¹³⁷
وصل صوت حوافر الخيل الغامض إلى العربة المتوقفة على الطريق.
حتى قبل أن يتوقف الحصان تمامًا، قفز داميان على عجل.
اندفع بقوة على الأرض وركض نحو العربة، ثم فتح بابها بعنف كأنه يقتلعها اقتلاعًا.
“أرجوك… أرجوك… أرجوك… أرجوك…”
كان يتمتم بلا توقف بين شهيقٍ وزفير، وهو يبحث عن الشخص الذي كان يجب أن يكون بداخلها… لكنه لم يجده.
“هاه… هاه… هاه… هاه…”
وقف على الدرج، ثم تجمّد أمام العربة الفارغة.
ارتجف مؤخر عنقه بقشعريرة حادة، وتصلّب جسده في لحظة.
راح داميان يتفحّص العربة بعينين لاهثتين، كأنه يلعق كل زاوية فيها بنظره.
تفحّص حتى أسفل المقاعد حيث لا يمكن لإنسان أن يختبئ، بل وحتى الزوايا الضيقة التي يصعب على فأر أن يدخلها.
“……”
لكن العربة بقيت فارغة.
وكما كان داخل العربة ساكنًا على نحو مخيف، بدأ صوت أنفاسه الخشنة التي كانت تصدر صفيرًا يهدأ تدريجيًا.
لم يعد يلهث.
بدلًا من ذلك، ظلّ يحرّك مقبض باب العربة الذي كان يمسكه بإلحاح، وكأنه يلمس يد شخص ما.
“أه… أعني… آه…”
كان مرتبكًا كمن أُلقي فجأة في منصة عرض مهمة دون أي استعداد.
لم يعرف كيف ينبغي أن يفهم هذا الوضع.
هدأ صدره الذي كان يعلو ويهبط بعنف، لكن قطرات العرق المتكوّنة على عنقه وجبهته انحدرت في خطوط طويلة بلا توقف.
تقطرت قطرة العرق التي تجمعت عند ذقنه وسقطت على مقدمة حذائه وهو يقف على الدرج، فتركت أثرًا دائريًا.
“آه.”
في تلك اللحظة، خارت قوة ساقيه فانزلق عن الدرج الذي كان يقف عليه.
سقط أرضًا وتدحرج على التراب بشكل غير لائق.
اختلط العرق الذي كان يغطي وجهه بغبار الطريق، فكوّن بقعًا قذرة.
كان يمسح التراب العالق عند فمه بظهر يده، ثم نظر بذهول إلى البقعة التي انتقلت إلى يده.
وفجأة نهض داميان صارخًا بأعلى صوته.
لم تكن ريدين موجودة، ولا أمه… لكن لم يكن هناك أي أثر للدم.
لم يكن هناك أي دليل على أن ريدين قد ماتت.
“ريدين! أمي!!”
عندها فقط بدأ يتفحّص المكان حوله بعناية.
وقعت عيناه على آثار أقدام محفورة في الطريق… وحتى آثار جرّ شيء ما.
“……”
عاد البريق إلى عيني داميان بعد أن كان قد انطفأ.
تبع آثار الأقدام.
وحين وصل إلى المكان الذي دلّته إليه الأعشاب المدهوسة والأغصان المكسورة، واجه الرجال المقنّعين الذين كانوا يراقبونه بصمت منذ لحظة ظهوره.
وأمامهم، رأى ريدين… وأمه… راكعتين على الأرض.
آه…
انطلقت من فمه زفرة ارتياح عميقة.
بسبب صوت حوافر الخيل العنيف الذي شقّ سكون الغابة، كان الرجال المقنّعون يراقبون داميان منذ لحظة ظهوره.
وكذلك فعلت ريدين وكيم سيوم.
في الغابة القريبة قليلًا من الطريق حيث ظهر داميان، أمسك الرجال أفواه الأسيرتين وهمسوا بصوت منخفض.
“ما هذا؟”
“هل هي دورية؟”
“لا، إنه حصان واحد. شخص واحد فقط.”
“اختبئوا أولًا. لننتظر حتى يمر.”
لكن صوت الحوافر لم يتوقف، بل وقف مباشرة أمام العربة.
قال أحدهم:
“يبدو كأنه نبيل.”
