في تلك اللحظة، التقت نظرات كاليكس وأودليا مرة أخرى. بدت نظرة كاليكس وكأنها تهمس بصمت:
“ممتاز… أحسنتِ.”
كان الخصم الثاني فارسًا طويلًا يحمل رمحًا. اندفع بسرعة عالية، مثيرًا الرمال خلفه.
رمحه الطويل، الذي يعكس ضوء الشمس ويتلألأ، اندفع بسرعة نحوها، لكن أودليا لم تتراجع.
بل خفّضت جسدها، وانزلقت بحركة سلسة عكس مسار الرمح. كان التوقيت مثاليًا. لامس معصمها رأس الرمح، ثم وبظهر سيفها، ضربت وتر معصم خصمها بدقة.
“آه!”
صرخ الفارس وأسقط الرمح. تدحرج على الرمال بصوت معدني.
وفي اللحظة نفسها، توقّف سيف أودليا عند مؤخرة عنقه.
وبما أن التفوق أصبح واضحًا، رفع الفارس يديه معلنًا الاستسلام.
انطلقت همسات مكبوتة من الجمهور. ارتجفت المراوح في أيدي النبلاء، وكأن التوتر قد انكسر.
تحركت شفتا الإمبراطور ليام قليلًا مع استمرار انتصارات أودليا. أخذ يطرق مسند ذراعه، وكأنه بدأ يفقد اهتمامه. ثم ألقى نظرة على قائد الحرس الإمبراطوري القريب.
ظهر عرق بارد على جبين القائد. تنحنح بخجل، واحمرّ وجهه قليلًا، ثم عاد إلى تعبيره الجامد واستدار.
خلال الاستراحة القصيرة، استغلت أودليا الفرصة لتلتقط أنفاسًا خفيفة وتتراجع إلى جانب الساحة.
لكن قائد الحرس كان يقف قرب الفارس الأخير، يهمس له بشيء، ووجهاهما متصلبان.
في تلك اللحظة، ظهرت أمامها ظلٌّ ناعم.
“اشربي، لن يدوم طويلًا، لكنه سيريح حلقك.”
مدّ كاليكس لها قارورة ماء صغيرة.
وبينما أخذت أودليا الماء، نظر كاليكس خلفها.
“أودليا، يبدو أن قائد الحرس أعطى أوامر… فلا تترخي حتى النهاية.”
“نعم.”
نظرت في عينيه مباشرة وأومأت ببطء.
كان آخر من دخل الساحة… قائد الحرس نفسه.
مع كل خطوة، كان صوت ثقيل يهز أرض الساحة. أمسك سيفًا ثقيلًا بكلتا يديه، وبدت أوتار كتفيه وذراعيه واضحة.
وبصرخة حادة، أنزل سيفه من فوق رأسه كالمطرقة.
لم تواجهه أودليا مباشرة. دفعت بجسدها جانبًا، ملتوية وكأنها تدفن الهجوم في الرمال.
بوك!
تطاير الرمل، وحجب الرؤية.
استمرت الهجمات. كانت أودليا تدافع، تعدّل زواياها بدقة. مرّ نصل السيف قريبًا جدًا من جلدها، حتى كاد يقطعه، مما أرسل قشعريرة في عمودها الفقري.
وفي اللحظة التي فقد فيها خصمها توازنه للحظة—
لفّت أودليا قدمها فورًا وغيرت اتجاهها.
اختل توازن القائد، وانكشف خصره—
وفي لحظة، ضربت غمد سيفها صدره مباشرة!
“غاه…!”
انكمش القائد من الضربة، وانحبس نفسه.
دفعت أودليا طرف سيفها بقوة نحو فكه، وكأنها ستقطعه، ثم أوقفته عند جانب عنقه.
ارتفعت يد الحكم عاليًا—
وأُعلن النصر الثالث.
وفي تلك اللحظة، أعادت أودليا سيفها إلى غمده ببطء واستدارت للمغادرة.
لكن عيني قائد الحرس لمعتا ببرود.
عند قدميه كان الرمح الذي استخدمه الفارس الثاني سابقًا.
أمسكه دون تردد.
لم يلاحظ أحد—
لا الحكام، ولا المسؤولون، ولا حتى أودليا.
وووش!
شقّ صوت حاد الهواء.
تحركت أودليا بغريزة، لكنها كانت قريبة جدًا… لم تستطع الهروب.
