الفصل 37 : يجب أن أردّ على ثقتكِ
لم تستطع إيفلين إعطاء إجابة واضحة.
منذ أن التقت بعائلتها الحالية، أصبحت عبارة “أنا بخير” عادة لها.
ربّما لأنّها لا تريد إحباطهم.
بلّلت شفتها السّفلى، ثمّ تكلّمت ببطء:
“بفضل القلادة التي أعطيتني إيّاها، استطعتُ المواجهة.”
لم تواجه إيفلين الشّاب المخمور بتهوّر.
كانت تعتقد أنّ خطيبها سيأتي للبحث عنها قريبًا إذا أطالت الموقف.
رفع أكسيون رأسه ونظر إليها:
“يبدو أنّكِ وثقتِ بي.”
“…شيء من هذا القبيل.”
رغم إجابتها، ابتلعت إيفلين تنهيدة بسبب مشاعرها المعقّدة.
نظر إليها أكسيون للحظة، ثمّ تمتم:
“يجب أن أردّ على ثقتكِ.”
“ماذا؟”
“حان وقت الذّهاب.”
مرّت نبرة ضحك خفيفة عبر صوته الجافّ.
على عكس السابق، كانت ابتسامته مريحة وخالية من التّصنّع.
شعرت إيفلين بأنّ هذا الأمر يجب أن يبقى سرًّا بينها وبين نفسها.
* * *
“سيّدتي، لا تخبريني أنّكِ تنوين الخروج الآن؟”
نظرت لاري، حاملة باقة زهور، إلى سيّدتها بعينين ضيّقتين.
“إلى أين سأذهب؟”
أطلقت إيفلين تنهيدة خفيفة أمام تمسّك خادمتها بها لأيّام.
‘لم أعد مريضة، وأنا حقًا بخير الآن…’
بعد عودتها من الحفل، زارت طبيبها بناءً على نصيحة خطيبها.
على الرّغم من تشخيص الكدمة البسيطة، كاد والداها يستدعيان كاهنًا للعلاج.
بعد جهد لثنيهما، وجدت نفسها مضطرة إلى البقاء في السّرير.
“بالمناسبة، تحدّثت عن الدّوق الصّغير فالينتينو.”
فوجئت إيفلين بذكر خطيبها، فأمالت رأسها:
“ماذا عن أكسيون؟”
“أرسل زهورًا اليوم.”
أجابت لاري بنبرة مشرقة وناولتها باقة زهور الأقحوان.
احتضنت إيفلين الباقة بحيرة ونظرت إليها:
‘أقول إنّني بخير الآن.’
بعد الحادث غير المتوقّع في الحفل، كان أكسيون يرسل هدايا يوميًّا.
يبدو أنّه قلق على خطيبته.
كما أنّه أصبح أكثر انشغالًا مؤخرًا.
أثناء استجواب الشّاب المخمور، ظهرت ظروف غير متوقّعة.
تحت الضّغط، حاول الشّاب قول الحقيقة، لكنّه أغمي عليه مع رغوة بيضاء في فمه.
اكتشف لاحقًا وجود رموز غامضة حول رقبته.
أدركت عائلة فالينتينو الخطورة وطلبت تعاون إدارة التّحقيقات.
كان هناك شيء واحد يقلقها…
تلك الرّموز كانت آثارًا لسحر الشّعوذة.
‘من الذي يستخدم الشّعوذة؟’
الشّعوذة، المستمدّة من اللّعنات، كانت محظورة في إمبراطوريّة فالتيان مثل السّحر الأسود.
لم تُشر الرّواية إلى تفاصيل عن السّحرة، فقرّرت إيفلين البحث أكثر.
‘أتمنّى ألّا يكون أمرًا خطيرًا.’
بينما كانت تبلع تنهيدة، ضحكت لاري بهدوء وهي تنظر إلى الباقة:
“أرسل الأقحوان كالعادة.”
“ماذا؟ ماذا تعنين؟”
“ألم تعلمي؟”
رمشت لاري بسرعة وأضافت:
“في كلّ عام، عندما تتفتّح الأقحوان، يرسلها حول عيد ميلادكِ.”
كانت الأقحوان زهرة ميلاد إيفلين، التي تتفتّح في أوائل الرّبيع.
على الرّغم من أنّ الوقت لا يزال أواخر الشّتاء، إلّا أنّ الرّبيع سيأتي قريبًا.
كانت تتلقّى الأقحوان في أواخر الشّتاء، لكن…
اعتقدت أنّه يرسلها فقط لإرضاء النّاس.
لم تظنّ إيفلين أنّ خطيبها يهتمّ بها لهذه الدّرجة.
مجرد التّفكير بذلك جعل القشعريرة تسري في جسدها.
‘آه، كنتُ أتخيّل فقط.’
عبست إيفلين وهزّت رأسها بحزم:
“لا، ليس دقيقًا لهذه الدّرجة.”
