بينما كان إيان منشغلاً بتقبيل قدمي ملاكه الحارس، جاء طرقٌ خافت على باب غرفة النوم، تلاه صوت أحد الخدم من الخارج:
«سيدي، ماء الحمام جاهز.»
ورغم انزعاجه من مقاطعة لحظاته الخاصة مع زوجته، فإنه لم يملك أن يلوم الخادم. كان من القواعد الراسخة في هذا القصر أن يُحضَّر الحمام فور عودة السيد.
غطّى جسد لورا بالبطانية، ثم خرج ليغتسل.
في الحمّام، كان الحوض الكبير ممتلئًا بالماء الدافئ كالمعتاد. خلع ثيابه ببطء، ومع سقوطها تبيّن جسده الصلب، بعضلات مشدودة كوّنها من التجديف اليومي في فريق القوارب أيام مراهقته، ثم من تمارينه المستمرة بعد تخرجه.
جلس في المغطس وغسل وجهه، بلّل شعره الأسود الفاحم الذي طالما كان مربوطًا بإحكام، فانفلت على جبينه، مما جعله يبدو أصغر بثلاث سنوات.
وبينما كان يفرك جسده بفرشاة الصابون، دخل الخدم وخرجوا لتجديد ماء الحوض. وبعد اغتسال طويل شعر بالنظافة الكاملة التي ترضيه، فأمر أحدهم أن يحضر له سيجارًا ومنفضة.
كان التدخين وهو يغتسل في الماء الدافئ من أكثر متعه المفضلة. أسند ظهره إلى الحوض، نشّف يديه، أشعل السيجار، وأخذ نفسًا هادئًا. كان الدخان الذي يملأ فمه يبعث على راحة لطيفة.
أغمض عينيه بتراخٍ، وعاد بذاكرته إلى رحلته الأخيرة التي استغرقت أربعة أيام في لندن.
كان الغرض من الرحلة حضور زفاف صديقه ويليام. كان أجمل لحظاته حفل الزفاف نفسه، وأكثرها دفئًا توديع العروسين عند انطلاقهما في شهر العسل.
لكن ألبوم ذكرياته لم يكن إلا صفحات مع لورا: جلوسهما متقابلين في القطار وهما يحتسيان القهوة، استراحتهما في حضن بعضهما بغرفة الفندق، تسوقهما معًا للهدايا في متجر هارودز.
ثم تلك اللحظة
«أحبك. أحبك من كل قلبي.»
في تلك اللحظة، بينما كان جالسًا في المغطس، أفلت السيجار من بين أصابعه دون أن ينتبه. لحسن الحظ، كانت يده ممدودة فلم يسقط في الماء، غير أن طرفه المشتعل ارتطم بالأرضية المبللة وفسد.
راح يحدّق في المكان وهو ينظف أثر السيجار، ويتمتم:
«لورا تحبني… أنا… إيان دالتون…»
غامت عيناه مجددًا، وهزّه تيار طاقة داخلي.
لم يكن غريبًا أن تحب الزوجة زوجها، ومع ذلك لم يستطع أن يتقبل الأمر كشيء بديهي.
م.م: خفيف 😭😭😭
فلورا، بالنسبة له، كانت ملاكًا أرسله الله ليغمر حياته بالسكينة. كانت منبع حب وعذوبة ودفء. قبل أن يلقاها، كان إيان يستمتع بعزوبية مرضية، أما الآن، ولو مات، فلن يرغب أبدًا بالعودة إلى تلك الأيام.
وهذا الملاك اعترف له أنه محبوب لديها… بكل قلبها.
«يا إلهي… لورا… أنا…»
دوّى طَبلٌ في صدره الأيسر، عنيفًا حتى كاد يصم أذنيه. غمر وجهه بالماء ليهدأ، لكن محاولاته باءت بالفشل، وسرعان ما احمرّت أذناه.
