انبعثت أنفاس الإنسان اللاهثة بشكل مقرف. عينان مبللتان بالدموع، تحملان أملًا أعمى، تحدّق به بيأس.
نظرة من يبحث عن حاكم، أو عن منقذ.
ارتسمت على وجه ميخائيل ابتسامة كلوحة فنية، ثم قال:
«سأفي بالعهد بيننا، بالطبع. لقد تحررت أختك بالفعل من الألم الذي كان يخنق حياتها.»
«ح… حقًا؟»
«نعم. لذا يمكنك العودة إلى عائلتك مطمئنًا.»
«ش… شكرًا جزيلًا…… لن أنسى هذا الفضل أبدًا……»
«بدل إضاعة الوقت هنا، عليك أن تسرع. أختك لا بد أنها تنتظرك بشوق.»
في جحيمك. ابتلع ميخائيل كلماته كآخر مظاهر الرحمة.
بعد أن سجد يواخيم مرارًا حتى لامس جبينه الأرض، خرج مسرعًا من الغرفة وهو يمسك بيده اليمنى.
راقب ميخائيل ظهره المنسحب، ثم توجه نحو النافذة بابتسامة ملتوية. أمسك بالستارة، فانكشف له مشهد القصر الإمبراطوري الغارق في ضوء الغروب.
كل شيء… كان يسير تمامًا كما خُطِّط له.
ثمار حلوة راكمها بإحكام على مدى عشرات السنين، بل مئاتها، باتت أخيرًا على وشك النضج.
حتى مشاعر «أديلهايت» نفسها…… لم تكن سوى نتيجة مضبوطة بدقة منذ ماضٍ بعيد جدًا.
ومع ذلك، لم يكن يمكن أن يكون أفضل من هذا.
‘……فلماذا أشعر بهذا القرف؟’
حين استعاد صورة ذلك الوجه الوديع، المستكين بين ذراعيه، انقبض حلقه فجأة.
كان مشهدًا أكثر إزعاجًا مما تخيل.
تعلّقها به، وكأنه منقذها الوحيد، ظلّ عالقًا في عينيه، يأبى أن يزول.
عضّ على كراهيته الشرسة وابتلعها ببطء.
«……»
ذلك الأحمق الذي لا يزال يرى العالم كحديقة أزهار، ما الذي يجعله عزيزًا إلى هذا الحد؟
سرعان ما تحولت السخرية إلى شيء يشبه الخنق. شعر بتعب ثقيل نادر، فأطلق زفيرًا حارًا وهو يفك ربطة عنقه.
وفي تلك اللحظة—
«سيدي.»
عند الصوت القادم من خلفه، تصلّب انعكاس وجهه في زجاج النافذة بشكل طفيف. استدار ميخائيل نصف استدارة، وهو لا يزال يقبض على الستارة حتى كادت تتمزق.
«……يبدو أن عليّ قطع عنق الخادم فعلًا. أمرتُ بألّا يُسمح لأحد بالدخول.»
«أليس هذا وقت دفع ثمن خدمتي؟»
«ثمنك……؟»
“نعم. أرجو أن تتذكروا وعدكم لي بأن تمنحوني ما اتفقنا عليه إن نجحتُ في استدراج تلك العجوز وإحضارها. أقصد حياة أخي، ومصير الدوقة الكبرى أديلهايت.”
كشف أوسكار عن مطامعه الدنيئة بلا مواربة. أما ميخائيل فظل يحدّق فيه بالابتسامة نفسها التي لم تفارق وجهه.
“صحيح.”
لو كان قادرًا منذ البداية على التحكم بـ”القدرة” تحكمًا كاملًا، لما احتاج أصلًا إلى مساعدة تافهة كهذه. لكن يبدو أن أوسكار فهم تنهيدته على نحو خاطئ، إذ ازدادت الرغبة الطامعة التي ارتسمت على وجهه قتامة.
“من دواعي سروري أنكم ما زلتم تتذكرون. إذن، متى تقريبًا…؟ آه، أفهم أن الوضع الحالي غير مناسب. الأنظار كلها متجهة إلى هنا، بعد كل شيء. بالطبع لا أشك فيكم يا سمو الأمير، ولكن…”
“شش. التزم الصمت.”
رفع ميخائيل سبابته إلى شفتيه محذرًا بلطف.
كان في صوته ثقل غريب لا يمكن عصيانه. أغلق أوسكار فمه بلا وعي، وأصغى سمعه متبعًا ولي العهد.
كأن بابًا ما قد انفتح في مكان ما، فانسلت نسمة رفيعة من الهواء من خلفه، حيث لم يكن هناك هواء من قبل.
سسس… سرر. في قلب الصمت، دوّى خافتًا صوت حبل حريري يجرّ على الأرض.
استدار أوسكار إلى الخلف بغريزته. ومع ذلك، وعلى الرغم من شعوره الواضح بـ”وجود ما”، لم يرَ شيئًا مريبًا.
