير، لكنها سارعت إلى إغلاق فمها.
فالماضي الذي لم تستطع فيه تحقيق أي نتيجة مهما بذلت من جهد، لم يكن يشبه الحاضر.
“سأحاول.”
أغمضت أديل عينيها كما قال فالنتين، وحاولت أن تشعر بأي شيء.
لكن مهما بذلت من جهد، لم يكن الأمر سهلًا على الإطلاق.
في البداية تعاملت معه بجدية،
لكن مع مرور الوقت بدأت ثقتها تتلاشى شيئًا فشيئًا.
وبعد طول معاناة وتردد، فتحت أديل عينيها أخيرًا.
وحين أسقطت كتفيها بخيبة أمل، قال فالنتين بنبرة مواساة:
“لا تستعجلي.”
“لا أعرف إن كنت أفعل الأمر بالشكل الصحيح… ولا حتى إن كنت أستطيع فعل ذلك أصلًا.”
“إن كان الأمر صعبًا، فهل نكتفي بهذا القدر اليوم؟ لا يزال لدينا متسع من الوقت.”
“…… مرة واحدة فقط. سأحاول مرة أخرى.”
عضّت أديل شفتها، وجدّدت عزمها من جديد.
لم يكن بوسعها أن تستسلم لمجرد أن الأمر صعب قليلًا.
أغمضت عينيها مرة أخرى، وحاولت إيقاظ حواسها.
وللحظة قصيرة، خُيّل لها أن الأمر بدأ ينجح.
لكن مهما شحذت انتباهها، لم يزد العالم وضوحًا، بل ازداد ظلامًا.
فتحت عينيها فجأة وهي تعض شفتيها.
“ما زلت… لا أفهم جيدًا. كيف فعلتَ ذلك في البداية يا فالنتين؟”
“لا أدري. بالنسبة لي كان الأمر طبيعيًا كالتنفس.”
نظرت إليه أديل دون أن تشعر، بنظرة تحمل شيئًا من الضيق.
لكنها سرعان ما فقدت حتى الرغبة في ذلك.
“ربما لأنني إنسانة لا أستطيع فعل ذلك؟ لقد قلتَ إن البشر لا يمكن أن يصبحوا حكام… وقلتَ من قبل إن استخدام القدرة يحتاج إلى إيمان البشر أيضًا.”
“لا تقلقي بشأن الإيمان. الطريق مُعدّ سلفًا.”
“مُعدّ سلفًا…؟”
وحين تمتمت بذلك بشرود، ومض في رأسها شيء فجأة:
إيمان البشر، الطريق المُعدّ، والنبوءة.
في تلك اللحظة، استبد بها شعور غريب.
أيعقل أن يكون فالنتين متورطًا في تلك النبوءة؟
لا أن تكون مجرد عبث من موريغ؟
“مستحيل.”
الذي ينطق بالنبوءات عادة هو البابا،
والبابا لا يغادر الكاتدرائية العظمى في بريغما إلا نادرًا،
وكان شخصًا خاضعًا بالكامل لنفوذ موريغ من رأسه حتى أخمص قدميه…
“أديل، أرجوكِ، فكّري الآن فقط في كيفية التعامل مع القدرة.”
حثّها بلطف، وكأنه يدرك تمامًا أنها تشكّ.
“المعجزة التي تصنعها القدرة لا تُقارن بتلك المعالجات البدائية. إن استطعتِ التحكم بهذه القوة بحرية، فبإمكانك حتى تطهير الفساد الحي.”
“……”
“فكّري يا أديل. موريغ لا يملك سوى قوة ضئيلة جمعها بشق الأنفس، ولا يفعل بها سوى تطهير رماد الموتى وطرد الوحوش من المناطق…”
“……”
“أما أنتِ… فيمكنك أن تتجاوزيه.”
تدفقت الكلمات المعسولة إلى أذنها تباعًا،
كي لا تتابع أفكارها أكثر،
وكي تُجبر نفسها على التمسك بالحاضر.
“……”
ودون أن تدرك، كانت رغبتها في مواجهته تزداد.
لكن أديل كبتت ذلك الاندفاع بصعوبة.
كما قال، كان الأهم الآن أن تتقن قدرتها بأسرع وقت، لتؤدي دورها في ساحة المعركة.
ففي هذه المرة، أرادت أن تحمي فالنتين بقوتها هي، أكثر من أي شخص آخر.
“سأركّز الآن فقط على إيقاظ قدرتي، كما قلتَ.”
“……”
“وأثق أنك يومًا ما ستخبرني بكل شيء بصدق.”
غاصت نظرة فالنتين في عمق معتم.
إعجاب؟ طاعة؟ أم فرح؟
اختلطت كل المشاعر كالألوان حتى صار من الصعب تمييز أصلها.
الشيء الواضح الوحيد:
أنه بدا مطمئنًا قليلًا.
وبعد لحظة، أومأ فالنتين برأسه بثقل.
“نعم… يومًا ما فعلًا.”
“إذن، ساعدني قليلًا كي أتحسن. يبدو أنني أشعر بالأشياء بصورة أوضح حين تكون قريبًا.”
هل هو مجرد وهم؟
كلما اقتربت منه، بدا أن حواسها تستيقظ أكثر.
مدّت أديل كلتا يديها نحو فالنتين الذي كان يقف على بعد خطوات.
ولما بدا مترددًا في التحرك، تمتمت وكأنها تعتذر:
“فقط… كما قلتَ، يكفي أن تمسك إصبعًا واحدًا…”
وقبل أن تكمل كلامها، التفّت أنامله القوية حول أصابعها الرقيقة.
ثم أخذ فالنتين نفسًا عميقًا، وتجاوز يدها ليقبض بكلتا يديه على معصميها.
عاد دفء الجسد، وعادت الأنفاس قريبة.
وحين رأت أديل رأسه ينخفض، أغمضت عينيها تلقائيًا.
وفي اللحظة التي لامس فيها جبينه جبينها—
“آه…”
انفلتت منها شهقة مرتعشة من بين شفتيها الرقيقتين.
الانستغرام: zh_hima14
التعليقات لهذا الفصل " 120"