عندها رفعت السيدة فلورنس زاوية فمها مبتسمة ابتسامة عريضة.
“مقعد الآنسة هيرن هنا، إلى أين تذهبين إذن؟”
وقالت وهي تبرز بطاقة الاسم المكتوب عليها اسم ماري كأنها تعرض دليلًا واضحًا:
“انظري. مكتوب هنا: ماري هيرن.”
“أنا رأيت ذلك أيضًا. لكن يبدو أن الخادم وضعها بالخطأ. لأن…”
ألقت ماري نظرة خاطفة إلى مؤخرة رأس فيكونت فلورنس الذي جلس أولًا.
كان ينظر إلى الأمام، لكن كان واضحًا بشكلٍ مقشعر أنه يفتح أذنيه جيدًا ويركّز بكل حواسه على كل كلمة تقولها.
“لأنني لا تربطني أي علاقة بفيكونت فلورنس. لماذا أجلس معه في مقعدٍ ثنائي مخصص للأزواج أو العشاق؟”
لكنها لم تستطع قول ذلك.
“يبدو أن الخادم أخطأ بسبب سوء فهم. هذا المقعد بالتأكيد للسيدة، وليس لي.”
كانت مقاعد الصناديق في الطابق الثاني مرئية بوضوح من جميع الطوابق.
ولو جلست معه في مقعدٍ ثنائي فسيسبب ذلك سوء فهم لدى الآخرين. لكن الشخص الذي أرادت أن تُساء فهم علاقتها معه كان شخصًا آخر.
وهو…
“بما أنني أرشدت الآنسة هيرن إلى مقعدها، فسأذهب أنا إلى مقعدي.”
“حسنًا، اذهب. واستمتع بمشاهدة الأوبرا.”
“نعم.”
“…ماذا؟”
بينما كانت ماري تستمع إلى حديث داميان والسيدة فلورنس بنظرة شاردة، نظرت إلى الأرض تحت قدميها.
لأنها شعرت للحظة وكأن جسدها يهوي إلى الأسفل.
لكن الأرض كانت ثابتة تمامًا.
“لماذا يحاول السيد داميان أن يتركني هنا وحدي؟”
“آنسة هيرن، أتمنى لك مشاهدة ممتعة.”
“آه… لحظة…”
نادته ماري بصوتٍ خافت يكاد يختفي، لكنه كان قد فتح الستارة المخملية وخرج بالفعل.
فمسحت يدها التي كانت قد مدّتها نحوه بخجل على طرف فستانها.
“أين يفترض أن أجلس إذن؟”
بينما وقفت ساكنة وشعرت وكأن رأسها يتفتت إلى أجزاء—
“لماذا تقفين؟ تعالي واجلسي هنا.”
عندما أدارت رأسها رأت الفيكونت يشير إلى المقعد بجانبه مبتسمًا ابتسامة خبيثة.
“صحيح يا آنسة هيرن، هناك مقعد هنا. لماذا تقفين؟”
حتى الفيكونتيسة شجعتها على ذلك.
“…….”
بدأت ماري تفكر بسرعة وهدوء.
أرادت أن تعبس في وجه الفيكونت الذي يرسل لها إشارات تودد رخيصة وتذيقه بعض الإهانة.
ثم تهرب من هذا المكان وتندفع إلى أحضان داميان.
لو كان داميان في صفها فقط، فربما لن يهم كيف تتصرف مع الفيكونت أو زوجته. لو كان سيحميها فحسب.
لكن…
‘ هل سيدافع عني حقًا؟ ‘
لقد تركها هنا وغادر ببساطة وكأنه لا يهم أين تكون.
انقبضت أصابع ماري من الإحباط الذي كان يحرقها.
وفي اللحظة التي أدركت فيها أن داميان لا ينوي أن يكون خيارها، تحركت قدماها من تلقاء نفسها.
وبينما كانت تمشي كدميةٍ معطلة الأطراف، وصلت إلى جانب الفيكونت الذي رحّب بها بوجهٍ مشرق.
‘ هل حقًا لا خيار آخر لدي؟ ربما… ربما… ‘
ألقت ماري نظرة سريعة حول دار الأوبرا المكتظة بالناس.
