الفصل 45 : نحن الاثنين فقط
لقد ذُكر ذلك بوضوح في حفلة الأقنعة السابقة، على لسان الشابِ السَكرِ.
بلّلت إيفلين شفتيها الجافّتين، ثم بدأت تقرأ المحتوى بهدوء وتروٍّ:
[منحت قديسة القمر ديانا قوّةً لتلميذتها المفضّلة. كان ذلك لامتصاص اللعنة التي تأكل عقول البشر، لكن التلميذة استغلّت تلك القوة لتقضي على ديانا نفسها.]
يا لها من قصة مرعبة حقًا…
كان كتاب الأساطير يحتوي على قصصٍ متنوّعة جدًا، وبعضها يبدو مبالغًا فيه إلى حدٍّ كبير.
ومع ذلك، بدا هذا النصّ وكأنه يشير بشكل مباشر إلى التعويذة.
حتى لو لم يُذكر الأمر صراحةً، إلا أن الفكرة بدت واردة: ربما تكون تلك التلميذة هي الساحرة الأولى.
‘يجب أن أبحث في الأمر بعمق أكبر.’
كانت الآنسات يعودن تدريجيًا إلى غرفة الشاي، فأغلقت إيفلين الكتاب الذي كانت تقرأه.
في تلك اللحظة، سُمع بكاءٌ خفيف من مكانٍ قريب.
“هيغ… هيك…”
رفعت إيفلين رأسها نحو مصدر الصوت، فرأت داليا وهي تمسح دموعها.
تبادلت الآنسات القريبات نظراتٍ محرجة.
اقتربت إيفلين منها مسرعةً وعلامة القلق بادية على وجهها.
“داليا، ما الذي حدث؟”
“الأمر أنني… فقدتُ عقدي في الغابة.”
“عقدكِ؟”
“نعم… كان تركةً من أمي الحقيقية… هيغ، هيك…”
تساقطت الدموع الكبيرة كاللؤلؤ على رموشها الكثيفة دون توقف.
عجزت داليا عن مواصلة الكلام، فأضافت الآنسات بحذرٍ نيابةً عنها:
“لا بد أن الآنسة لورنهايم تشعرُ بحزنٍ شديد.”
“بالتأكيد. تركةً أمٍّ لا تقدّر بثمن.”
“ماذا لو بحثنا عنه معًا الآن؟”
فيما كانت أجواء الشفقة تتشكّل حول داليا، اقتربت كلوي فجأة وأغلقت مروحتها بصوتٍ واضح ثم تدخّلت في الحديث:
“لا أظن أن هذه فكرة جيدة. ألا تعلمون أن المساء على وشك الحلول؟”
بعد ساعة واحدة فقط سينتهي النهار تمامًا، وسيعود جميع المشاركين في مهرجان الصيد.
قالت كلوي ذلك بحسمٍ وكأن الأمر مقامرة، فأطبقت داليا شفتها السفلى بقوة.
” الآنسة على حق. لا داعي أن يتعب الجميع من أجلي.”
بدأت الآنسات اللواتي كن ينظرن إلى داليا بأسفٍ يدافعن عنها واحدةً تلو الأخرى.
“آنسة ويندربالت، كلامكِ قاسٍ بعض الشيء.”
“صحيح. لا داعي لأن تكوني بهذه الحدّة.”
تذمّرت بعض الآنسات بصوتٍ منخفض وكأنهن يلمن كلوي على برودها.
ففي مثل هذه التجمّعات، غالبًا ما تَسبقُ العاطفةُ العقل.
‘بهذا الشكل ستنخفض هيبة كلوي فقط.’
كان حكم كلوي العقلاني هدفًا سهلاً للانتقاد في هذه اللحظة.
يكفي النظر إلى الآنسات المحيطات: معظمهنّ من عائلات محافظة معادية لعائلتها.
بالطبع، لم تكن داليا تقصد ذلك عمدًا.
وإذا طال الوقت دون حلّ، فإن الخلاف سيزداد عمقًا فقط.
بعد أن راقبت الموقف بهدوء طوال الوقت، فتحت إيفلين فمها أخيرًا:
“ماذا لو بحثنا نصف ساعة فقط؟”
“إيفلين.”
عبست كلوي قليلاً وكأنها لم تقتنعُ.
أمسكت إيفلين بيد صديقتها برفق وأكملت رأيها:
“كما قالت الدوقة، الوقت تأخّر، لذا يمكننا تكليف الفرسان بالبحث بعد ذلك.”
أومأت الآنسات الموجودات في غرفة الشاي برؤوسهن موافقات على كلام إيفلين.
“ما قالته الآنسة إيناباسيل أكثر كفاءة بكثير.”
“من الأفضل أن نبحث قبل أن يغيب الشمس تمامًا.”
نظرت إيفلين إلى كلوي بنظرة خاطفة، متسائلةً إن كانت قد أصيبت.
لحسن الحظ، بدت كلوي غير مبالية على الإطلاق.
بذكائها السريع، لا بد أنها فهمت نيتها على الفور.
مسحت داليا دموعها بمنديلها، ثم قالت بصوتٍ متهدّج:
“شكرًا لكم جميعًا حقًا.”
ابتسمت ابتسامة رقيقة حزينة، وعيناها لا تزالان محمّرتين.
