⁷⁴
شعرتُ بالظلم.
لماذا بقيتي هناك وحيدةً؟
لماذا كنتي ترفضين دائمًا عندما أطلبُ منكِ مرافقتي في تلك الرحلة؟
ماذا تفعلين الآن، وأنتِ تواجهين موتي؟
هل شعرتي بالراحة؟
أحيانًا كانت الأسئلة تنفجر بعنفٍ شديد، يصعب تحمله.
لكن دا-إن لم يعد هنا.
حان وقت الاستسلام والتأقلم مع هذا العالم.
ازداد الليل ظلمةً.
❈❈❈
وقفت رِيدين أمام ثكنات الفرسان مع إيثان، وابتسمت ابتسامةً خفيفة وهي تراقب الثرثرة الصاخبة في الداخل.
على الرغم من تأخر الوقت، إلا أن أضواء الثكنات ما زالت ساطعة.
بعد قضاء كل هذا الوقت معًا، كان من الواضح أن لديهم الكثير ليتحدثوا عنه.
” أتذكر عندما تقدم هذا الرجل ثم سقط عن حصانه، وتدحرج في الوحل؟”
” بالتأكيد. كدتُ أسقط أنا أيضًا، وأنا أشاهد من الخلف.”
ضحك فارسان ورغوة البيرة عالقة بشفاههما، بينما احمرّ وجه الفارس المقابل لهما خجلًا.
“فجأةً، ثار الحصان! من ذا الذي لا يسقط في مثل هذا الموقف؟ أي شخص كان سيسقط!”
” حسناً حسناً ، اشرب فقط، قبل أن تُحرج نفسك أكثر أمام السيدة.”
عندها، اتجهت جميع الأنظار نحو رِيدين، التي كانت تستمع بهدوء.
لم تجد ردًا مناسبًا، فرفعت كأسها.
“عندما تشعر بالإحراج، تسكر…أليس كذالك؟”
” آنستي!”
انفجر الفرسان ضحكًا.
لكن ابتسامة رِيدين تجمدت فجأة.
لماذا لم يعد بعد؟
تركها إيثان هنا، قائلًا إنه سيبتعد قليلًا. لكنه لم يعد بعد.
تسلل القلق إلى قلبها. رفعت عينيها إلى السماء، فرأت قمرًا بدرًا مكتملًا يسطع وحيدًا في ظلمة الليل الدامسة.
في تلك اللحظة، اقترب فارس بوجهٍ عابس.
“صاحب السمو… الليلة أيضًا.”
انتشرت الكآبة على وجهه إلى الآخرين كأنها وباء.
“حتى تحت ضوء القمر البدر، بدا بخير هذه المرة، فتساءلت… لكن في النهاية…”
“مهلًا.”
صمت الفارس الذي تكلم دون إذن.
تبادل الرجال نظرات قلقة، في محاولة واضحة لإسكات الحديث الدائر أمامها.
هل يقصدون أن إيثان… مريض؟
لكنه كان بخير قبل لحظات.
أمسكت رِيدين بالفارس الذي تكلم.
“ماذا تقصد؟ أين صاحب السمو؟”
“آه، حسنًا، الأمر فقط…”
تلعثم، ناظرًا بعصبية إلى رفاقه.
كانت حالة إيثان سرًا مكتومًا، وظنوا أن رِيدين لا تعلم شيئًا.
“لا شيء خطير. شعر صاحب السمو ببعض التعب وخلد إلى النوم مبكرًا. أرجو ألا تقلقي يا آنستي.”
من الواضح أنهم لم ينووا إخبارها بالمزيد.
ولأنها كانت تعلم سبب إخفائهم الأمر، لم ترغب في الضغط عليهم.
بدلًا من ذلك، توجهت مباشرة إلى مارك.
من تعابير وجهه، بدا أنه لم يسمع الخبر إلا للتو.
“يا سيدي!”
“آنستي…”
“ما الأمر؟ كان بخير قبل قليل.”
عض مارك شفتيه، وهو يكافح لإيجاد إجابة.
“ظننت أنه سيكون بخير هذه المرة، وأنتِ بجانبه طوال الوقت. وبدا كذلك. لكن… على ما يبدو لا. لقد تأخر الأمر عن المعتاد.”
