الفصل 42 : لنبدأ كصديقين
كانت إيفلين تحدّق مطولًا في وسامة كاليد الأخّاذة، ثم أطلقت زفرة قصيرة حين خطرت لها فكرة مفاجئة.
حين يبتسم هكذا، يبدو تمامًا كـ…
لمعت عيناها الصافيتان، وأخرجت السؤال الذي ظل يدور في فمها.
“سعادة الدوق، هل كلبك من فصيلة الغولدن ريتريفر؟”
اتسعت حدقتاه الزرقاوان للحظة ثم ضاقتا.
“كيف عرفتِ ذلك؟”
كما يُقال، الكلب يشبه صاحبه!
“كنت أعلم ذلك. كلما رأيتك…”
لحظة، أليست هذه وقاحة؟
توقفت إيفلين في منتصف كلامها وألقت نظرة خاطفة على ملامحه.
“يخطر في بالي كلب غولدن ريتريفر.”
بما أنها بدأت الجملة، أكملتها على أي حال، لكنها كانت حذرة من كيفية تقبّله للأمر.
هل كان كلامها طائشًا؟
لكن لحسن الحظ، لم يبدُ على كاليد الانزعاج.
بل على العكس…
“يبدو أنكِ تفكرين بي أحيانًا، آنسة.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ناعمة، وكانت عيناه الزرقاوان اللامعتان تتجهان إليها وحدها.
حركت عينيها في حيرة قبل أن تجيب:
“أقصد… ربما أشعر بنوعٍ من الألفة؟”
ما الذي تتفوهين به الآن؟
صحيح أن بطل الرواية بدا مألوفًا لها، لكنها ابتلعت تنهيدة في داخلها.
فمن المؤكد أن حديثها العشوائي سيبدو غريبًا.
‘رُبما لا يهم.’
فهي في النهاية مجرد شخصية جانبية، وكم مرة ستلتقي به أصلًا؟
وما إن استقرت على هذه الفكرة وشعرت بخفة، حتى لمع بريقٌ في عيني كاليد وهو يحدّق بها.
“إذًا، لنبدأ كصديقين.”
“نـ… نعم؟”
رمشت إيفلين بسرعة، غير مصدّقة ما سمعته.
‘ماذا قال للتو؟’
لم يخطر ببالها قط أن تصبح صديقةذ لبطل الرواية!
“أم أن الصداقةُ تزعجكِ أيضًا؟”
خفض نظره قليلًا، فتأخرت عن لحظة الرفض المناسبة.
وإذ بها، على حين غرّة، تتلقى طلب صداقة من أحد البطلين، فازداد ارتباك عقلها المشوش أصلًا.
لماذا يريد الجميع أن يصبحوا أصدقائي؟
لم يكن في الرواية الأصلية شيء كهذا.
لقد خرجت الأحداث عن مسارها منذ زمن.
ومع ذلك، بقي قلبها مضطربًا حيال فكرة الاقتراب أكثر من كاليد.
‘ألن يغيّر هذا ما أعرفه من مجريات؟’
وفي جانبٍ آخر، راودها خاطر أن التقرب من البطلين قد يكون وسيلة لمنع النهاية الدموية.
فلو أصبحا حليفين لها، فلن يكون هناك درعٌ أقوى.
مهما يكن، هما البطلان… لن يتجاهلاني لاحقًا، أليس كذلك؟
أخفت اضطرابها بصعوبة، ثم مدت يدها إليه بعزم.
“أتطلع إلى صداقتنا.”
كانت مجرد مصافحة لتخفيف الحرج، لكن الجو ازداد توترًا.
هل تكوين الأصدقاء صعبٌ إلى هذا الحد؟
وبينما كانت تسحب يدها بخجل، أمسكها بكفه القوي.
كانت يده دافئة، وابتسم بلطف.
“وأنا كذلك.”
* * *
“آنستي، انظري إلى هذا! ألا يليق بمارتن؟”
أشارت لاري بخجل إلى منديل من الكتان الأزرق الفاتح، فأومأت إيفلين برأسها.
“صحيح، سيليقُ به كثيرًا.”
كانت لاري ومارتن صديقين منذ زمن، وقد تطورت علاقتهما مؤخرًا إلى حب.
كانت إيفلين أول من سمع بالخبر، وقد هنأتهما بصدق.
‘إنهما يبدوان مناسبين فعلًا.’
