1
الفصل 001
عشر سنوات.
فترة كافية لتمرّ عشرات الفصول واحدةً تلو الأخرى.
ومدّةٌ كافية لنسيان وجه شخصٍ ما، أو حتى اسمه.
فلماذا تقف هنا أمامي؟
لماذا تناديني باسمي؟
بجسدٍ لا يشبه البتّة ذلك الذي أذكره. ومع ذلك، فوجهك هو نفسه تمامًا.
***
السنة الإمبراطورية 1215. الأول من مارس.
كان ذلك قبل عشر سنوات، حين التقيتُ كاسيان بلانشيت للمرة الأولى.
كانت ألفونس بلدةً صغيرة بعيدة عن العاصمة. ولم يكن يسكنها سوى حفنةٍ من الناس. إن أردتَ تلطيف الوصف، فهي هادئة. وإن أردتَ قوله بصراحة، فهي مملّة.
مثل السماء التي لا تتغير، كانت أيام تلك البلدة تمر بنفس الهدوء المنتظم، كل يوم يتبع الآخر، متوقعًا بلا مفاجآت.
ومع ذلك، كانت مكانًا معروفًا بجمال مناظره وكثرة ما فيه من مشاهد، حتى وإن لم يكن لدى أهلها الوقت أو الطاقة للاستمتاع بها.
كان معظم سكان البلدة منشغلين بالعمل. يقضون أيامهم تحت الشمس الحارقة، يحرثون الأراضي ويزرعون الحقول تنفيذًا لأوامر السيّد. كانت جلودهم تسمرّ وتحترق، لكن تلك كانت حياتهم اليومية.
أما القلّة من المهاجرين الذين استقرّوا هناك فكان حالهم أفضل. بعضهم امتلك قوارب صيد، فكان يخرج إلى البحر ليراقب الأسماك ويصطادها. وكان كثيرون يعجبون بهم. وآخرون كانت لهم صلاتٌ وثيقة بالسيّد، فحصلوا على مكانٍ في سجلّ نقابة التجّار، وهو ما كان يُعدّ رمزًا للمكانة.
لكن حتى هؤلاء لم يكونوا مختلفين كثيرًا. ففي النهاية، كان الجميع يدفعون ضرائب باهظة للسيّد، ويعملون بلا توقّف لمجرّد أن يتمكّنوا من اجتياز كل يوم.
وكنتُ أنا أيضًا واحدًا من أولئك الناس.
الفرق الوحيد أنّ أمّي كانت مضطرّة للعمل ضعف ما يعملون، لأنها كانت تربّيني وحدها.
جاءت إلى هذه القرية معي حين كنتُ طفلةً صغيرة، على أمل أن تبدأ من جديد.
تواجد مهاجرون آخرون هنا، لكن أمّي كانت لافتة للنظر. كانت تبدو نبيلة.
كان لون بشرتها الشاحب مختلفًا عن أيّ شخصٍ آخر في القرية. وكانت يداها ناعمتين، كأنهما لم تمسّا ماءً قذرًا أبدًا. وكان شعرها الأملس وملامحها الرقيقة يجعلونها أشبه بسيدةٍ نبيلة خرجت لتوّها من حكايةٍ خرافية…….
لم يكن بوسع الناس إلا أن يلاحظوها.
أحيانًا، كان بعض القرويين الأكثر فضولًا يسألون عن أبي. كانت وجنتاها تحمران قليلًا، وكانت تعطي دائمًا الجواب نفسه، كأنه سطرٌ محفوظٌ بإتقان.
[كان والد الطفلة فارسًا من عامة الناس. أحبّني كثيرًا. ذهب إلى الحرب ليحمي الإمبراطورية، ومات بشجاعة.]
كانت تكرّر تلك القصة مرارًا. وفي كل مرة، كان يحدث الشيء نفسه.
كان الرجال في منتصف العمر يرمقونها بنظراتٍ شهوانية ويسألون أسئلةً فظّة. ولاحقًا، كانت زوجاتهم يزرننا، ينقّبن في قصتها ويضغطْن عليها بالأسئلة عن أبي.
وفي كل مرة يحدث ذلك، كانت تعطي الجواب نفسه.
لكنني كنتُ أرى عينيها ترتجفان وتحمران في كل مرة.
كانوا ينظرون إليها وكأنهم ينتظرون تطورًا جديدًا في القصة القديمة نفسها. وكان فضولهم قاسيًا.
كنتُ أكره أولئك القرويين بسبب ذلك.
لأنهم كلما ذكروا أبي، حزنت أمّي.
