وقفت ريدين أمام باب مكتب المديرة وهي تتبع مديرة الميتم التي كانت تسير أمامها.
“تفضلي بالدخول.”
انحنت المديرة باحترام وفتحت الباب بلطف.
ومن بين الباب الذي كان ينفتح ببطء، التقت عينا ريدين بعيني زوجة فيكونت فلورنس التي التفتت نحوها.
كان شعرها الأشقر الكثيف مصففًا بعناية، وكانت ترتدي أقراطًا وقلادة من اللؤلؤ الأنيق. بدت تمامًا كسيدة نبيلة خرجت من أحد الأفلام الكلاسيكية الغربية.
نهضت من مقعدها واستقبلت ريدين بابتسامة مفعمة بالعطف على نحوٍ لافت.
“يا لها من مصادفة أن ألتقي بابنة الكونت في مكان كهذا.”
“نعم. ظننت أنني سأكون وحدي في هذا الميتم البعيد، لكن يبدو أن هناك من اختار المكان نفسه.”
أطبقت كيم شيوم عينيها بابتسامة لطيفة.
“لم أرد أن أكون وسط الزحام، لذلك جئت إلى هنا رغم بُعده. يبدو أنني أحسنت الاختيار، فقد التقيت بابنة الكونت هكذا.”
أمام تلك الابتسامة المتصنّعة، اكتفت ريدين برفع زاوية فمها بابتسامة صامتة.
بما أنها أوكلت تنفيذ الأمر إلى شخص آخر، فلم يكن عليها أن تأتي بنفسها.
ومع ذلك، كونها جاءت إلى هنا شخصيًا… ربما لأنها أرادت أن ترى وجه ريدين بوضوح قبل موتها.
‘ يبدو أنكِ ما زلتِ كما أنتِ… لا بد أن تلمسي كل شيء بيدك بنفسك. لكنني لم أتوقع أن تفعلي ذلك حتى في مسألة قتل شخص. ‘
“صحيح. بما أنني التقيت بزوجة الفيكونت هنا، فهذا حقًا أمر جيد.”
“هل نجلس؟ الشاي الذي أحضرته المديرة ليس سيئًا.”
دعتها كيم شيوم إلى الجلوس، إذ كانت ريدين ما تزال واقفة.
كانت مديرة الميتم تنتظر انتهاء تحيتهما، ثم تحركت وقالت:
“ميتمنا يقع في مكان ناءٍ، لذلك نادرًا ما يزورنا النبلاء حتى خلال مهرجان التأسيس. إن قدومكما شرف عظيم لنا، وسيكون مصدر أمل كبير للأطفال.”
“لحظة.”
كانت المديرة على وشك بدء الحديث عن التبرعات حين رفعت كيم شيوم يدها بإشارة خفيفة.
“يا مديرة، دعينا نتحدث أولًا.”
“آه! نعم، حسنًا. تحدثا براحتكما، ثم ناديا عليّ.”
لكن المديرة بقيت واقفة في زاوية المكتب.
فلوّحت كيم شيوم بطرف أصابعها بملل.
“ما هذا؟ ألم تقولي إنكِ فهمتِ؟”
“…نعم؟”
“قلت لكِ اخرجي.”
“آه، نعم.”
بينما كانت ريدين ترتشف الشاي بهدوء، راقبت تصرفها الفظ تجاه من تعتبرهم أضعف منها.
‘ حديث؟ أي حديث يمكن أن يكون بيني وبينها؟ ‘
مهما كان الموضوع، لم يكن يهم كثيرًا.
فحتى لو تحدثتا الآن، فإن مصير كيم شيوم قد حُسم بالفعل.
وضعت ريدين فنجان الشاي على الطاولة متعمدة أن يصدر صوتًا.
“يبدو أن لديكِ سببًا آخر للمجيء إلى هنا، يا زوجة الفيكونت.”
“…ماذا؟”
رأت ريدين يدها الموضوعة على الطاولة ترتجف قليلًا، فتابعت كلامها.