قالت لاري بصوتٍ مشرق، ووجهها يفيض سعادة:
“آنستي، انتظريني قليلًا! سأدفع الحساب وأعود.”
“سأتابع المشاهدة هنا، خذي وقتك.”
“نعم، آنستي!”
ركضت لاري بخطوات خفيفة نحو الصندوق، بينما ارتسمت على شفتي إيفلين ابتسامة هادئة.
‘إنها أجمل أيام الحب.’
كان متجر الأقمشة مزدحمًا في ذلك المساء المتأخر، فالعادة في مهرجان الصيد أن يُهدى منديل مطرّز تعبيرًا عن التمنّي بالحظ السعيد.
‘لا أظن أن أكسيون يحتاج واحدًا.’
فبحسب الرواية، أكسيون فالينتينو يتمتع بقدرات لا تقل عن البطل الأصلي.
أي أنه نادرًا ما يُصاب في مهرجان الصيد أو بطولات المبارزة.
ومع ذلك، كانت إيفلين تنوي منحه منديلًا على سبيل اللياقة، خاصة أنه أول مهرجان تشارك فيه بعد بلوغها.
وبينما كانت تتفحص المنديلات بفتور، عادت لاري بعد أن دفعت الحساب.
“ألا تعتقدين أن اللون الأسود يناسب الدوق الصغير فالينتينو؟”
هزّت إيفلين رأسها، والتقطت منديلًا حريريًا أبيض.
“لا، قلبه أسود بما يكفي. فليكن المنديل أبيضًا على الأقل.”
بدت لاري متفاجئة لحظة، ثم ابتسمت بخفة.
“آه… هكذا إذًا.”
“ما هذه النظرة؟”
سألتها إيفلين بعبوس خفيف، فرفعت وصيفتها كتفيها بخبث.
“فقط لأنكِ تفكرين فيه كثيرًا.”
هذه الفتاة…!
أي هراء هذا؟
تجاهلت نظراتها الماكرة، ونادت البائعة.
“رجاءً حضّري لي هذا المنديل.”
أشتريتهُ في النهايةِ..
* * *
أليس من الأفضل ألا أقدّمه أصلًا؟
كانت إيفلين تحدّق في المنديل الذي طرزته بنفسها، ووجهها يفيض يأسًا.
حتى أكثر الناس افتقارًا للنقد الذاتي سيدرك سوء هذه النتيجة.
‘أنا سيئة إلى هذا الحد…’
تأملت التطريز الأسود المرتبك.
استغرق منها ليالي عديدة، ولم إنهها إلا عشية المهرجان.
لكن حين عرضته على من حولها، كانت ردودهم متباينة:
“واو! قطة سوداء!”
“هل هذا غراب؟”
“غرير لطيف يا أختي!”
لم تستطع إخبارهم أن هذا التطريز يفترض أن يكون نمرًا أسود.
فالنمر الأسود رمز عائلة فالينتينو، رمز الهيبة والقوة.
شعرت بالإحراج، وضغطت على المنديل في يدها.
فإلى جانب الخيوط المتناثرة، كانت العيوب تزداد وضوحًا.
‘كيف سأعطيه له…؟’
تنهدت بعمق، وأسندت خدها إلى الطاولة.
اقتربت لاري، قلقة على سيدتها.
“آنستي، أراه تصميمًا جميلًا.”
“قبل قليل قلتِ إنه يشبه قطة سوداء.”
“ذلك لأن… همم.”
لم تستطع الإنكار، فاكتفت بسعالٍ خفيف.
“ربما لا أعطيه له.”
همست إيفلين، فشهقت لارييه وهزّت رأسها.
“لقد تعبتِ في صنعه! الدوق الصغير سيفرح بأي شيء تمنحينه إياه!”
لا يا لاري… أنتِ لا تعرفين أكسيون.
سيبدأ فورًا بالبحث عن العيوب في التطريز.
شعرت بصداعٍ يطرق رأسها، وضغطت على صدغيها.
طرقٌ على الباب.
“آنستي، الدوق الصغير فالينتينو يزورنا.”
“ماذا؟ لماذا جاء إلى هنا؟!”
رفعت رأسها فجأة من فوق الطاولة.
اليوم ليس يوم تدريب جاكتر، ولم يُبلغها بزيارة.
وبينما كانت تعقد حاجبيها، قبضت لاري يديها بحماس.
“آنستي… ربما تكون هذه فرصتكِ!”
التعليقات لهذا الفصل " 42"