الفصل 41 : رائحةُ المسكِ المُنعشةِ
“في الحقيقة… الشخص الذي أبلغ الحرس تلك الليلة كنتُ أنا.”
روت داليا، التي كانت قد حضرت الحفل الليلي المتوهّج، أنها صادفت بالصدفة المشهد حين بدأ أحد الشبان بإثارة الفوضى.
وحين قدّرت أنها لن تستطيع إخضاعه بنفسها، سارعت إلى استدعاء المساعدة.
على وجهها، وهي تعض شفتها، ارتسمت مسحة شفقة، كأن الندم وتأنيب الضمير قد امتزجا في ملامحها.
“كان ينبغي لي أن أساعد إيفلين في ذلك المكان…”
لكن حين بادرت داليا بالاعتذار، هزّت إيفلين رأسها بحزمٍ.
“ليس ذنبكِ يا داليا. بفضلكِ وصلَ الحرس مبكرًا.”
“شكرًا لتفهمكِ يا إيفلين.”
عند رؤية ابتسامتها الرقيقة، شعرت إيفلين بأنها ربما ظلمت شخصًا بريئًا بالشكِ.
‘صحيحٍ… لا داعي لسوء الفهم بلا سبب.’
وبمجرد أن أزاحت الشك عن البطلة، شعرت وكأن عبئًا قد خفّ عن صدرها.
* * *
على الطاولة التي تجمّعت حولها الشابات، استمر الحديث في شتى المواضيع.
نميمة العاصمة هذه الأيام، والاهتمامات الرائجة، وأحدث الصيحات في الأزياء.
كانت إيفلين تُشاركُ في الحديث، لكن عقلها كان في مكانٍ آخر.
‘لماذا أشعر أن مجرى القصة الأصلية بدأ ينحرفِ؟’
رغم أنها تدخّلت بالفعل في أحداث الرواية، حاولت قدر الإمكان ألا تخرج عن الإطار الأصلي.
هل هناك شيء فوّتُته؟
كان القلق يتصاعد حتى تركت أظافرها أثرًا في كفها.
“…آنسة؟”
وخزٌ خفيف.
رفعت إيفلين عينيها فجأة، إذ كانت شارِدة الذهن..
وسرعان ما تمالكت نفسها وابتسمت بهدوء.
“هل من أمر؟”
“هل حددتِ صاحبة المنديل في مهرجان الصيد هذا العام؟”
سألتها إحدى الشابات بعينين متحمستين.
‘آه، صحيح… مهرجان الصيد سيُقام قريبًا.’
في إمبراطورية فالتيان، يُقام مهرجان الصيد كل ربيع برعاية العائلة الإمبراطورية.
وكان حضور النبلاء البالغين إلزاميًا، مع استثناءات قليلة لأسباب خاصة.
ولأنها ستشارك للمرة الأولى هذا العام، أجابت إيفلين بهدوء:
“أظن أنني سأقدّمه إلى الدوق الصغير فالينتينو.”
كانت تظن أن الأمر بسيط؛ تمنحه لخطيبها فحسب.
أطلقت الشابات آهات إعجاب، وامتلأت نظراتهن بالحماسةِ.
“سيفرحُ الدوق الصغير كثيرًا!”
“كان ينظر إليكِ بعينين تقطران عسلًا!”
مستحيل. هذا غير ممكن إطلاقًا…
ففي حين يصوّر الآخرون أفلامًا رومانسية، الشخص الوحيد الذي سيحوّلها إلى فيلم إثارة هو أكسيون فالنتينو.
على الأرجح أن ذهنه مشغول فقط بكيفية إزعاج خطيبته أكثر.
ارتسمت على شفتي إيفلين ابتسامة باهتة، تختلط فيها الحرج بعدم الارتياح.
“يبدو أن علاقتكِ بخطيبكِ جيدة جدًا.”
قالت داليا وهي تحدّق بها بنظرة بدت فيها مسحة دهشة خفيفة.
مرّ في عينيها البنفسجيتين بريقٌ غير مستحبٍ، ثم اختفى.
لكن إيفلين لم تلاحظ.
“نعم، لقد نشأنا معًا منذ الصغر.”
وحين سمعت كلماتها، شعرت بالحرج فحكّت خدّها بخفة.
لو كان أكسيون هنا الآن، لسخر منها بتلك الابتسامة المستفزة المعتادة.
حتى في المناسبات التي يُفترض أن يقضياها معًا، كانا ينشغلان دومًا بالشجار.
وفي اللحظة التي ابتسمت فيها إيفلين بخجل، أمسكت داليا يديها برفق.
ربما لأن آثار الشتاء لم تختفِ بعد، شعرت إيفلين ببرودة تسري في أصابعها فارتجفت قليلًا.
“إيفلين، هل يمكنكِ أن تعرّفيني على الدوق الصغير؟”
“على… خطيبي؟”
انتشر الارتباك في عينيها الخضراوين.
لماذا؟
لم تكن تدرك حتى ما التعبير الذي ارتسم على وجهها.
فقط أطبقت شفتيها كي لا يتسرّب السؤال.
وحين لم تُبدِ ردًّا، قالت داليا متظاهرة بالارتباك:
“لا أقصد شيئًا آخر. أردت فقط أن أرى خطيب صديقتي.”
