الفصل 39 : سأكتفي بهذا الآن
نهض أكسيون من مقعده وبدأ يتحرّك ببطء.
لمَ يتصرّف هكذا؟
كادت إيفلين تصرخ من اقترابه المفاجئ.
كبحت صرختها بصعوبة، لكن قلبها كان يخفق بسرعة.
نظر إليها أكسيون وهو يستند إلى ذقنه:
“هل أنتِ متوترة؟”
“ماذا…؟”
أمسك خصلة من شعرها الوردي وبرقت عيناه بنظرة غامضة.
كان هناك بريق خطير في عينيه الحمراوين.
‘هل فقد عقله بالفعل؟’
لم تكن مستعدّة بعد…!
ضغطت إيفلين على أفكارها، أغمضت عينيها، وفتحت ذراعيها.
كما يقال، إنهي ما تخافه بسرعة حتى لا تشعر به! إذا كان لا بدّ من التّلامس، فليكن سريعًا.
لكن عندما لم يبدِ خطيبها أيّ ردّ، فتحت عينًا واحدة بحذر.
نظر إليها أكسيون بملامح متجهّمة قليلاً:
“ماذا تفعلين؟”
دارت عيناها محاولة فهم نيّته:
“التّلامس… أليس ضروريًا؟”
مع اقتراب فترة تفجّر قوّته السّحريّة، كان الختم ضروريًا.
سخر أكسيون بابتسامة خفيفة، ثمّ جذب يدها بلطف:
“…!”
وجدت إيفلين نفسها في أحضانه، ترمش ببطء.
لم تتح لها فرصة التّفاجؤ بالمسافة القريبة، إذ تقاطعت نظراتهما.
تألّقت عيناه الحمراوان ببريق خطير أكثر.
طقطقة السّاعة كانت الصّوت الوحيد في المكتب الهادئ.
هل لأنّ المسافة ضاقت؟ بدا أنّ الوقت توقّف حولهما.
ركّزت إيفلين على أنفاسه غير المنتظمة التي هدأت تدريجيًا.
كسر أكسيون الصّمت:
“ليس لديّ نية لفعل شيء معكِ الآن.”
ارتجفت عيناها الخضراوان من جدّيّته:
‘إذن، هل تنوي لفعل شيء أخر لاحقًا؟’
كادت هذا السّؤال يخرج، لكنّها كبحته.
كان يمكن أن يصبح الأمر خارج السّيطرة.
ارتعدت رموشها، وأنزلت عينيها لتتجنّب نظرته.
شعرت بجفاف فمها وحاولت الابتعاد عنه.
لكن أكسيون أمسك يدها وشبّك أصابعه بأصابعها ببطء.
عندما التقت أيديهما، ظهر الختم على ظهر يديهما، كأنّه يتوق للآخر.
شعرت بدفء يغمرها مع لمسة بشرتهما، مما جلب راحة لا تُقاوم.
‘لم ألاحظ هذا عندما أُبرم الختم…’
اختفى ألم ظهور الختم منذ زمن.
شعرت برعشة عميقة من إحساس غريب لم تشعر به من قبل.
عندما اقترب استخدام القوّة من النّهاية، فتحت إيفلين عينيها في حالة شبه حلم.
كانت يدها لا تزال على صدره القوي.
كانت عضلاته المتناسقة كتمثال…
‘ماذا أفكّر الآن؟’
نظرت إلى يدها بذعر وسحبتها بسرعة، مبتعدة عن أحضانه.
أفلتها أكسيون بتردّد، وابتسم كأنّه يشعر بالأسف:
ثمّ أسند رأسه على كتفها النّحيل.
تسرّبت أنفاسه الدّافئة، مدغدغًا رقبتها.
نظرت إيفلين إليه بذهول، كأنّها نسيت كيف تتنفّس.
بلّل شفتيه وتكلّم بصوت منخفض وعميق:
“حسنًا، سأكتفي بهذا الآن.”
* * *
“ـلين، إيفلين.”
“نعم، نعم…!”
أمسكت إيفلين بأفكارها عند سماع صوت أمّها النّاعم.
“لمَ تتوقّفين عن الأكل وتفكّرين هكذا؟”
قلقت الماركيزة من توقّف ابنتها عن الأكل.