«اهدأ. لو عدتُ الآن إلى الغرفة، سأوقظ لورا وأرهقها.»
انغمس في الماء حتى اختفى جسده قرابة دقيقتين، ثم خرج يلهث وقد بدأ ذهنه يستعيد هدوءه، ولو قليلًا. مسح وجهه ويديه بالمنشفة الجافة، وأخذ نفسًا آخر من السيجار، تاركًا النيكوتين يسكّن اضطرابه.
أسند ظهره إلى الحوض يفكر:
«متى سأعتاد لورا؟ متى أتوقف عن الارتجاف كلما نادت اسمي؟ متى يصبح بقاؤها بجانبي أمرًا طبيعيًا؟ هل سيأتي ذلك اليوم أصلًا؟»
لقد مرّ عام على زواجهما، لكنه لا يزال الرجل نفسه يوم اقترن بها. كلما نادته «إيان»، ارتجف قلبه، وكلما جلس أمامها عجز عن التركيز في أي شيء سواها. كثيرًا ما كان يحدّق في وجهها بصمت حتى توبخه على تضييعه لوقتها.
كان يعرف أنه يبدو كاملًا في عينيها، لكنه كان يخشى أن تراوده فكرة أنها قد تراه ضعيفًا.
«لا، لورا متواضعة ورحيمة. سخية وطيبة. حتى لو خاب أملها فلن تتركني. الملائكة لا تفعل ذلك.»
استعاد هدوءه قليلًا، ثم رفع بصره إلى الساعة المعلقة بالحمام. كانت تقترب من منتصف الليل. أطفأ سيجاره وخرج من المغطس. جفّف جسده بالمنشفة، هز شعره، ثم ارتدى الروب الذي أعدّه له الخادم. ومع كل زر يغلقه كان يشعر بالراحة تتسلل إليه.
تصوّر نفسه يعود إلى السرير، يحتضن لورا بقوة، يدفن وجهه في عنقها، يستنشق عطرها، يتنفس معها بنفس الإيقاع حتى ينام. مجرد الخيال رسم ابتسامة على وجهه.
لكن فجأة ومضت في ذهنه فكرة غريبة:
«هل لورا حقًا في السرير؟»
م.م: متتتتتت 🤣🤣🤣
سخر من نفسه. أين عساها تذهب؟ مكانها الوحيد هو غرفة نومهما في وايتفيلد هول، سريرهما الكبير ذو الستائر الزرقاء الفاتحة. لا ملجأ لها سواه.
ومع ذلك، تسللت إليه أفكار عجيبة. كان في لوحاته دائمًا يرسم ظهر لورا مزدانًا بأجنحة بيضاء ناعمة، كقطن جُمع لتوّه. والأجنحة، بالنسبة للملائكة، وسيلة للعودة إلى السماء.
«مهما أحبّتني، فهي ملاك، والملاك ملك السماء. وإن أمرها الله بالرجوع، فلن تستطيع العصيان.»
تدفقت صور حية أمام عينيه: نافذة غرفة نومهما مفتوحة، ولورا واقفة على الحافة، جناحاها مفرودان، تستعد للطيران نحو السماء.
ألقى المنشفة جانبًا واندفع خارج الحمام. عبر الممر الطويل، فتح باب غرفة النوم، وأسرع إلى السرير.
«هاه… هاه…»
تنفّس بارتياح عميق وهو يكاد ينهار من فرط الاطمئنان.
كانت لورا لا تزال هناك، شعرها المضفور بعناية يتدلّى على كتفها الأيمن، نائمة بسلام تحت الأغطية البيضاء.
«يا لي من واهم…»
أزاح خصلاته السوداء عن جبينه. أي هذيان هذا؟ لورا إنسانة، بريطانية تزوجت به كأي امرأة. صحيح أنها ملائكية الطيبة والجمال، لكنها ليست سوى بشر.