كانت تحاول إخفاء الأمر عني، لكن في بيتنا الصغير، كان من المستحيل ألا ألاحظ.
وبعينيّ الصغيرتين، بدا لي أنها كانت تفتقده حقًّا.
فكنتُ أختبئ بهدوء قرب الباب، أنتظر أن يخفّ حزنها، كما كانت تريد مني. لم يكن ذلك سوى ما أستطيع فعله في ذلك الوقت.
ومع ذلك، استمرّ اهتمامهم غير المرغوب فيه لسنوات.
كانت أمّي، الرقيقة الأنيقة كـ’أميرةٍ غريبة’، تملك جمالًا يجذب النوع الخاطئ من الانتباه. وكنتُ أعرف ما الذي سيحدث كلما نظر إليها أولئك الرجال، وغالبًا ما كنتُ أتدخّل لأقف في طريقهم.
حتى وأنا طفلة، كنتُ أقول أشياء مثل، ‘نحن لا نحتاج إلى شخصٍ مثلك. اذهب بعيدًا’.
وسرعان ما لُقِّبتُ بطفلةٍ وقِحةٍ سيّئةِ الخُلُق.
لكن ذلك كان لا بأس به بالنسبة لي. بعد ذلك، بكت أمّي أقل. وبدأت تزداد قوّة.
ألقت بنفسها في حياة القرية، عازمةً على حمايتي.
كان بعض الناس، وقد تأثّروا بحالها، يجلبون لها أعمالًا.
ولأنها كانت مضطرّة لإعالتنا نحن الاثنتين، كانت تعمل من الفجر حتى وقتٍ متأخر من الليل.
لم تكن هناك أيّ استراحة، كانت تفعل كل شيء: أعمالًا متفرّقة لنقابة التجّار، والمساعدة في الزراعة، وحتى غسل الصحون في المطاعم.
أصبحت يداها الناعمتان خشنتين. واسمرّ لون بشرتها الشاحب.
صارت المرأة الأنيقة التي وصلت إلى القرية، ببطء، واحدةً من أهلها.
ومع ذلك، لم يَخْبُ بريقُ هيئتها النبيلة تمامًا. فحتى بعد كل ما مرّ بها، كانت، بين أهل القرية، لا تزال تبدو كسيدةٍ نبيلة قادمة من العاصمة.
كلما تقدّمتُ في السن، بدأتُ أفهم سبب ارتجاف صوتها كلما تحدّثت عن أبي.
كانت عيناها ترتجفان دائمًا حين تكذب.
ما يعني أن تلك القصة عن أبي لم تكن، على الأرجح، صحيحة.
ومع ذلك، لم أسألها عنها أبدًا.
فإذا كان شخصٌ ما قادرًا على أن يتركنا بهذه السهولة، فإن الجواب كان واضحًا. بالنسبة إليّ، كان شخصًا لم يوجد أبدًا.
تمامًا كما كان الحال منذ اليوم الذي وُلدتُ فيه.
لم أفتقد أبي حقًّا أبدًا.
كان يبدو سخيفًا أن أفتقد شخصًا لم أره حتى. وفضلًا عن ذلك، كنتُ أشكّ في أنه كان شخصًا صالحًا.
فلو كان كذلك فعلًا، لما تخلّى عن امرأةٍ طيّبة كأمّي، ولا سيّما وهي معها طفلة.
كانت أمّي كثيرًا ما تحاول إخفاء التجاعيد التي بدأت تظهر على يديها، وهي تدلّلني بأشياء صغيرة أو تقرأ لي الكتب.
لكن تربية طفلةٍ بمفردها، مع العمل كلّ يوم، كانت أمرًا بالغ الصعوبة عليها.
حين بلغتُ الثالثة عشرة، بدأت تمرض.
حتى القلّة من القرويين الذين أبدوا تعاطفهم معها من قبل، لم يعودوا قادرين على الاستمرار في مساعدتها عندما صارت مريضةً إلى حدّ لا يمكّنها من العمل كما ينبغي.
كان الدواء بالغ الغلاء، وكانت أمّي تحاول توفير المال بإخفاء مقدار الألم الذي تعانيه.
كانت تعمل بلا راحة حتى اللحظة التي انهارت فيها.
ولم تتوقّف عن العمل إلا بعد أن أصبحت ضعيفةً إلى حدّ لم يعد يمكّنها من النهوض من الفراش.
بعد ذلك، بدأتُ أتولّى أيّ عملٍ أستطيع العثور عليه.
كنتُ أنجز الأعمال الصغيرة التي كانت أمّي تقوم بها، وأحيانًا كنتُ أحصل على عملٍ من قرويين آخرين.