عندما رأت كيم سيوم داميان ينزل من الحصان ويفتش العربة، ظهر الارتباك على وجهها. كان ذلك خارج خطتها.
“كيف عرف؟”
لكن تساؤلها القلق تحوّل سريعًا إلى يقين.
فقد انهار داميان يائسًا بعدما تأكد أن العربة فارغة.
“ابني فهم الأمر خطأ وجاء لينقذني.”
لم تعرف كيف اكتشف الأمر، لكن من الواضح أن داميان بعدما علم بخطتها خاف أن تكون أمه في خطر فجاء مسرعًا.
“لهذا يظن أنني متّ ويبدو بهذا الشكل.”
لكن رغم تأثرها لحظة بإخلاص ابنها، إلا أن غضبها اشتعل لأن كل شيء قد اختل.
فريدين بدت وكأنها كانت تعرف ما سيحدث اليوم، وداميان بالتأكيد سيعارض بشدة قتلها.
في تلك اللحظة، شقّ داميان طريقه عبر الشجيرات.
توجهت عيناه أولًا نحو ريدين.
كان أهم شيء بالنسبة له أن يعرف إن كانت حية… أو إن كانت قد أصيبت.
وعندما رآها راكعة لكنها مستقيمة الجسد، مرّ وميض ارتياح على وجهه.
بعد ذلك فقط تحولت عيناه نحو أمه.
“ها… وأنتِ أيضًا يا أمي…”
لكن كلماته لم تكتمل.
لأن نظره عاد إلى ريدين واستقر عليها.
رأت كيم سيوم بوضوح اللحظة التي انتقل فيها نظر ابنها منها إلى ريدين.
انفرجت شفتاها بذهول.
كانت تتوقع أن يتأكد من سلامتها أولًا ويغمره الامتنان… لكن عينيه لم تحملتا أي قلق عميق على أمه.
كان يفحص فقط إن كان فستان ريدين ممزقًا، أو إن كانت مصابة، أو إن كان الخوف ظاهرًا على وجهها.
حدّقت كيم سيوم في ذلك المشهد غير مصدقة.
بدأ شعور بالخيانة يغلي في أعماقها.
بدت صورة زوجها السابق الذي تخلى عنها متداخلة مع هيئة داميان.
‘ كيف يمكن لسونغمين أن يفعل بي هذا…؟ ‘
متجاهلًا حال أمه، سأل داميان ريدين بصوت ملحّ:
“هل أنتِ بخير؟”
“……”
ولما لم تجبه ريدين، وجّه نظره نحو الرجال.
“سأدفع ضعف الأجرة… فقط أطلقوا سراحهما.”
بدأ الرجال الذين أخفوا هوياتهم تحت الأقنعة والقلنسوات يتهامسون.
لكن رد فعلهم كان مختلفًا عما توقعه.
“الضعف؟”
“هذا عرض جيد.”
“مهلًا، لحظة.”
رفع الرجل الذي بدا كأنه قائدهم يده ليوقف الآخرين.
ثم قال وهو ينظر إلى داميان:
“نشكر كلامك يا سيدي النبيل… لكن…”
تابع:
“نحن لا نتعامل إلا عبر ضامن. هذا مبدأنا.”
“ضامن؟”
قطّب داميان حاجبيه من الرد غير المتوقع.
عندها تذكر أن أخاه قال إن المال أودِع بالفعل لدى الضامن.
“شخص موثوق يحتفظ بالمال، وبعد انتهاء العمل نستلمه فورًا.”
وأضاف آخر:
“أجرة هذه المهمة أيضًا مع الضامن.”
ثم قال القائد وهو يحك رأسه:
“لكن لو نفذنا كلامك يا سيدي…”
“ليس لديك ضامن، ولا يبدو أنك ستدفع المال الآن. ماذا لو غيرت كلامك لاحقًا؟ أو أبلغت عنا؟”
أومأ الرجال برؤوسهم.
“لو صدقناك وأطلقنا سراحهما، قد نخسر حتى المال الموجود عند الضامن… ونحن لسنا حمقى.”
شحُب وجه داميان.
“إذن ماذا تريدون؟”
قال القائد:
“حسنًا…”
ثم نظر بازدراء إلى المرأتين الراكعتين.
“إما أن تدفع الضعف الآن… أو تشاهد فقط.”
بدأ داميان يتحسس جسده بارتباك.