بما أنّ الأقحوان زهرتها المفضّلة، ربّما اختارها أكسيون دون قصد.
عبست لاري بإحباط من ردّ سيّدتها:
“أعتقد أنّ الأمر كذلك…”
لم تأخذ إيفلين كلام الخادمة على محمل الجدّ، وناولتها الباقة:
“هل يمكنكِ وضع الأقحوان في مزهريّة لتبقى طازجة؟”
“نعم، سيّدتي! انتظري لحظة.”
أجابت لاري بحماس وغادرت الغرفة، فتنهّدت إيفلين:
“أنا حقًا لا أطيق هذا.”
ثمّ وقعت عيناها على بتلة أقحوان على الغطاء.
“يبدو أنّكِ وثقتِ بي.”
“…شيء من هذا القبيل.”
تذكّرت حوارها مع أكسيون، فظهر الارتباك في عينيها الخضراوين.
“لمَ وضع مثل هذا التّعبير؟”
حتّى عندما حاولت تجاهله، كانت تتذكّر ابتسامته أحيانًا.
همم، وجهه الوسيم يسبّب المشاكل!
احمرّ وجه إيفلين وهي تلامس بتلة الأقحوان، فركلت الغطاء بحرج.
* * *
بعد حصولها على مورديان من فابيان، انغمست إيفلين في التّجارب.
رشّت السّماد على ديركوورس المزروعة بعناية وراقبتها لأيّام.
‘أتمنّى أنْ تتفتّح هذه المرّة.’
فتحت باب الحديقة النّباتيّة وقلبها يخفق.
مرّت بأوراق خضراء مألوفة وتوقّفت عند الحديقة الصّغيرة التي تعهّدتها.
أغمضت عينيها وبدأت تُعدّ:
ثلاثة، اثنان، واحد، نصف واحد، نصف النّصف…
بعد عدّ طويل، تنفّست بعمق وفتحت عينيها.
ظهرت برعمة لزهرة خضراء كأنّها تخطو أوّل خطوة في العالم.
“نجحت! لقد ظهر برعم زهرة!”
غطّت وجهها بيديها وهي تكاد تبكي من التّأثّر.
بعد حلّ مشكلة طال أمدها، شعرت براحة كبيرة.
“لا أصدّق أنّني فعلتُها…!”
تذكّرت والديها البيولوجيّين وعائلتها الحاليّة المحبوبة.
شعرت إيفلين براحة لاقترابها من الحقيقة.
مسحت دموعها بكمّها واتّخذت تعبيرًا مصمّمًا:
“حسنًا، يجب أن أزور متجر الأعشاب!”
حماسها تصاعد لدراسة براعم ديركوورس، فجمعت حقيبتها بسرعة.
* * *
في زقاق منعزل بعيد عن ساحة العاصمة.
شعرت إيفلين بالبرودة من الجوّ القاتم غير المألوف.
“سيّدتي، يمكنكِ إرسال أحد الخدم لهذه الأمور.”
تمتم جيديون بعدم رضا، غير راغب في تجوال سيّدته في هذه الشّوارع.
ابتسمت إيفلين بحرج:
“إذا وجدتُ ما أريد اليوم، لن أعود لفترة.”
“همم، سمعتُ هذا منذ أسبوعين.”
“لكن هذه المرّة حقيقيّة! أعدكَ، سّير جيديون.”
بما أنّ أبحاث ديركوورس تسير جيّدًا، لن تحتاج لزيارة المكان مؤقتًا.
نظر جيديون إلى عينيها الخضراوين الصّادقتين وهزّ كتفيه:
“حسنًا، هل هذا وعد؟”
ابتسمت إيفلين بلطف لتفهّمه:
“أوه، هل تثق بي؟ هذا مؤثّر…”
توقّفت فجأة عن الكلام.
آه، فهمتُ الآن.
في ‘مهرجان يتفتّح في منتصف اللّيل’، لمَ نظر إليّ أكسيون بهذا التّعبير.
‘شعور التّأثّر بالوفاء، أهو شيء كهذا؟’
شعرت أنّ الإحباط الذي كان يضغط على صدرها قد زال.
“سيّدتي، لمَ توقّفتِ عن الكلام؟”
“لا شيء!”
كعادتها، استمعت إلى تأنيب حارسها المستمر بأذن وأخرجته من الأخرى.
ومع ذلك، كانت أذناها تؤلمانها، فتظاهرت بالنّظر حولها.
‘هل هذا الطّريق يختلف عن طريق العالم السّفلي؟’
توقّفت فجأة عندما رأت ممرًا يخالف وجهتها.
تصلّبت تعابيرها وكأنّها رأت شيئًا لا يُصدّق.
حتّى بعد أن شكّت في عينيها مرات عديدة، لم يتغيّر المشهد.
لمَ…؟
التعليقات لهذا الفصل " 37"