الفصل 36 : لمَ تقولين دائمًا إنّكِ بخير؟
“يُقال إنّ هناك سيّدة ساحرة هنا، ويبدو أنّها الحقيقة.”
آه، رائحة الكحول.
عبست إيفلين تلقائيًّا مع ظهور شاب مخمور.
“ألا تسمعيني؟”
“يبدو أنّكَ ثمل جدًا، أيّها الشّاب.”
هكذا يتكلّم من يهذي.
ابتلعت كلامها الآخر وأصدرت صوت استياء داخليًّا.
لكن الشّاب، كأنّه يعارضها، قفز ورفع صوته:
“مستحيل! لستُ ثملًا. انظري الآن، لقد أرشدتني أسطورة القمر إلى هنا…”
ثمل، بالتّأكيد ثمل.
تسرّبت تنهيدة خفيفة من شفتي إيفلين.
شعرت أنّ حظّها الجيّد اليوم لن يدوم، كأنّ السّماء لا تريد ذلك.
قرّرت عدم مشاهدة المزيد من تصرّفاته المخزية وغادرت المكان.
لكن، بينما كانت تخرج من الشّرفة، أمسك الشّاب بمعصمها النّحيل بقوّة.
شعرت بألم نابض في معصمها، فعبست إيفلين:
“ما هذا التصرّف؟”
تراجع الشّاب للحظة عند سماع نبرتها الحادّة، لكنّه زاد من قبضته فجأة.
كأنّه يمنعها من مغادرة الشّرفة.
“ألم أقل إنّ أسطورة القمر كافأتني؟”
منذ متى تأسّست أسطورة كهذه؟
أو ربّما رأى الشّاب هلوسات بسبب سكره.
ضحكت إيفلين ساخرة وقالت:
“يبدو أنّ أسطورتك لم تعلّمكَ الأخلاق.”
أثار كلامها غضبه، فعبس بوجه خشن:
“ماذا تعنين؟”
“هل جاء في تعاليمكَ إساءة معاملة من يرفضكَ؟”
ردّت إيفلين بنبرة أكثر صرامة، فارتجفت عيناه بعنف.
“لكن، قيل إنّ امرأة ذات شعر وردي هي قدري…”
كأنّه تفوّه بما لا يجب، غطّى فمه بسرعة.
شكّت إيفلين في أذنيها وسألت بحيرة:
“ماذا قلتَ للتو؟”
“….”
أفلت الشّاب معصمها فجأة وحاول الفرار من الشّرفة.
لكنّه اصطدم بشخص ما وسقط على الأرض.
امتلأ وجهه بالرّعب، كأنّه سيُعدم.
كان هناك رجل ينبعث منه هالة باردة وعينان حادّتان أمام الشّرفة.
“ما هذا الموقف؟”
خرج صوت بارد من الرّجل ذي الوجه المتجهّم.
كان صاحب قوّة سحريّة مهيبة، لا يملكها سوى عائلة واحدة باستثناء رئيس برج السّحر.
ارتعد الشّاب من حضوره ولم يستطع الكلام.
“هل هو… الدّوق الصّغير فالينتينو؟”
نظر الشّاب برعب بين الرّجل أمامه والمرأة خلفه.
“إذن، هذه… إيفلين إيناباسيل؟”
تقدّم أكسيون فالينتينو بخطوة ثقيلة.
فزع الشّاب وسحب نفسه للخلف وهو جالس.
“لم أعلم! لو عرفتُ أنّها خطيبتكَ—”
“إيفلين، أغمضي عينيكِ.”
بدا أنّ أكسيون أدرك الموقف، وتوهّجت عيناه الحمراوان كالدّم.
أمام مظهر خطيبها المرعب، صرخت إيفلين:
“لا، أكسيون!”
“…؟”
نظر إليها الرّجل، فتابعت بهدوء:
“أحتاج إلى تأكيد شيء منه.”
حدّق أكسيون فيها لثوانٍ، ثمّ أومأ برأسه قليلًا.
ثمّ وجّه نظرة باردة إلى الشّاب:
“يبدو أنّه يحتاج إلى تذكير بمن أساء إليه.”
“آه!”
تكوّر الشّاب واتّكأ على درابزين الشّرفة.
ربّما اعتقد أنّ القفز من الطّابق المنخفض لن يؤذيه كثيرًا.
ضحك أكسيون بسخرية على تصرّفه المثير للشّفقة.
يا له من تعبير مخيف…
شعرت إيفلين بالبرودة من التّوتّر الغريب.