“حين كانت المديرة ستتحدث عن التبرعات، طلبتِ منها المغادرة. ظننت أنكِ جئتِ بسبب الفعالية الخيرية.”
“آه، آه… بالطبع جئت بسبب العمل الخيري. فقط أردت أن أتحدث قليلًا مع ابنة الكونت.”
“أوه، هكذا إذن.”
أجابت ريدين باقتضاب، ثم تناولت قطعة من بسكويت الزبدة وقضمتها بهدوء.
‘ وفقًا لخطتكِ، سأصبح بعد ساعات قليلة في حالة لا أستطيع فيها التحدث… لذلك لديكِ الكثير من الأسئلة، أليس كذلك؟ ‘
“اسألي ما تشائين. أي موضوع. سأجيب عن كل شيء. بالمناسبة، كيف حال اللورد داميان؟”
عند ذكر داميان، تجمّد وجه كيم شيوم الذي كان مليئًا بالحماسة طوال الوقت.
“ماذا تقصدين بكيف حاله…؟”
“صحته. لقد أصيب في كتفه، أليس كذلك؟”
“آه، الكتف… إنه يتحسن.”
حرّكت كيم شيوم عينيها ثم صمتت طويلًا.
كانت تريد أن تعرف بشدة لماذا ركع ابنها أمام هذه الفتاة في حديقة منزل الماركيز.
لم تكن تعتقد أن داميان سيجيبها.
ولو أرسلت هذه المرأة إلى الموت دون أن تعرف السبب، فسيظل ذلك يزعجها.
“الليلة الماضية، في منزل الماركيز… قال داميان انه أخطأ بحقكِ. لكن ابني ليس من النوع الذي يرتكب الأخطاء أينما ذهب. أليس كذلك؟ الأم هي أكثر من يعرف ابنها، ألن أعرف ذلك؟”
“بفتت!”
“آه…؟”
انفجرت ريدين بالضحك دون أن تشعر.
غطّت فمها سريعًا بيدها وهي تحاول كبح ابتسامتها، ثم رفعت نظرها نحو كيم شيوم الجالسة أمامها.
كانت تحدق بها بنظرة حادة مألوفة.
‘عندما كانت تنظر إليّ بهذه العينين، كنت أخاف حقًا. ‘
كانت تلك النظرة قد رأتها مرات لا تحصى في الماضي.
كانت كيم شيوم تقتحم شقة داين بين حين وآخر، تبحث عن عيوب في كل شيء، وتحدق بها بهذه النظرة.
لكن الآن…
لم تعد تلك النظرة تثير الخوف، بل السخرية.
“هاه… عذرًا، ارتكبت وقاحة. أتفهمين ذلك يا سيدتي؟ اليوم يوم جميل.”
“…”
“وللإجابة على سؤالكِ… نعم. يبدو أنكِ لا تعرفين ابنكِ جيدًا.”
“ماذا؟!”
“إنكاركِ القاطع أنه قد يخطئ رغم أنه أخطأ… هذا يعني أنكِ لا تعرفينه إطلاقًا.”
“…”
“تقولين إنه لا يمكن أن يخطئ؟ لا، بل يخطئ كثيرًا. ابنكِ ليس رائعًا إلى هذا الحد، يا سيدتي.”
“…”
ربما لم تسمع كيم شيوم مثل هذه الكلمات في حياتها.
فالناس عادة يتخلون عن الرد عندما يواجهون شخصًا لا يمكن التفاهم معه.
ولهذا كان تعبير وجهها مثيرًا للمشاهدة.
فبعد أن كان شاحبًا، احمرّ بشدة، وارتجفت شفتاها.
“أعتذر. أعلم أن الوالدين يرغبان في رؤية أبنائهما بصورة جيدة فقط… لكن يبدو أنكِ تجهلينه كثيرًا لدرجة أنني لم أتمالك نفسي وقلت ذلك.”