كما كان قلادة والديها الغالية مهمةً لإيفلين، لا بد أن هذا العقد ثمين جدًا لداليا أيضًا.
‘أتمنى أن نجده.’
كبحت إيفلين شعور الشفقة، ثم قالت وهي تُعدّل صوتها:
“لنذهب الآن قبل أن يتأخر الأمر أكثر.”
* * *
عند مدخل الغابة حيث أُقيمت لعبة البحث عن الكنز.
تنهدت إيفلين تنهيدة خفيفة وهي تفحص الأعشاب.
‘يبدو الأمر أصعب مما توقّعت.’
كانت تعتقد أنهم سيجدونه بسرعة مع وجود فرسان الحراسة.
لكن عقد التانزانيت الذي فقدته داليا لم يظهر مهما بحثوا.
تلاشت الحماسة الأولى، وبدأت الآنسات يتراجعن واحدةً تلو الأخرى إلى مكان الراحة وهن يتبادلن النظرات.
اقتربت كلوي من إيفلين وغطّت فمها بيدها ثم همست:
“لنعد نحن أيضًا.”
“……”
“بصراحة، أظن أن هذا يكفي.”
أضافت أنه من الواضح أن وحشًا بريًّا أو غرابًا قد أخذه، طالما لم يظهر حتى الآن.
وافقت إيفلين على كلام صديقتها، لكن شيئًا ما في قلبها كان يثقل.
كلما طال البحث، ازداد وجه داليا شحوبًا وظلامًا.
‘لا بد أنه ثمين جدًا بالنسبة لها.’
كانت يدا داليا التي تحفر في الأعشاب بلا قفازين قد أصبحتا في حالة يُرثى لها.
لا شك أن الخوف من عدم العثور على تركة أمها يعذّبها.
شعرت إيفلين، التي فقدت والديها الحقيقيين، بشفقة عميقة تجاه بطلة القصة الأصلية.
لو كانت في نفس الموقف، لتصرّفت بالطريقة ذاتها.
نظرت إلى داليا للحظات، ثم هزّت رأسها ببطء.
“لا. سأبحثُ قليلاً أكثر.”
“ماذا…؟”
أدركت كلوي أنها لن تستطيع إقناعها، فتنهدت تنهيدةً خفيفة.
“أنتِ تعلمين أن مهرجان الصيد سينتهي قريبًا، أليس كذلك؟ لا تتأخري.”
“لا تقلقي يا كلوي، سأعود سريعًا.”
ابتسمت إيفلين بإشراقٍ مُتعمّد، فأومأت كلوي برأسها على مضض.
واصلت البحث بجد، لكن لا زال لا أثر للجوهرةِ الصغيرة.
كان موعد إغلاق مهرجان الصيد يقترب، لذا يجب إنهاء البحث الآن.
لم يبقَ في الغابة سوى إيفلين وداليا.
‘من الأفضل أن نعود.’
قررت أن ترسل فرق بحث غدًا عند شروق الشمس لتفتيش المنطقة بدقة.
تحرّكت إيفلين بعد تردّد، وقالت بحذر:
“داليا، يبدو أنـ”
“قليلاً فقط… هل يمكنكِ مساعدتي أكثر؟”
أمسكت داليا يدها فجأة، وانتقل الارتعاش من يدها إلى يد إيفلين بوضوح.
كانت عيناها البنفسجيتان اللامعتان بالدموع ترتجفان بعنف.
أومأت إيفلين برأسها مرة واحدة، ثم استخدمت قوة الشفاء لعلاج يدي داليا المتضررتين.
تلاشت الجروح تدريجيًا، واستعاد تنفّسها المتقطّع هدوءه.
“هل تتذكّرين مكانًا آخر ذهبتِ إليه غير هنا؟”
سألتها إيفلين بهدوء، فخرج من بين شفتي داليا تنهيدة قصيرة بعد تفكير.
تردّدت المرأة لحظة، ثم قالت بصوتٍ مرتجف خفيف:
“إيفلين… هل يمكنكِ الذهاب معي؟”
“إلى أين؟”
مالت إيفلين رأسها قليلاً، فنظرت إليها داليا بنظرة جادّة.
“مكان ليس بعيدًا جدًا من هنا.”
“إذن فلنذهب مع الفرسان.”
“لا، إيفلين. نحن الاثنين… فقط نحن الاثنين.”
* * *
كان الغروب يتسلّل تدريجيًا، والسماء تتلون بلون الشفق الهادئ.
نظرت إيفلين إلى السماء دون قصد، ثم عبست قليلاً وهي تفحص المكان حولها.
“داليا، هل ما زلنا لم نصل؟”
كان المساء قد حلّ بالفعل، ومع ذلك كانت داليا تمشي في صمت.
يبدو أنهم يتوغّلون أكثر فأكثر داخل الغابة…
‘أتمنى أن لا يحدث شيء سيء.’
فكّرت إيفلين أنه من الأفضل العودة الآن بالطريق الذي أتيا منه.
“أظن أنه من الأفضل أن نـ”
“قرّبنا جدًا، إيفلين.”
قاطعتها داليا في منتصف جملتها، وبدت تعابير وجهها غريبة بعض الشيء.
كانت عيناها تفيضان بالحزن الواضح، بينما كانت زاوية شفتيها مرفوعةً بلطفْ.
التعليقات لهذا الفصل " 45"