حبست الألم في حلقها، وحرّكت جسدها لتجنب النقاط القاتلة فقط.
“أودليا!”
جاء صوت كاليكس وكأنه من أعماق الهاوية.
“…!”
في لحظة—
اندفع كاليكس بينها وبين الرمح، ولفّ ذراعيه بقوة حول خصرها.
كانت قبضته قوية لدرجة الاختناق… لكنها أيضًا مليئة بحنان عنيف، وكأنها قد تنكسر.
توقف العالم للحظة.
بيده الأخرى—
أمسك الرمح بيده العارية.
لم يظهر عليه أي ألم، وبدون تردد، استدار بعنف.
كراااش!
انطلق الرمح بقوة هائلة، غيّر اتجاهه تمامًا، ثم انغرس في الجدار الحجري السميك كالصاعقة.
تطاير غبار الحجارة فوق رؤوس النبلاء.
انفجرت الفوضى في المدرجات، وصرخ الجميع وتراجعوا.
كانت أودليا لا تزال بين ذراعي كاليكس.
تنفسها متسارع.
شعرت بحرارته… ونبض قلبه بوضوح.
كان قلبه يخفق بعنف… كأنه يواجه خوفًا عظيمًا.
“سموك… كاليكس…”
قالتها بصوت مرتجف.
خفض رأسه ببطء شديد.
“قلت لكِ ألا تتراخي.”
كانت كلماته قصيرة، لكنها حملت تحذيرًا… وعتابًا… وقلقًا عميقًا.
تسارع قلب أودليا.
“الحرس الإمبراطوري…”
دوّى صوت الإمبراطور ليام من الأعلى.
لكن هذه المرة، لم يكن صوته هادئًا… بل باردًا ومكسورًا.
“لم أتوقع أن تكونوا بهذا الضعف… وبهذا الانحطاط.”
كانت إهانة مباشرة للحرس.
حبس النبلاء أنفاسهم.
نظر الإمبراطور ببرود نحو القائد، الذي شحب وجهه.
لكن ليام أجبر نفسه على الابتسام ولوّح بيده نحو أودليا:
“لقد أدهشتِني وأسعدتِني اليوم بطرق عديدة.”
لم يكن في عينيه أي صدق.
“وهذا يكفي لتعويض العصا المكسورة.”
ثم سخر، ونهض بعنف، وعباءته الحمراء ترفرف.
تبع القائد الإمبراطور بوجه شاحب.
وبقي الوزراء والنبلاء يتمتمون بارتباك:
“كيف انغرس ذلك في الجدار…؟”
“هل هذا ممكن لبشر؟”
كانت أنظارهم لا تزال مثبتة على الرمح المغروس في الحجر.
الجميع يعلم… حتى أقوى الفرسان لا يستطيعون فعل ذلك.
نظرت أودليا إلى يد كاليكس.
كانت تنزف.
الجرح من الإمساك بالرمح ما زال مفتوحًا.
انقبض قلبها.
أمسكت يده فورًا.
“سأعالج يدك…”
غطّت يدها كفه.
وعندما وصلت حرارة جسدها إليه، نظر إليها بصمت.
لم يقل شيئًا… فقط تركها تمسك يده.
بعد انتهاء المبارزة، فُتحت الأبواب الثقيلة ببطء، وخرج الوزراء جماعات.
“…ألا يبدو أسلوبها تمامًا مثل ذلك الكونت في أوج قوته؟”
ساد صمت غريب.
تصلبت بعض الوجوه.
ثم التفت دوق ديفون فجأة:
“هل تقصد روبِس؟ كيف تجرؤ على ذكر عائلة خائنة؟!”
“لا… ليس هذا… فقط أسلوبها مشابه… ذكرتني بمارغريف يُلقب بملك ساحة المعركة… لا أقصد شيئًا آخر.”
“نعم… انظروا إلى تلك المرأة، أودليا. لو كانت رجلًا، لصدّقت أنها وريثه. تلك الحركات… ذلك الزخم.”
“أفهمك… لكن انتبه لكلامك… ذكر عائلة سيئة الحظ قد يسبب لك مشاكل.”
كان صوتهم مليئًا بالسخرية والاحتقار.
التزم الآخرون الصمت، وراقبوا الوضع، ثم انسحبوا بهدوء.
التعليقات لهذا الفصل " 29"