“يا ابنة الكونت–”
“لكن هذا هو دور الوالدين الحقيقي، أليس كذلك؟ أن يعترفوا بعيوب أطفالهم ويتقبلونها. رغم أن أبناءكِ لم يعودوا أطفالًا.”
تحت الطاولة، قبضت كيم شيوم يديها حتى برزت عروقها.
كان عليها أن تتحمل.
‘ ستَموت هذه المرأة اليوم على أي حال… تحملي. لا تفسدي الأمر. ‘
ارتجفت شفتاها قليلًا قبل أن تتحدث بصوت بالكاد يخفي غضبها.
“قلتِ إن ابني ارتكب خطأ.”
“يا إلهي، كم مرة تريدينني أن أقولها؟ نعم، فعل.”
“وما هو الخطأ الذي ارتكبه؟”
أجابت ريدين بسخرية:
“اسألي ابنكِ العزيز بنفسك.”
“…”
“ألم يقل داميان إنه أخطأ بحقي؟ إذن هذا صحيح. ألا تصدقين كلام ابنكِ؟”
“…”
“آه، صحيح… حتى لو قال ذلك، يبدو أنكِ لا تصدقين شيئًا غير رأيكِ.”
‘ ما هذا…؟ ‘
بينما كانت تحاول بشدة كبت الإهانة والغضب، شعرت كيم شيوم بإحساس غريب.
‘ هل كانت ابنة الكونت هكذا أصلًا؟ ‘
في انطباعها الأول، كانت مجرد فتاة ضعيفة يسهل التعامل معها، جميلة ومترفة.
وكانت نظرتها الشاردة تذكرها بداين، لذلك شعرت نحوها بألفة غريبة.
لكن هذا الانطباع تغيّر عندما أصبحت خطيبة الدوق المستقبلية.
فقد تحولت ريدين التي كانت تنظر إليها بخوف في أول لقاء، إلى شخص ينظر إليها الآن من علٍ كقوية.
حينها فكرت كيم شيوم أنه يجب أن تتقرب منها.
لكن عندما اكتشفت أن داميان وقع في حبها رغم أنها مخطوبة، قررت أن تبعدها عنه بأي طريقة.
فكما حدث مع داين، كان ابنها اللطيف الذكي يفقد عقله عندما يقع في الحب.
‘ كانت تشبه داين كثيرًا… ‘
الانطباع الأول، وكونها المرأة الثانية التي أحبها ابنها بعد داين.
لكن…
‘ لماذا تبدو اليوم وكأنها شخص مختلف؟ ‘
بل إن الأدب والاحترام اللذين كانت تحافظ عليهما عادة اختفيا تمامًا من كلامها وتصرفاتها.
السخرية الواضحة في كلامها، ونبرتها التي توحي بأنها تعرفها جيدًا… كل ذلك جعل شعور الغرابة لدى كيم شيوم يزداد.
‘ هل ارتكب دميان خطأ كبيرًا فعلًا؟ ما الذي فعله ليجعلها واثقة هكذا؟ على أي حال، يجب أن أتوقف عن الحديث عنه. ‘
قررت أن الحديث عن ابنها لن يفيدها، ففتحت فمها أخيرًا.
“يبدو أن ابني أساء إليكِ. سأستفسر منه عن التفاصيل.”
“…”
“هل ننهي الحديث هنا ونستدعي المديرة؟”
“بهذه السرعة؟”
“نعم؟”
نظرت ريدين إليها بهدوء ثم قالت:
“الحديث عن ابنكِ ممتع. لنواصل. لديكِ ابنان، أليس كذلك؟ من المؤسف أن ننهي الحديث الآن.”
‘ ما الذي أصاب هذه المرأة فجأة؟ ‘
ارتبكت كيم شيوم من التغير المفاجئ في سلوك ريدين، وعضّت شفتها.
♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
قناة التلجرام💙:https://t.me/AMYNOVELS قروب الفصول كملفات🤍: https://t.me/AMYWORLDDDDD
التعليقات لهذا الفصل " 132"