مال برأسه في حيرة، وهمّ بأن يعيد جسده إلى وضعه السابق. وفي تلك اللحظة بالذات، تحرك شيء ما عند قدميه، حركة لا لبس فيها.
“……”
سسس، سس. كان الصوت مقززًا، كرفرفة أجنحة حشرة.
رفع أوسكار نظره بذعر، ليجد ولي العهد ما يزال يحدّق به، محتفظًا بابتسامة جميلة كأنها مرسومة في لوحة.
ابتلع أوسكار ريقه المتجمع في فمه، وأنزل بصره ببطء. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينين ممزقتين طويلتين تلمعان في الظلام—
“آه… آااه…”
شلّ الرعب المروّع جسده كله كسمّ قاتل. كان ثعبان أبيض هائل، ذو جسد طويل لا نهاية له، يمد لسانه الأحمر القاني ويلتف ببطء حول كاحله، مشددًا قبضته.
“س، سمو الأمير! أ، أنقذني، أرجوك، أنقذني!”
عندما تريد القضاء على الديدان، فإن أفضل طريقة هي سكب الماء المغلي عليها حتى تحترق كلها. أما إن سحقتها واحدة تلو الأخرى، فإنها ستزحف مجددًا بلا حياء وتعاود العبث.
“أ، أنا… مما توصلت إليه، فـ، فالمعاملات والعقود التي تُبرم باسم الحاكم… آااه!”
الحاكم. عند سماعه هذا الاسم، أفلتت من شفتيه ضحكة ساخرة. راح يمرر أصابعه على جسد الثعبان ببطء، ثم قال:
“هل أخبرك بسر؟”
“… آه، أُغخ.”
“لا بد أنك سمعت عن حاكمين توأمين وُلدا في اليوم نفسه، لكنهما حملا مصيرين مختلفين. اختلفت الروايات عبر الزمن، لكن جوهرها واحد: وجه واحد، جسد واحد، وقدرتان مختلفتان.”
“……”
“لكن الحقيقة… مختلفة تمامًا.”
كان يتذكر بوضوح لحظة أنفاسه الأولى.
“الحاكم الأب اختار بعناية فائقة المواد التي سيصنع منها نصفه الآخر. ألف يوم كامل، نحت وصقل ليلًا ونهارًا. كنت أسمع صوته وأنا أحلم.”
وحين فتح عينيه أخيرًا، كان هناك كائن قوي وجميل يقف أمامه. ظنّه انعكاسًا في مرآة—إلى أن أدرك أنه بلا يدين، ولا قدمين.
“في الحقيقة، ما صُنع هو ‘موريغ’، أما ما تبقى من المواد فتم جمعه كيفما اتفق، وعُجن بلا اكتراث، فقط للتخلص منه. ومع ذلك، وبما أنها لمسة حاكم، دبّت الحياة حتى في الفضلات.”
وهكذا وُلد أول ثعبان.
حسد الثعبان التنين على كل شيء، لكن أكثر ما أثار غيرته كان “اليد”.
فمنذ البداية، كان الجسد المولود به محكومًا بذلك المصير. بلا يدين، بلا قدمين، بلا أجنحة قوية—وُلد كائنًا دنيئًا يزحف على بطنه فوق الأرض.
“بما أننا انقسمنا من كيان واحد، فما يملكه هو، يجب أن يكون لي أنا أيضًا. إن كان المصير واحدًا، فالأحق به هو من أدركه أولًا… أليس هذا بديهيًا؟”
“……”
لم يأتِ أي رد.
ابتسم ميخائيل برضا، وراح يربت ببطء على بطن الثعبان المنتفخ، الذي بدا وكأنه اتخذ شكل جسد إنسان.
حتى وهو يلتهم فريسته هكذا، لم يعرف يومًا الشبع. كان الجوع والعطش ينهشان داخله بلا نهاية.
كأن ثقبًا أجوف قد انفتح في مركز جسده. مهما ابتلع، مهما حشى، لم يمتلئ ذلك الفراغ.
الشيء الوحيد القادر على أن يجعله ينسى ذلك الفراغ، ولو قليلًا، كان رغبات البشر المتأججة.
ولهذا كان يطمع دائمًا في عرش الحاكم. فهو المكان الذي تتصادم فيه رغبات البشر بأعنف صورها.
وعبر تكرار الحياة مرات لا تُحصى، استطاع أخيرًا أن يحصل على هذا القناع المتقن، الكامل حدّ الخداع.
لذا، هذه المرة ستكون مختلفة.
أديلهايت خاصته ستتعلم قوة الأصل، ستتقنها، وستزهر فيها مؤهلات الحكام.
وعندما ينضج “أصل الحاكم” ذاك تمامًا، ويستولي عليه لنفسه، فإن هذا الصبر المضني، وهذا الشعور بالهزيمة الذي لم يستطع تقبّله يومًا، سينتهيان أخيرًا.
التعليقات لهذا الفصل " 116"