وجّه الرّجل نظرة عدائيّة، ثمّ همس بتعويذة.
فجأة، لفّت سلاسل ذهبيّة سحريّة جسد الشّاب.
“آه، يا إلهي!”
تفاجأت إيفلين بصراخ الشّاب المفاجئ.
‘لمَ يتصرّف هكذا فجأة؟’
كأنّه قرأ أفكارها، قال أكسيون بنبرة جافّة:
“إنّها تعويذة هلوسة. سيشعر بحريق يلتهم جسده.”
“هل يمكن تركه هكذا؟”
سألت إيفلين بقلق.
لو علمت إدارة التّحقيقات، ستصبح الأمور معقّدة.
ماذا لو اتّهموه بالقمع المفرط؟
ابتسم أكسيون بسخرية وقال بنبرة غير مبالية:
“حسنًا، هذا تسامح كبير منّي.”
ثمّ وقعت عيناه على معصم إيفلين الأبيضَ.
كانت هناك علامة حمراء من قبضة الشّاب العنيفة.
عبس أكسيون بشدّة عند رؤية الجرح:
“ربّما يجب أنْ أقتله—”
“لا تقل مثل هذا!”
على الأقل، اقتل بعيدًا عنّي!
أغلقت إيفلين فم خطيبها بذعر.
أزال يدها، وعيناه الحمراوان تلمعان ببريق غريب:
“هل قلقتِ عليّ؟”
“هذا… أنا…”
لم ترغب سوى في تجنّب مشاهدة جريمة، لكنّها لم تستطع النّفي.
في تلك اللحظة، بدا أنّ الهالة المخيفة حولهما اختفت.
بينما كانت تعض شفتيها في جوّ غامض، سمعت سعالًا مفاجئًا.
أدارت إيفلين رأسها المتيبّس ببطء.
خلف ستارة الشّرفة، كان فرسان الحرس ينظرون إليهم بحرج.
ابتلعت إيفلين تنهيدة ارتياح لرؤيتهم في الوقت المناسب.
لم تكن تعرف ماذا تقول لخطيبها.
“تلقّينا بلاغًا.”
يبدو أنّ النّبلاء القريبين سمعوا صراخ الشّاب وأبلغوا الحرس.
نظر أكسيون إلى الفرسان وقال بهدوء:
“سآخذ هذا الشّاب بعد إذن إدارة التّحقيقات.”
“ماذا…؟”
ميل أكسيون رأسه وهو ينظر إلى الفارس المتسائل:
“هل يجب أنْ أكرّر؟”
“لا، لا، سيدي!”
شعر الفرسان بالجوّ الثّقيل، فانحنوا بأدب.
ثمّ نفّذوا أوامره وسحبوا الشّاب المقيّد بالسلاسل السّحريّة خارج الشّرفة.
بقيت إيفلين مع خطيبها، وسألت عمّا كان يشغلها:
“أكسيون، هل تمّ حلّ قضيّة العصابة الجديدة؟”
ضيّق الرّجل عينيه ولفّ منديله حول معصمها المتورّم:
“هذا ليس المشكلة الآن.”
“لكنّه أمر مهم! ما الذي حدث؟”
ألحّت إيفلين، فأطلق تنهيدة طويلة:
“حُلّت. بفضلكِ.”
“هذا جيّد!”
نظرت إليه بابتسامة مشرقة، فقال بنبرة منخفضة:
“عندما نعود، تلقّي العلاج أوّلًا.”
“…حسنًا.”
لِسببٍ ما، شعرت إيفلين بحرج من نظرته، فأومأت ببطء.
لا يعني إمتلاك قدرة شفاء، أن تقدر على شفاء نفسها بل تحتاج إلى علاج خارجي.
مرّ بعض الوقت، وساد صمت ثقيل بينهما.
حاولت إيفلين قول شيء، لكنّ الكلمات لم تخرج.
فجأة، أسند أكسيون رأسه على كتفها النّحيل بعينين كالهاوية:
‘يبدو أنّه قلق عليّ.’
خلف طباعه الباردة والقاسية، بدا أنّه يحمل مسؤوليّة صغيرة تجاه خطيبته.
شعرت إيفلين بالذّنب لتسبّبها بقلقه، فقالت بحيويّة:
“أكسيون، أنا بخير. لقد أنقذتني الآن.”
لكن، لِسببٍ ما، لم يعجبه كلامها.
خرج منه صوت بارد جدًا:
“لمَ تقولين دائمًا إنّكِ بخير؟”
“لأنّ…”
التعليقات لهذا الفصل " 36"