من الطابق الأول إلى الثالث، كانت ترى شخصيات من المجتمع تعرفها في كل طابق.
“آه!”
كان هناك أيضًا بعض الرجال الذين خرجت معهم في مواعيد.
لكنهم جميعًا كانوا برفقة شركاء جدد أو خطيبات.
اختفت جميع خياراتها البديلة.
وفي تلك اللحظة جاء صوت السيدة فلورنس من الخلف، بنبرة لم يتضح إن كانت سؤالًا أم توبيخًا:
“لا تريدين الجلوس؟”
“……!”
سرعان ما رتّبت ماري تعبير وجهها وجلست في المقعد الذي كانت ترفضه بشدة. وتجاهلت السؤال القصير الذي كاد أن يخرج منها.
فقد قيل لها إنه إن عادت إلى عائلة البارون دون زواج، فسيرسلها البارون لتكون زوجة ثانية لرجلٍ عجوز.
والآن بعد أن اختفت كل الخيارات التي كانت تريدها، أصبح الفيكونت الجالس بجانبها هو الطريقة الوحيدة لئلا تعود إلى بيت البارون.
“مع ذلك… أليس أقل قرفًا من العيش مع زوجٍ عجوز… أليس كذلك؟ لا بد أنه كذلك.”
نظرت ماري إلى فيكونت فلورنس.
لم يكن فيه عيب واضح، وكان فيكونتًا شابًا، لكن ذلك الشعور المقرف لم يختفِ.
“يشرفني أن أشاهد الأوبرا معك يا سيدي الفيكونت.”
قالت ذلك مبتسمة، فمد الفيكونت يده ببطء نحو ظهر يدها.
وبينما كان يداعب يدها الناعمة بطرف أصابعه، ابتسم وقال:
“شاهدي الأوبرا براحة. فأنا بجانبك.”
في تلك اللحظة دخل خادم حاملاً الكرسي الذي طلبته كيم سي-أوم.
“سيدتي، هل أضعه هنا؟”
“نعم.”
جلست على الكرسي وبدأت تراقب ابنها الأكبر وماري خفية.
كان ابنها يبتسم بلا توقف لأنه سعيد بجلوس ماري بجانبه، بينما كانت ماري تعض داخل خدها كلما قال شيئًا، وكأنها تحاول كبت شيء ما.
كان المشهدان متناقضين تمامًا.
‘ أتجرئين على ألا تعجبي بابني؟ ‘
اشتعل الغضب في داخلها، لكنها هدأت نفسها وهي تتذكر ابتسامة ابنها المشرقة وكلام الشامان بأن إدخال ماري ككنة لابنها الأكبر سيجلب مالًا كثيرًا.
“قبل أن أزوجهما يجب أن أكسر كبرياءها جيدًا.”
عندها لن يتأذى ابني الضعيف بيونغمين كثيرًا.
ثم عليها أن تغادر العاصمة وتتجه غربًا كما قالت الشامان.
فقد قضت حياتها كلها من أجل سعادة أبنائها، وربما تكون الهدية التي أرسلها الرب لها هناك في الغرب.
احمرّ وجه كيم سي-أوم وهي تفكر بذلك. وكأنها أصبحت فتاة من جديد بعد عقود.
في الطابق الثاني.
أنزلت ريدين منظار الأوبرا من أمام عينيها.
‘ كما توقعت من السيدة كيم سي-أوم. تنفيذها سريع حقًا.’
كان منظر أخ زوجها ومديرتها يجلسان معًا بلطف يبعث على السرور.
كانت قد ربطت ماري بأخ زوجها قبل أن تتسبب مرة أخرى في تدمير عائلة أخرى، لكن عندما فكرت في حياتها السابقة تساءلت كم سيستمر زواجهما.
“كلاهما سيئ تقريبًا بنفس الدرجة، ربما سيتوافقان أكثر مما أظن ويستمران طويلًا.”
ضحكت ريدين بخفوت وهي تغطي فمها.