وحين بدأ الناس يقولون إنني قد أكون فظّة، لكنني مجتهدة، بدأتُ أتلقّى عروضًا أكثر.
في العاصمة، كان من غير المتصوَّر أن يعمل شخصٌ في مثل سني على هذا النحو. لكن في ألفونس، البعيدة عن العاصمة، لم يكن للعمر أيّ معنى. إن لم تكن تريد الجوع، فعليك أن تعمل. هكذا كانت الحياة.
صار روتيني اليومي غسل الصحون حتى تؤلمني يداي، وجمع الأعشاب، وإنهاء أعمال النسخ بما لديّ من مهارةٍ ضئيلة في الكتابة. وبعد كل ذلك، كنتُ أعود إلى البيت سيرًا تحت سماء الليل الدامس.
أحيانًا، حين أكون منهكة على نحوٍ خاص، يتّجه غضبي، بلا سببٍ واضح، نحو أبي الذي لم ألتقِ به أبدًا.
لكن حتى هذا النوع من المشاعر كان ترفًا لا أستطيع تحمّله إلا حين يتوافر لي وقتٌ للشعور به.
لم يكن لديّ حتى وقتٌ لأن أرفع نظري إلى السماء. وبالنسبة إليّ، لم تكن المشاعر سوى عبءٍ آخر يجعل البقاء أصعب.
ولم يكن ذلك اليوم مختلفًا.
كان في مطلع الربيع، حين كان البرد لا يزال قارسًا، لكن لمحةً من الدفء بدأت تعود. كنتُ مستعجلة، أركض بأقصى ما أستطيع من سرعة.
كنتُ قد حصلتُ على عملٍ بدوامٍ جزئي.
<كلونليف ألفونس، الرقم 13.>
كانت اللافتة تشير إلى مدخل قصرٍ شاسع. كان ذلك قصر السيّد المحلي، وكانت أراضيه تمتدّ إلى حدٍّ يوحي بلا نهاية.
كان هذا القصر عادةً مغلقًا في وجه الغرباء. وكانت تلك أوّل مرةٍ يُسمح لي فيها بالدخول.
كنتُ قد تولّيتُ شتّى أنواع الأعمال من قبل، لكن قصور النبلاء كانت مختلفة. حتى خدمهم كان لا بدّ أن يجتازوا تحرّياتٍ صارمة عن خلفياتهم. وشخصٌ مثلي لم يكن ليحظى بأيّ فرصة.
كانت أمّي قد حذّرتني مرارًا وتكرارًا من أن أدع أحدًا يكتشف أمر خلفيتنا.
ربما كان أبي مجرمًا حقًّا. أو ربما، وربما فقط، كانت أمّي فعلًا أميرةً ساقطة من مملكةٍ مدمّرة.
قرّرتُ أن أصدّق الاحتمال الثاني. كانت تلك القصة تجعلني أشعر بتحسّن.
وبينما تقدّمتُ خطوةً إلى الأمام، لامس العشب قدميّ برفق. كان إحساسًا باعثًا على الطمأنينة.
كان عليّ أن أحسن الأداء هذه المرة.
فأجر هذا العمل كان أعلى من أيّ شيءٍ كسبتُه من قبل. لم يكن بوسعي أن أفسده.
إن نجحتُ وتمّ تعييني موظفة دائمة، فسأتمكّن أخيرًا من المساعدة في تكاليف دواء أمي.
وفجأة، تذكّرتُ ما قالته عَمَّة ماري حين كتبت رسالة التوصية لي.
[لقد سمعتِ، أليس كذلك؟ ذلك السيّد الشاب الذي بالكاد يقاوم الموت. لقد جاء إلى هنا ليتعافى.]
كاسيان دي بلانشيت.
كان للنزيل النبيل المقيم في القصر اسمٌ بدا، في حدّ ذاته، أنيقًا ومترفّعًا.
كانت القرية بأكملها تضجّ منذ وصول وريث عائلة بلانشيت.
حتى شخصًا مثلي، لا يهتمّ أبدًا بشؤون الآخرين، كان قد سمع بالأمر.
رجلٌ يتمتّع بسلطةٍ هائلة، يقولون إن اسمه وحده كفيلٌ بأن يُركِع الآخرين.
حتى السيّد المحلي، ذلك الشخص الذي يعلو مقامه علينا إلى حدّ أننا لا نستطيع حتى النظر في عينيه، لم يكن أمامه سوى نملة.
