-الانتقام-
كان من العبث أن تقلق، فالصوت كان صوت دونوفان.
اطمأنت أديل فورًا، بينما ارتسم على وجه فالنتين شيءٌ من الانزعاج الخفيف،
كأنما ظهر فجأة شخصٌ شديد الإزعاج.
مالت أديل رأسها باستغراب، ثم أجابت بهدوء:
“نعم. سأخرج بعد قليل. هل وصل الجميع؟”
“نعم، وصلوا جميعًا بسلام. سنستعد للانطلاق فور الانتهاء من العشاء. ولكن…”
تردد دونوفان قليلًا في إكمال حديثه، فتوتّرت أديل وسألته بسرعة:
“هل حدث شيء؟”
“أحضرنا معنا أخت صاحبة السمو. قالت إنها يجب أن تقابل صاحبة السمو بأي ثمن… وقد وقفت في طريق فرسان الحرس وأصرّت حتى النهاية.”
ساد الصمت لحظة.
“هل نطلب منها العودة؟”
“لا. أخبرها أنني قادمة حالًا.”
في الماضي، كان مجرد التفكير في مواجهة شارلوت كافيًا لأن يغمرها توتر خانق.
تلك الأخت غير الشقيقة الجميلة كانت قادرة على فعل أي شيء لتؤذيها،
ولهذا قضت أديل سنوات مراهقتها مثخنة بالجراح، نفسيًا وجسديًا.
لكن… الأمر كان مختلفًا الآن.
هل لأن قدراتها أصبحت شبيهة بقدرات شارلوت؟
أم لأنها مرّت بالكثير من الأحداث؟
لم تعد شارلوت مخيفة كما كانت.
“لا بد أنها جاءت بسبب مسألة القدرات… ربما لتوبّخني لأنني ضغطت على والدي بسببها.”
شعرت أديل بالإرهاق قبل أن تفتح الباب، فتوقفت تلتقط أنفاسها ببطء.
عندما أدارت المقبض بحذر، رفعت شارلوت رأسها فجأة من فوق الأريكة في وسط الغرفة.
وما إن تعرّفت عليها حتى امتلأت عيناها الجميلتان بنظرة حادة.
“…أخيرًا ظهرتِ؟ أصبح من الصعب حتى رؤية وجهك.”
لاحظت أديل فورًا أن شارلوت قد هزلت كثيرًا منذ آخر مرة رأتها.
كانت ترتدي فستانًا أسود لم تكن لتلمسه في السابق،
ولا ترتدي أي حُلي، ما جعل تغيرها أوضح.
حتى صوتها الساخر ونبرتها الواثقة المعتادة بدت متزعزعة،
كأن القلق ينهشها من الداخل.
رفعت أديل بصرها ببطء وحدّقت فيها بثبات.
“لماذا جئتِ إلى هنا؟”
“كأنني دخلت مكانًا لا يحق لي دخوله.”
“نحن في أطراف فريغما، ليس مكانًا اعتدتِ زيارته يا شارلوت.”
قاطعتها شارلوت فجأة، وبصوت متوتر:
“أبي سقط مغشيًا عليه. مهما كنتِ ابنة منبوذة، كان عليكِ أن تعرفي.”
توسعت عينا أديل.
“ماذا؟! الكونت؟”
“نعم. لا أدري ماذا فعلتِ به… لا، لا يهم. لم يعد للتفسير أي فائدة.”
تابعت بصوت ممتلئ بالمرارة:
“كل شيء انتهى. دمرتِ مستقبل العائلة، ووالدينا… وحتى زواجي.”
وعندما ذكرت أمر زواجها، لم تعد قادرة على إخفاء انفعالها،
فتشوّهت ملامحها الجميلة.
تقدّمت أديل خطوة بسرعة.
“أعتقد أن هناك سوء فهم. كيف أفسدت زواجك؟ أنا لم أفعل أي—”
“كاذبة!”
صرخت شارلوت وهي ترفع يديها قرب وجهها، وارتجفت أطرافها من شدة الغضب.
قفزت من مكانها وحدّقت في أديل كأنها تريد افتراسها.
“كان ذلك سرًا لا يعلمه أحد.”
“…”
“حالة قدرتي تلك… لم يكن يعرفها إلا أبي وأنا! ولو لم تنشري الأمر كجرذ قذر—”
“لم أخبر أحدًا بشيء!”
“…وتريدينني أن أصدق هذا الآن؟”
“صدقيني أو لا، لا يهم. أنا بريئة تمامًا.”
عندها ضيّقت شارلوت عينيها، وظلت تحدّق في أديل طويلًا،
ثم تمتمت بصوت غامض:
“ربما… ربما كنتِ فعلًا مظلومة.”
“…”
“وربما لا.”
ظلّا يتبادلان النظر بصمت. شعرت أديل أنه لا داعي لإضافة كلمة أخرى لمن لا ينوي التصديق أصلًا، بينما بدت شارلوت وكأنها فقدت تمامًا رغبتها في القتال،
وكأنها تقول في نفسها: ما جدوى الجدال بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
وبعد صمت طويل، سألت أديل بنبرة كأنها تلقي الكلام إلقاءً:
“لماذا جئتِ إلى هنا أصلًا؟”
“…جئتُ لأن شيوخ العائلة ألحّوا عليّ ودفعوني للمجيء. لأجلِكِ…”
تفادت شارلوت نظرات أديل بوجهٍ يكبت الإهانة، ثم فتحت شفتيها بصعوبة:
“لأطلب.”
كلمة طلب، وهي تخرج من شفتي شارلوت، بدت غريبة كأنها لغة أجنبية،
رغم أنها كلمة مألوفة في الحياة اليومية.
