الفصل 43 : يمكنكِ أن تفعلي ما هو أكثرٌ.
“فرصة؟ ما الذي تقصدينه بذلك؟”
مالت إيفلين رأسها باستغراب، فأجابت لاري بصوت متحمّس قليلًا:
“آه يا آنستي، أليس سموّ الدوق الصغير من أقوى المرشحين للفوز في مهرجان الصيد؟”
عدد المناديل التي يتلقّاها المشاركون كان يُعدّ بمثابة مؤشر على احتمال فوزهم.
ففي مهرجان الصيد، جرت العادة أن يُمنح المنديل لمن يُتوقع فوزه.
وطبعًا، كان بعضهم يستغلّ تلك الفرصة لإشباع نواياه الخاصة.
بينما كانت إيفلين تنقر الطاولة بأصابعها، لمع بريق صافٍ في عينيها الخضراوين.
“عندما أفكر في الأمر… يبدو أنك محقّة.”
قررت أن تعطي أكسيون منديلها أولًا.
فإذا لم يكن هناك شيء يُقارن به، فلن يستطيع الحكم إن كان جيّدًا أم سيئًا.
أزاحت سحابة الكآبة التي كانت تخيّم فوق رأسها، ونهضت فجأة.
“إذًا، أين أكسيون الآن؟”
* * *
في حديقة قصر الماركيز، التي تعبق بعطر الزهور.
مساحة مليئة بحبّ سيّدة القصر، حيث تفتّحت أزهار الربيع بكامل رونقها.
كانت إيفلين تمشي في الحديقة بحثًا عن خطيبها.
‘قالوا إنه مع والدتي، أليس كذلك؟’
كانت والدتها تهتم بالحديقة بنفسها في أيام الراحة، ويبدو أنها صادفت أكسيون حين جاء إلى القصر.
تخيّلت إيفلين شكله وهو يتحدث على انفراد مع والديها، فعقدت حاجبيها بحرجٍ.
مهما طالت المعرفة، يبقى الجلوس منفردًا مع والدي خطيبته أمرًا غير مريح.
“يجب أن أذهبَ وأساعدهُ.”
وبينما كانت تسرع في خطواتها، لمحت رجلًا يقف وحده في جناح الحديقة.
لم تستطع رؤية وجهه بوضوح بسبب ضوء الشمس المعاكس، لكن الهالة المميزة حوله أكدت لها أنه خطيبها.
‘همم؟ لماذا هو وحده؟’
اقتربت منه وهي تنظر حولها، فاستدار أكسيون فور إحساسه بوجودها.
“أتيتِ؟”
“نعم. ألم تكن مع أمي؟”
أومأ ببطء، ثم أجاب بصوت خالٍ من الانفعال:
“قالت إن لديها موعدًا مسبقًا.”
كانت الماركيزة. منشغلة هذه الأيام بتجديد القصر مع بداية موسم الربيع الاجتماعي.
‘قالت إن هناك لوحات أعجبتها مؤخرًا…’
تذكّرت أنها ستذهب إلى معرض فني مع صديقاتها.
نظرت إليه إيفلين بعينين متسائلتين.
“أكسيون، إذًا لماذا جئت؟”
“اشتقتُ إليك.”
قالها بلا مبالاة، حتى إنه لم يحمل أي صدق.
نقرت إيفلين لسانها في داخلها.
وكأنها المرة الأولى!
“حقًا؟ هذا جيّد. أنا أيضًا اشتقتُ إليكَ.”
ابتسمت عمدًا، لكنها لم تستطع إخفاء نبرتها الباهتةِ.
ارتسمت ابتسامة ماكرةٌ على شَفتيهِ.
“يسعدني أننا متفاهمان.”
“في ماذا تحديدًا؟”
“في أن مشاعرنا متطابقة.”
شعرت وكأن طاقتها تُستنزف منذ الآن، فرفعت يدها إلى جبينها.
وفجأة، تعمّق غماز في خده، ومدّ يده المستقيمة نحو رأسها.
ارتجف جسدها من المفاجأة.
“ما الذي تفعله فجأة-“
“لا داعي لكل هذا الذعر. لقد أمسكنا أيدينا من قبل.”
“…!”
تلألأت عيناه الحمراوان وهو يحدّق فيها.
“وبالطبع، إن أردتِ… يمكنني أن أفعل ما هو أكثر.”