احمرّ وجها إيفلين وهي تتذكّر ما حدث مع خطيبها.
حاولت تهدئة تعابيرها لتجنّب القلق وقالت:
“لا شيء، أنا متعبة قليلاً.”
قطع أخاها بياتون شريحة لحم وقال ببرود:
“همم، بدا أنّكِ منغمسة تمامًا.”
ألقت إيفلين نظرة خاطفة على أخيها لتعليقه الدّقيق.
لكن بياتون، غير مبالٍ، هزّ كتفيه وكأنّه يقول ‘ماذا؟’.
نظر الماركيز إلى ابنته بعينينه الخضراوين المليئتين بالقلق:
“هل أنتِ مريضة؟”
ربّما بسبب بقائها في السّرير مؤخرًا، هزّت إيفلين رأسها:
“لا، أنا حقًا بخير.”
أجابت بنبرة مشرقة، فظهر الارتياح على وجهي والديها.
“بالمناسبة، إيفلين، هل لديكِ وقت بعد يومين؟”
أمالت إيفلين رأسها بحيرة:
“نعم، لديّ وقت. ما الأمر؟”
ابتسمت الماركيزة بلطف:
“لا شيء كبير، لكنّ صديقة نبيلة تنظّم تجمّعًا خيريًا.”
أدركت إيفلين فورًا:
“تجمّع لورنهايم الخيري، أليس كذلك؟”
“نعم، يبدو أنّكِ تعرفين.”
كيف لا تعرف؟ كان التّجمّع لدعم نشاطات داليا الاجتماعيّة.
‘أمّ فيليكس شخصيّة طيّبة.’
على عكس الكونت لورنهايم الذي تبنّى داليا لمصالحه، كانت زوجته تعاملها كابنة حقيقيّة.
كانت ترغب بابنة منذ زمن، وأيّدت تبنّي داليا بحماس.
في الرّواية، كانت الكونتة قلقة من مغامرات داليا في محاربة الوحوش.
خشيت ألّا تتأقلم داليا مع النّبلاء المركزيّين.
كان التّجمّع الخيري مخصّصًا لها.
‘في هذا الجزء…’
بفضل لطفها، ستكتسب داليا قبول النّبلاء وتندمج في المجتمع.
بينما كانت إيفلين غارقة في التّفكير، سمعت صوت أمّها النّاعم:
“إذا كنتِ موافقة، هل تحضرين التّجمّع؟”
“أنا… أيضًا؟”
“نعم، سيقام في قصر العاصمة، فسيكون لطيفًا لو ذهبنا معًا.”
تذكّرت إيفلين رؤية داليا في الزّقاق.
‘لا يزال يقلقني.’
كان شكّها تجاه بطلة الرّواية يتزايد.
في النّهاية، فشل جيديون في تعقّب داليا.
“أعتذر، سيّدتي، هاجمني مجهول فجأة.”
“لا بأس! الحمد لله أنّكَ بخير.”
حاول جيديون تعقّبها مرّات أخرى، لكن داليا اختفت.
‘لا يمكنني الاستمرار في الشّكّ ببطلة طيّبة.’
ربّما لن يكون سيّئًا مواجهتها مباشرة؟
عزّزت إيفلين عزيمتها وأجابت بعيون خضراء مشرقة:
“حسنًا، سأحضر معكِ، أمّي.”
* * *
في أواخر بعد ظهر مشمس، بدأت الأغصان العارية تنبت براعم جديدة.
اتّكأت إيفلين، التي حضرت التّجمّع الخيري مع أمّها، على جذع شجرة.
لم تكن الأوراق كافية للحماية من الشّمس.
‘همم، البقاء هنا ممل.’
لم تكن لها علاقات وثيقة مع الحاضرين.
ربّما كان حضورها خطأ…
شعرت بالنّدم للحظة، لكنّها هزّت رأسها.
كانت فرصة لحلّ شكوكها حول البطلة.
بينما كانت غارقة في التّفكير، سمعت صوتًا مألوفًا:
“ماذا تفعلين هنا، إيفلين؟”
التعليقات لهذا الفصل " 39"