خفضت شارلوت رأسها تمامًا. مجرد نطقها بتلك الكلمة جعل عنقها المكشوف يحمرّ كأنها ارتكبت فعلًا مخزيًا.
ففي حياتها، كم مرة رفعت كلمة أرجوك إلى شفتيها؟ بالكاد أقل من عشر مرات. ففي الغالب، كانت الأشياء تُمنح لها قبل أن تضطر للطلب.
وقفت أديل بلا ردّ، فتابعت شارلوت بشفاهٍ متشنجة:
“الإمبراطورة سمعت الإشاعات… وأمرتني أمامها أن أُنجز ما أنجزتِه أنتِ. خلال السنوات الماضية… لم أقم في أي مناسبة رسمية… بشفاء أي شخص.”
ارتجف صوت شارلوت قليلًا.
ما أنجزتِه أنتِ — لا بد أن الإمبراطورة سمعت بقصة إنقاذ أديل لشخص كان يحتضر في ساحة المحكمة.
“منحتني ثلاثة أيام لأستعد نفسيًا. وقالت إنني إن لم أنجح، فستُلغى خطبتي لسمو ولي العهد. لكنني… لا أستطيع. لا أستطيع فعل ذلك.”
شبكت شارلوت يديها المرتجفتين كما لو كانت تصلي، وقد اختفى الدم تمامًا من وجهها.
“لا أستطيع. ولا أملك الثقة. لذلك أريدكِ أن تتنكري كإحدى خادماتي وتكوني قريبة مني وتساعديني… وكأنني أنا من فعل الأمر.”
“…”
“لو كان هناك أي حلّ آخر، لما طلبتُ منكِ هذا.”
ولو كان هناك حلّ آخر فعلًا، لما اختارت شارلوت هذا الطريق.
فهي لم تكن تريد الانحناء لأديل ولو كلفها ذلك حياتها.
المعالجون العاديون لا يملكون قدرة شفاء الجروح القاتلة دفعة واحدة.
ما يستطيعونه هو تخفيف الإصابة وتسريع الشفاء لا أكثر. ولهذا كانت رايهنـاو مميزة عبر القرون.
فالمعالج القوي قادر حتى على إعادة من اقترب من الموت.
لذلك، مهما استعانت شارلوت بمعالج آخر، فلن ترضي الإمبراطورة. ومع ذلك…
“آسفة يا شارلوت… هذا مستحيل بالنسبة لي.”
“ماذا؟”
تجعد جبين شارلوت بشدة. حتى في لحظة اليأس تلك، ظل جسدها مستقيمًا لا ينحني.
كان كبرياؤها يقول بوضوح: أفضل الموت على أن أتواضع أمامكِ.
لم يكن تجاهل ذلك الشعور سهلًا، لكن رفض أديل لم يكن بدافع الانتقام فقط.
“عليّ أولًا تنفيذ أمر جلالة الإمبراطور بالانضمام إلى الجبهة. فرسان أنسغار سيرحلون الليلة. لا يمكنني تأخيرهم لأجل شأني الخاص.”
“ثلاثة أيام فقط! ليس تأخيرًا كبيرًا!”
“علينا المرور بأراضي أنسغار لإعادة الاستعداد، ولسنا جاهزين للقتال إطلاقًا… وأنا بحاجة ماسة ليومين على الأقل من الراحة قبل التوجه للجبهة.”
“…”
“وليس لي الحق في سلبهم الوقت الذي يمكنهم قضاؤه مع عائلاتهم.”
شرارة اشتعلت في عيني شارلوت.
“أنتِ سيدتهم! هم أدوات تخضع لكِ! أتتعاطفين مع الفناجين والمناديل أيضًا؟!”
“إذا تحدثتِ بهذا الشكل…”
“اعترفي فقط! أنتِ تفعلين هذا انتقامًا مني!”
“ليس من أجل الانتقام. هذه قوة حصلتُ عليها بالصدفة، فكيف أجرؤ على استخدامها بتلك الطريقة؟”
هزّت أديل رأسها ببطء.
“في الماضي، فعلتُ كل شيء لأوقظ قدرات الشفاء في داخلي. دون أن أعلم أنها مستحيلة بالنسبة لي… كنتُ غبية حقًا.”
“…”
“وعندما حصلتُ على هذه القوة، ظننتُ أن كل ما عانيته كان لأجل هذه اللحظة. ومع ذلك، كنت خائفة. لأن هذه القوة ليست ملكي حقًا… بل جاءتني بالصدفة.”
رفعت أديل عينيها بثبات نحو شارلوت.
كان غريبًا ومحرّرًا في الوقت نفسه أن تتحدث معها بهذه الصراحة.
وفجأة، رأت أديل ظلًا أبيض ملتصقًا بعنق شارلوت. عرفت فورًا ما هو.
‘يد موريغ.’
لا تعلم منذ متى كانت هناك، لكنها كانت تمتص قوة شارلوت كالعَلَقة.
استدارت شارلوت باتجاه نظرات أديل بشك، ثم سألت:
“…ما الذي تنظرين إليه؟”
“لحظة يا شارلوت، هناك شيء على كتفك.”
مدّت أديل يدها بحذر ولمست كتفها.
رفعت “اليد” أصابعها مهددة، لكنها انزلقت أخيرًا وسقطت.
راقبت أديل تلك “اليد” وهي تتقهقر مذعورة داخل الظلام، فيما سرت في جلدها ألم لاذع حيث لمستها.
“…”
نجحت هذه المرة بالحظ فقط.
لكن “اليد” لم تختفِ… وستعود حين تضعف شارلوت مرة أخرى،
كمفترس ذاق الدم ولن يتوقف.
“…ما كان ذلك؟”
الانستغرام: zh_hima14
التعليقات لهذا الفصل " 118"