ما الذي يقوله هذا المجنون الآن؟!
عبست متعمدة لإخفاء ارتباكها.
كان يتفوه بكلمات مخجلة بوجه خالٍ تمامًا من التأثر.
لا بد أنه يمزح مجددًا.
وكأنه فهم نظرتهاَ الغاضبةَ، أطلق ضحكة كسولة، ثم أراها شيئًا في كفه.
“كانت عالقةً في شعركِ.”
بتلة زهرة صغيرة.
“آه… هكذا إذًا؟”
تنفست بارتياح. كانت تظنه يحاول لمس رأسها.
ثم أخرج شيئًا من جيبه، وسلّمها علبة صغيرة.
نظرت إليه بريبة.
“ما هذا؟”
أجاب ببرود مخيف قليلًا:
“هدية من والدايّ.”
“ماذا؟ من دوق ودوقة فالينتينو؟”
لا تقل لي إنها إرث عائلي مرة أخرى؟
عضّت شفتها. لم يكن ذلك مستبعدًا عنهما.
ما زالت تحتفظ بدبوس الشعر الذي ورثته الدوقة الأولى في درجها.
“لكن لماذا أتيت بنفسكَ؟ كان يمكنكَ إرسالُ أحدٍ.”
تجاهل السؤال تمامًا.
“ألن تفتحيها؟”
“بالطبع سأفتحها!”
فتحت العلبة ذات المظهر الفاخر، وشعرت بدموع خفية في داخلها.
فهي في النهاية ستفسخ خطوبتها مع أكسيون، وتلقي هدايا كهذه يثقل قلبها.
ثم اتسعت عيناها.
“هذا…!”
بروش على شكل شريط مزين بحجر البيريدوت الأخضر الشفاف، بلون يماثل عينيها.
تألّق الحجر تحت أشعة الشمس ببريق أخّاذ.
لا شكَ أنهُ عالي الجودة.
‘تذكّرت…’
قرأت قبل أيام خبرًا عن شراء دوقة فالينتينو حجر بيريدوت فاخر قادم من الخارج بسعر باهظ.
أيمكن أن يكون هذا هو نفسه؟
شعرت وكأن جرس إنذار يرن في أذنيها.
هل يحق لها حقًا قبول هدية كهذه؟
ابتسم أكسيون بخفة، وكأنه فهم أفكارها.
“عيد ميلادكِ قريب.”
كان أول عيد ميلاد لها بعد بلوغها سن الرشد، لذا يبدو أن والديه أرادا هدية مميزة.
شعرت بالامتنان، وقررت أن تكتب لهما رسالة قريبًا.
“لكنها حقًا أكثر مما أستحق…”
بينما كانت تحكّ خدها بخجل، جاءها صوته العميق:
“تليق بكِ، إيفلين.”
“…!”
رفعت رأسها، فالتقت عيناها بعينيه الحمراوين.
لم يظهر عليه أي انفعال، لكن نظراتهُ جعلتها عاجزةً عن الهروب.
عضّت داخل خدها بخفة.
وكأن عليها ألا تُظهر أي اضطراب أمامه.
ثم تذكّرت المنديل الذي أعدّته له.
تنحنحت بخفة.
“همم… لدي شيء لكَ أيضًا.”
“لي أنا؟”
ارتفع حاجباه قليلًا.
“نعم. أظننتَ أنني الوحيدة التي تتلقى دائمًا؟”
قالتها بثقة مصطنعة، لكن يدها ارتجفت قليلًا وهي تستعد لإعطائه المنديل.
لماذا أنا متوترةٌ هكذا؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قدّمت له المنديل الذي كانت تخفيه خلف ظهرها.
“أتمنى لكَ التوفيق، أكسيون.”
راقبت ردّ فعلهُ بحذرٍ.
لكن… لم يظهر أي تعبير.
كان فقط يحدّق في التطريز الأسود على المنديل الأبيض.
‘كما توقعتُ… إنه سيئ، أليس كذلك؟’
احمرّ وجهها خجلًا.
“إن لم يعجبكَ-“
“إنه فهد أسود، أليس كذلك؟”
تمتم بهدوء.
لم يتمكن أحد من التعرف على الرسم من قبل، لذا ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها دون قصد.
“أوه! كيف عرفتَ؟”
سألته بصوت نادر الحماسة.
مال رأسه قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
“إذًا كان كذلك فعلًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 43"