لكن للأسف لم يكن قد أحضر معه مالًا كافيًا.
فبدأ يرمي الأشياء الثمينة التي يرتديها على الأرض.
طَق… طَق… طَق…
سترة باهظة الثمن، خنجر مزخرف، بروش فاخر…
ثم قال وهو يتصبب عرقًا باردًا:
“خذوا هذا عربونًا أولًا، وسأحضر المال فورًا–”
تنهد القائد منخفضًا.
“يا سيدي…”
“لدينا ظروفنا أيضًا… فحاول أن تتفهم.”
تبادل الرجال النظرات.
ظهر اليأس على وجه داميان.
تسللت أشعة الشمس بين أوراق الشجر، فانعكست على نصل السيوف التي أخرجها الرجال من صدورهم.
عبس داميان من لمعانها، ثم اندفع نحو الهدف الذي كان سيُقتل وهو راكع وعاجز عن المقاومة.
في اللحظة التي أغلقت فيها ريدين عينيها بقوة عندما رأت الخنجر أمام صدرها—
“……!”
كانت تدعو ألا يخترق الخنجر درعها الخفي.
لكن فجأة، سقط جسد خلفها بصوت مكتوم.
رفعت ريدين رأسها والتفتت.
كان أحد الرجال ممددًا على الأرض ينزف، بينما الرجل الذي كان يقف في الخلف طوال الوقت ينظر إليها.
وفي اللحظة نفسها، ذاب الخوف الذي كان يلف جسدها كله.
فقد أدركت من نظرة واحدة أنه بجانبها.
“يا سيدي… حقًا…”
“نعم؟”
“هل كان يجب أن تظهر في اللحظة الأخيرة تمامًا هكذا؟”
كان يمكنك الظهور قبل أن يبدأ قلبي بالخفقان بسبب السلاح!
“ظننتُ أنني سأتعرّض للطعن…”
قال إيثان:
“ألم أقل إن ذلك لن يحدث أبدًا؟”
بمجرد أن فُكّ قيد معصميها، اندفعت ريدين إلى أحضان إيثان وأطلقت زفرة ارتياح.
قال إيثان مبتسمًا بخبث:
“من الذي طلب مني أن أظهر فقط بعد انتهاء كل شيء؟”
ثم عانقها بذراعيه القويتين، وقبّل جبينها بلطف كأنه يهدئها.
وبتلك الحركة الحنونة، تلاشى التوتر من جسدها.
ومن فوق كتف إيثان، رأت فرسان دوقيته الذين كانوا مختبئين في أنحاء الغابة وهم يسيطرون على الرجال.
قال إيثان وهو يضع ذراعه حول كتفيها:
“سار الأمر وفق الخطة.”
ثم قال:
“وأيضًا…”
اتجه نظره إلى جهة معينة.
خرج رجل في منتصف العمر يرتدي ثيابًا مزينة بزخارف ذهبية من خلف الأشجار.
“الشاهد الذي أرسله القصر الإمبراطوري رأى كل شيء.”
كان الرجل الذي أحضروه ليكون شاهدًا على كل ما دبرته كيم سيوم.
“لقد تأكدت من كل شيء، من التخطيط حتى التنفيذ، في قضية استئجار قاتل لقتل الآنسة.”
ثم توجه نظره نحو السيدة فلورنس.
“يجب أن تتلقى العلاج أولًا. حتى لو كانت مجرمة، يجب الحفاظ على حياتها من أجل التحقيق.”
نظرت كيم سيوم إلى بطنها بصمت.
كانت المنطقة حول السيف الذي اخترق بطنها تتلوّن بالأحمر الداكن من الدم.
أمالت رأسها قليلًا.
كان وعيها يتلاشى، ولم تستطع أن تفهم جيدًا ما يحدث.
رمشت بعينيها، ثم رفعت رأسها.
ونظرت بوجه غير مصدّق إلى ابنها الذي كان راكعًا أمام ريدين ممسكًا بوجهه.
في تلك اللحظة انهار كل ما كان يمثل فرحتها وثقتها في حياتها.
انهمرت الدموع من عيني كيم سيوم بلا حولٍ ولاقوة.
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
قناة التلجرام💙:https://t.me/AMYNOVELS
قروب الفصول كملفات🤍: https://t.me/AMYWORLDDDDD
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
التعليقات لهذا الفصل " 137"