لم يتطلّب الأمر أكثر من كلمةٍ واحدة من بلانشيت، قال فيها إنه يرغب في زيارة ألفونس للراحة، حتى دخل خَدَم القصر في حالةٍ من الهيجان التام.
أمضوا شهرًا كاملًا يلمّعون الطريق الذي سيسير عليه، متأكّدين من ألّا تبقى ذرّة غبارٍ واحدة.
ولا يزال بإمكاني أن أتذكر ملامح القلق على وجه عَمَّة ماري وهي تتذمّر، متسائلةً لماذا يترك شخصٌ كهذا راحة العاصمة ليأتي إلى هنا فقط ليجعل حياة الجميع أشدّ صعوبة.
[يقولون إنه لم يبقَ له وقتٌ طويل. لعلّ هذا سبب مزاجه السيّئ. لم يمضِ على وصوله سوى القليل، وقد طرد بالفعل كلّ الخدم.]
ما جدوى امتلاك كل هذا، إن كنتَ تعيش فقط على وقتٍ مؤقّت؟
كانت تمتمات عَمَّة ماري لا تزال ترنّ في أذنيّ.
رغم أنها تحدّثت بنبرةٍ تحمل شيئًا من الشفقة، فإن صوتها كان يوضّح أنها لا تبالي حقًّا. كان الأمر شأنَ غيرها.
وأنا أيضًا، تساءلتُ للحظةٍ عابرة إن كان ذلك الرجل أكثر إثارةً للشفقة منّي.
[لم يصمد أحدٌ أكثر من يومٍ واحد. سيّدة القصر لا تكفّ عن القول إن الأمر قد يختلف لو جُلب شخصٌ أقرب إلى سنّه……إل، هل تظنّين أنكِ تستطيعين الصمود ليومٍ واحد فقط؟]
كانت سيّدة القصر سيّئة الطبع التي تحدّثت عنها ماري، على ما يبدو، معتادةً على رمي الأشياء حين تغضب.
وإن لم تجد بديلًا هذه المرّة، فقد تكون عَمَّة ماري نفسها هي التي ستقع في ورطة.
ومن منظور سيّدة القصر، كانت هذه فرصةً ذهبيّة.
فزوجها، سيّد هذه المنطقة، كان قد أمضى سنواتٍ يحاول الارتقاء في مراتب الحكومة المركزيّة.
وكان نيل رضى بلانشيت الفرصة المثاليّة ليحقّق النجاح أخيرًا.
بالطبع، كان ذلك يعني أنّ على السيّدة أن تضمن سير كلّ شيءٍ على أكمل وجه. فلو فتح الوريث الصعب فمه بكلمةٍ واحدة في غير موضعها، لانقلب كلّ شيء رأسًا على عقب.
ومن المرجّح أنها رأت ذلك واجبًا عليها، بوصفها زوجة رجلٍ طموح، أن تفعل كل ما في وسعها لمساندة نجاحه، حتى وإن عنى ذلك الضغط على الخدم أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
كنتُ قد رفضتُ مرارًا، حتى حين استخدمت عَمَّة ماري نبرةً لطيفة ونادتني بلقبي.
لكن ما إن أخبرتني بمقدار الأجر، حتى وافقتُ دون تردّد.
سمّني سطحيّة إن شئت، لكنني لم أكن أملك رفاهيّة الانتقاء.
فبالنسبة لشخصٍ مثلي، يعيش كل يومٍ على عَجَل، لم يكن هناك ما يهمّ أكثر مما أستطيع كسبه.
بصراحة، لم أكن مختلفةً عن عَمَّة ماري، وأنا أتحدّث وكأن الأمر لا يعنيني. لم أكترث لمصير نبيلٍ يحتضر.
ومع ذلك، وللحظةٍ واحدة فقط، شعرتُ بشيءٍ قريبٍ من الشفقة.
مثيرٌ للشفقة، حقًّا.
حتى وهي تدفعني إلى الأمام، كانت عَمَّة ماري لا تتوقّع بوضوح أن أصمد طويلًا.
لكنني لم أكن قلقة. ظننتُ أن التعامل مع نبيلٍ مدلّل واحد سيكون أمرًا سهلًا.
اعتدتُ أن أغيّر نفسي لأناسب أيّ عمل، طالما أنه يوفّر الأجر.
لكن، في اللحظة التي عبرتُ فيها بوّابات القصر، وواجهتُ القصر المهيب أمامي، اجتاحني شعورٌ طاغٍ أمام حضوره العظيم.
-تَرجَمة: كارل
يتبع في الفصل القادم.
التعليقات لهذا الفصل " 1"