“ماذا نفعل إذًا؟”
تنهد مارك بعمق.
” بحلول الصباح، سيكون إيثان بخير تمامًا، وكأن شيئًا لم يكن. لكن حتى ذلك الحين، قد يُشكّل خطرًا على من حوله. لهذا السبب سيقضي الليلة وحيدًا.”
تمامًا كما في ذلك اليوم الأول الذي التقيا فيه.
خوفًا من إيذاء الآخرين، تحمّل الألم في عزلة بالغابة.
“أين ذهب؟”
“آنستي، من الأفضل تركه وشأنه الآن. من أجل سلامتكِ أيضًا.”
نظرت رِيدين إلى عيني مارك القلقتين، ثم تحدثت بحزم.
“إذا بقيتُ بالقرب منه، ألن يُخفف ذلك من قلقكِ ولو قليلًا؟ أين هو الآن؟”
ارتجفت نظرة مارك الرقيقة لبرهة طويلة، صامتة.
.
.
.
على التل، كانت تقف طاحونة هواء.
ربطت رِيدين حصانها بأقرب شجرة وبدأت تصعد المنحدر.
“ها… ها…”
كانت مجرد تلة صغيرة، ومع ذلك كانت تلهث في القمة.
رفعت بصرها نحو طاحونة الهواء ذات الطابقين: مبنى الطاحونة في الأسفل، والآلات في الأعلى.
لا بدّ أنه بالداخل.
وبينما كانت تمدّ يدها نحو الباب، لفت انتباهها شيء مألوف.
كان طرف غمد سيف إيثان ملقىً على العشب.
سحبت يدها بصمت من على الباب.
خطت بحذر عبر العشب الرطب، والتفت إلى الجانب الآخر من الطاحونة.
“صاحب السمو؟”
كان يجلس مستندًا بظهره إلى الحائط، ورأسه مائل نحو السماء.
ترددت نظراته قليلًا حين التقت بنظراتها.
“ماذا، هل علّقتي جرسًا حول عنقي دون أن ألاحظ؟”
جرسٌ تحت ذلك الوجه الوسيم – سيناسبه أكثر من اللازم.
“هل عليّ فعل ذلك؟”
ضحك ضحكة قصيرة.
“ما نوع القدرة التي لديكِ؟ كيف عرفتِ أنني هنا؟”
“حسنًا—”
لم يُصدر العشب الرطب أي صوت، لكنه شعر باقترابها.
“لا تقتربي. “
“…”
“ابتعدي.”
كانت نظرة عينيه تقول بوضوح: “إذا دخلتي هذه الدائرة، لن أستطيع منع نفسي.”
ففتحت رِيدين كفيها وتراجعت خطوة إلى الوراء.
“أرأيت؟ لقد ابتعدتُ. لذا أرجوك، لا تغضب.”
“لسببٍ ما، ازداد الأمر سوءًا فجأة. لذا لا تستهيني بالأمر، لا تظني أن بإمكانكِ الاقتراب هكذا. الأمر ليس آمنًا.”
ثم تحركت لتدور حوله، وتوقفت أمامه.
“سأبقى هنا. هل هذه المسافة مناسبة؟”
هز رأسه نافيًا.
“ليست كافية. انزلي من التل. لا، عودي إلى القصر. سأعود عندما تشرق الشمس. اتركيني.”
لكنها أجابت بهدوء، دون أن يرف لها جفن.
“لا أريد.”
“…هاه.”
” لقد جئتُ إلى هنا على حصانٍ بالكاد أعرف كيف أمتطيه. أتريدينني أن أغادر دون أن أفعل شيء؟ لن يحدث هذا.”
“…..”
“سأبقى هنا. لن أقترب أكثر.”
لم يُجب إيثان. بل قبض على حفنة من العشب، وبرزت عروق يده.
ما الذي يُمكنني فعله لمساعدته حقًا؟
في المرة الماضية، طلب منها على الأقل أن تُثرثر.
الليلة، لم ينطق بكلمة – لذا لا بد أن الأمر أسوأ من ذي قبل.
مع ذلك، لم تستطع أن تتركه وحيدًا.
حتى لو لم يستطع الرد، رفضت أن تتركه يتلوى من الألم وحده.