عندها أغلق إيثان الكتيّب الذي كان يقرأه عن الأوبرا، وانحنى قليلًا نحوها.
“لنضحك معًا.”
ومن خلفهما مدّ مارك رأسه بينهما وسأل:
“ما الأمر؟”
“لا شيء.”
“آه…”
وبدا أنه فقد اهتمامه، لكنه عاد ومدّ رأسه بينهما مجددًا.
“بالمناسبة يا آنسة، هل تعرفين شيئًا عن الأوبرا التي سيُعرض عرضها الأول اليوم؟”
بالطبع تعرف.
أخذت ريدين تتأمل المشهد الواسع لدار الأوبرا.
كانت القاعة مليئة بضجيجٍ مفعم بالحيوية قبل بدء العرض.
في الطابق الأول كان النبلاء الذين وصلوا متأخرين يبحثون عن مقاعدهم على عجل، ومن كل طابق كانت أصوات ضحكات السيدات بثيابهن الفاخرة تمتزج مع صوت المراوح.
حتى بالنسبة لريدين التي تشاهد الأوبرا لأول مرة في هذا العالم، كان حماس القاعة واضحًا.
لأن اليوم هو يوم العرض الأول لأوبرا “لا ترافياتا” لفيردي.
“بالطبع أعرف. لقد قرأت الكتيّب بعناية.”
“حتى الرهان الذي عقده النبلاء؟”
“رهان؟”
حين بدا أن ريدين لا تعرف، تابع مارك بحماس أكبر:
“كما رأيتِ في الكتيّب، القصة صادمة قليلًا، أليس كذلك؟”
قصة حب بين إمرأة ذات علاقات متتعدة برجال ورجلٍ شاب ثري كانت بالتأكيد فكرة جريئة بالنسبة لأهل هذا العالم.
“لذلك يبدو أن النبلاء عقدوا رهانًا حول نجاح العرض أو فشله. حتى استراحة الفصل الأول يجمعون الرهانات في الصالون الخاص بالطابق الثاني. إن كنتِ مهتمة يمكنكِ المشاركة.”
“أوه؟ يحدث شيء كهذا؟”
سألت ريدين وعيناها تلمعان.
“وأين راهنتَ أنت يا كونت؟”
“لم أفعل بعد. سأشاهد الفصل الأول أولًا ثم أقرر بحذر. أفكر في إنفاق بعض المال… رغم أنني أميل تقريبًا إلى خيار معين.”
كان تعبير مارك جادًا.
ضحكت ريدين مجددًا وهي تغطي فمها.
“وإلى أي خيار تميل؟”
“فشل ذريع.”
هزّت ريدين رأسها قليلًا.
كان توقع مارك بفشل الأوبرا منطقيًا تمامًا.
في الواقع، فشل العرض الأول لأوبرا لا ترافياتا فعلًا، وكان السبب الأكبر هو أن القصة كانت صادمة لمشاعر المجتمع في ذلك الوقت.
لم يكن الجمهور متقبلًا لفكرة قصة الحب الجريئة بين إمرأة ليل وشابٍ نبيل.
“وأنتِ يا آنسة، على ماذا ستراهنين؟”
“أنا أيضًا سأراهن بعد مشاهدة الفصل الأول، لكن حتى الآن أراهن على نجاحٍ باهر.”
“هل تتكلمين بجدية؟”
كانت هذه أول مرة ترى فيها مارك يفتح عينيه بهذا الاتساع من الدهشة.
أما إيثان، الذي كان يستمع بصمت، فقال بهدوء:
“هل تشعرين بالملل هذه الأيام؟”
لم تستطع ريدين إلا أن تضحك من رد فعل الرجلين.
كانت تتفهم دهشتهما. فالجميع سيراهن على الفشل، بينما هي وحدها تراهن على النجاح.
لا بد أن كلامها بدا وكأنها تريد رمي المال في الشارع.
“المفاجئ أنني في الحقيقة حذرة جدًا…”
كانت ريدين على وشك شرح السبب—
لكن في تلك اللحظة فُتحت الستارة المخملية ودخل شخص إلى القاعة.
التعليقات لهذا الفصل " 124"