من الطبيعي أن يتعارف البطلان، أليس هذا ما تمليه القصة الأصلية؟
لكن لسببٍ ما، لم يخرج الرد بسهولة.
ابتسمت إيفلين أخيرًا، واحتست رشفة من الشاي.
“سأسألهُ في المرةِ القادمة.”
“…حسنًا؟”
كانت الشابات اللواتي استمعن بصمت يضفن تعليقاتهن واحدة تلو الأخرى.
“الدوق الصغير فالينتينو مشغول للغاية هذه الأيام.”
“سمعتُ أنه اكتشف مؤخرًا معادلة جديدة في الهندسة السحرية.”
“وجماله؟ أليس مذهلًا؟ يُقال إنه يقف جنبًا إلى جنب مع دوق ريكيـران الشهير!”
تحولت الأنظار بعدها إلى داليا، فهي أكثر من له صلة بكاليد بين الحاضرات.
إذ إن كاليد نادر الظهور، مما زاد فضول الجميع حياله.
“آنسة لورنهايم، كيف يبدو دوق ريكيـران على أرض الواقع؟”
ابتسمت داليا بخجل وسط النظرات المتلهفة.
“دوق ريكيـران… شخص لطيف جدًا.”
وهو بالفعل لطيف بطبعه، فكيف سيكون حاله مع بطلة الرواية؟
ربما عبارة “عينان تقطران عسلًا” تليق بكاليد لا بأكسيون.
من جهة، بدا الأمر وكأن القصة تسير وفق مسارها الأصلي…
لكن مع ذلك، شعرت إيفلين بوخزة غريبة في قلبها.
ولهذا طمأنت نفسها سرًا وهي ترى البطلين معًا كما لو أن القدر جمعهما.
ثم فجأة عقدت حاجبيها.
‘لحظة… لماذا أشعر بالارتياح أصلًا؟’
* * *
“همم… يبدو أن العثور عليه مستحيل.”
تنهدت إيفلين وهي تعيد الكتاب إلى مكانه.
كانت قد جاءت إلى المكتبة الإمبراطورية على أمل أن تجد شيئًا عن السحر المحظور.
لكن لم يكن هناك أي أثر لمعلومات تتعلق بالقدرات الممنوعة.
‘ولا أعرف شيئًا بعد عن أسطورة القمر.’
كانت تسمع أحيانًا من فيليكس عن تقدم التحقيق، لكن حتى دائرة التحقيق كانت تواجه صعوبات.
حتى نقابة المعلومات الماهرة ترفض تمامًا ذكر أي شيء يتعلق بالسحر الأسود أو الطقوس.
حملت بعض كتب الأساطير بدلًا من ذلك، ثم نهضت وقد أثقل التعب عينيها.
فمنذ وصولها وهي تتصفح المخطوطات القديمة بلا توقف.
‘آه… يجب أن أستريح قليلًا.’
استندت إلى الجدار خلف رفوف الكتب العتيقة وأغمضت عينيها.
تسلل نسيم خفيف من النافذة المفتوحة، ناشرًا عبير الورق القديم.
لأن المكان قليل الزوار، كان هادئًا للغاية.
لا تدري كم مرّ من الوقت، لكن رائحة مسكٍ منعشة لامست أنفها، ففتحت عينيها ببطء.
“آه؟ سعادة الدوق…؟”
كانت يد الرجل تحوم في الهواء بارتباك واضح.
حين اتسعت عيناها وهي تحدّق به، أنزل كاليد يده على عجل.
“لم يكن لدي قصد آخر. فقط خشيت أن يؤذي الضوء عينيكِ…”
كان شعاع الشمس قد تسلل عبر النافذة وأصاب وجهها، فهزّت كتفيها بخفة.
“لا أسيء الفهم. لقد كنتَ تراعي مشاعري فحسب.”
عندها فقط ارتسمت راحة خفيفة على وجهه.
ثم وقع بصره على الكتاب في يدها.
“يبدو أنكِ مهتمة بالمخطوطات القديمة.”
“ليس تمامًا… لديّ ما أبحث عنه.”
أجابت بهدوء، ثم رمشت بعينيها الخضراوين الصافيتين.
“وأنتَ استعرتَ كتابًا عن الحيوانات مجددًا؟”
كان في يده مخطوط قديم بعنوان
《لا يوجد كلب سيئ في هذا العالم》
بقلم مدرّب شهير.
ولأنه نُشر منذ زمن بعيد ولم يعد متوافرًا في الأسواق، بدا أنه قصد المكتبة خصيصًا لأجله.
أومأ كاليد، وأجاب بصوت دافئ:
“لم أستطع اللعب معه مؤخرًا، فصار سريع التذمّر.”
“يبدو أن الجرو يُحبكَ كثيرًا.”
“لا يزال صغيرًا، لا يعرف الكثير. ربما يحب فقط دفء يد البشر.”
كان واضحًا أن انشغاله عن رعاية كلبه يقلقه.
ابتسمت إيفلين قائلة:
“مع ذلك، أظنكَ مالكًا رائعًا. تقرأ الكتب من أجله أيضًا.”
بدت كلماتها كأنها عزاء، إذ انحنت زاوية عينيه بلطف.
“يبدو أن قدومي إلى هنا اليوم كان قرارًا صائبًا بالفعل.”
التعليقات لهذا الفصل " 41"