” إن استطعتَ الرد، فأجب. وإن لم تستطع، فلا بأس. سأتحدث بما يكفي لنا نحن الاثنين.”
لم ينطق إيثان بكلمة، واكتفى بمراقبتها بعيونٍ مُشوّهة من الألم.
ابتسمت قسرًا، ونظرت حولها بحثًا عن أي شيء يُدفئه من البرد.
كان هناك موقد صغير قريب.
“الجو بارد حقًا هذه الليلة. سأشعل نارًا.”
انشغلت بالبحث عن زوج من القفازات داخل الطاحونة.
وبيديها حجر الصوان والصلب، انحنت بجانب الموقد، تتحدث أثناء عملها.
“يا صاحب السمو، انظر إلى هذا – سأشعله!”
طقطقة!–
طقطقة، طقطقة، طقطقة!–
ضربت بقوة، لكن لم تتطاير شرارات.
“هذا أصعب مما يبدو.”
قوة قليلة جدًا؛ لم تشتعل النار.
حتى مع الألم، صرف إيثان نظره عنها محبطًا.
طقطقة، طقطقة، طقطقة، طقطقة!–
“هيا، بقوة أكبر قليلًا -“
فووش!–
“ها هي!”
قفزت شرارة إلى الفحم، واشتعل الموقد الداكن.
“أرأيت؟ لقد نجحت!”
رغم أنها استنفدت كل قوتها، والعرق يتصبب من وجهها، إلا أنها ابتسمت رغم السخام الذي لطخ وجنتيها.
“رأيتَ ذلك، أليس كذلك؟”
كانت قد طلبت منه ألا يجيب إن كان ذلك يؤلمه، لكن وجهه كان يستدعي الإجابة. لم يستطع إيثان كتم ضحكة قصيرة.
شعرت بالحرج، ففركت أنفها.
“حسنًا، سأكتفي بمدح نفسي إذًا. أوه، ما هذا الذي عليّ؟”
“ماذا أيضًا؟ سخام من القفازات.”
“آه.”
بحثت عن منديل، فلم تجد.
لذا استخدمت طرف فستانها لمسح وجهها.
“هل أزلته؟ أوه، آسفه، سألتُ مجددًا.”
“…تقريبًا.”
“حقًا؟ شكرًا لإخبارك لي. تفضل، استخدم هذا.”
بما أنها وعدته ألا تقترب، ألقت إليه ببطانية أحضرتها من المطحنة.
وتذمّرت بنبرةٍ نصف توبيخية:
“إذا كنت ستمرض وحدك ، فعلى الأقل استعدّ جيدًا. كان عليك إحضار بطانية أو وسادو إن كنت تنوي المبيت هنا.”
“…”
“أو على الأقل ارتداء ملابس أثقل.”
استمع إيثان بصمتٍ إلى سيل التذمّر الذي رافق البطانية. ثم همس:
“إذن عندما قلتِ إنكِ ستتحدثين وحدكِ، كنتِ تقصدين التذمّر؟”
“بالطبع لا!”
“لقد أتيتِ خالية اليدين أيضًا، أليس كذلك؟”
ولا حتى منديل – كان وجهها لا يزال ملطخًا بالسخام.
أجابت رِيدين بخجل:
“اندفعتُ للخارج دون تفكير.”
“…”
كان إيثان يعلم ذلك بالفعل.
شعرها أشعث من الركوب، وملابسها مجعدة.
جبينها رطب بالعرق من محاولاتها اليائسة لإشعال النار.
وفوق كل شيء، تذكر نظرة الارتياح العميق على وجهها حين وجدته.
شعر براحةٍ ما حين سمعها تعترف بأنها اندفعت دون تفكير.
ملأ صدره شعورٌ هادئٌ بالاطمئنان.
‘ اطمئنان، أليس كذلك؟ ‘
هل كان ذلك فقط لأن الشيء الوحيد الذي يُهدئه – أقرب ما يكون إلى مُهدئ – كان موجودًا هناك؟
إن كان الأمر كذلك، فهل كان سيشعر بنفس الشعور لو كان أي شخص آخر، طالما أنه يؤدي هذا الدور؟
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
الواتباد: @Toro1316
قناة التلجرام: @AMYNOVELS
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 74"