«لقد أفرطت في الأحلام. سيقولون عني روميو، لكنني بهذا الإيقاع سينتهي بي المطاف كـ “الملك لير”. روميو رومانسي، لكن لير بائس. لا تتهور يا إيان دالتون.»
رغم محاولته إقناع نفسه، لم يستطع أن يصرف عينيه عن لورا. في سريرهما، مرتدية منامتها البيضاء، كانت تجسيدًا حيًا لملاك، يكاد ينهض ويطير إلى السماء في أي لحظة.
ولو فعلت، فلن يمتلك أجنحة للحاق بها.
«لن أترك عيني عنها. أيّ يد تمتد لأخذ لورا ستُمزّق، حتى لو كانت يد ملك.»
عضّ على أسنانه. كان أحيانًا يسقط في فخ هذا الهوس غير المنطقي، لعلّه نتاج سعادة مفرطة.
لقد ذاق الفقد كثيرًا منذ طفولته: أمّه، مربّيته، أخته، صديقه شيلدون، رفاقه، ثم والده. هذه الفجوات صقلته لكنها تركت ندوبًا. ومنذ ذلك الحين، صار يخشى السعادة البشرية، ويخشى أن تُسلب منه. وكلما عظمت السعادة، عظم الخوف.
فكرة فقدان لورا قد تكون سخيفة، لكن الخوف من رحيلها كان حقيقيًا صادقًا.
«ليتها أقل جمالًا، أقل حنانًا، أقل وفاءً… لو كانت نصف ما أنا عليه الآن من السعادة، لما حملت كل هذا القلق.»
ضغط على شفتيه، يكاد رأسه ينفجر من فرط التوتر.
«أريد أن أتأكد أنها بشر.»
تردّد لحظة، ثم خلع روب الحمّام.
وبعد قليل، فتحت لورا عينيها بخدر:
«… ممم…»
شعرت بيد كبيرة تتحسس خصرها. زوجها، المستلقي فوقها، يغمر وجهها بالقبلات.
أدركت سريعًا مقصده.
«… إيان، أنا نعسانة…»
«سامحيني، سأنتهي بسرعة.»
رفع إيان طرف منامتها البيضاء.
في اليوم التالي لعودتهما من لندن، زار آل دالتون قصر دونفيل بارك. لم تكن زيارتهم أمرًا غريبًا، إذ اعتادوا الذهاب مرة على الأقل أسبوعيًا، لكن هذه المرة جلبت هدايا لندن فرحة خاصة.
قدّمت لورا لكل فرد من عائلة فيرفاكس هدية: بروش ياقوت أزرق للسيدة فيرفاكس، زوج قفازات صيد فاخرة للسيد روبرت، قبعة جديدة على أحدث موضة لأوليڤيا، وكتاب “شيرلوك هولمز” حديث الصدور لجورج.
كانت كلها اختيارات اعتنت لورا بانتقائها بعناية، فجلبت البهجة لكل من تسلمها.
أما إيان الصغير ودانيال فلم تستطع تسليمهما الهدايا شخصيًا. كان إيان نائمًا، بينما غادر دانيال إلى مدرسة “إيتون” منذ شهر.
وقبل رحيله، أجهش دانيال بالبكاء. فقد كانت “إيتون” مؤسسة عريقة مشهورة بصرامتها في الانضباط والدراسة، وشعر الصبي أن عالم طفولته المليء باللعب قد انهار فجأة.
رأت السيدة فيرفاكس والخال إيان أن ذهابه أمر إيجابي، فالقسوة والانضباط هناك سيقومان اعوجاج شخصيته المتمردة.
ورغم أن توقعهما كان في محله، إلا أن ذلك لم يخفف على الصبي ألم الوداع. ففضفض بحزنه لمحبوبته الآنسة لورا، خالته الجديدة.
فحاولت أن تحتضن مشاعره وتشجعه، رابطتًا بين حلمه بأن يكون بحّارًا شجاعًا وحياته في “إيتون”، إذ أخبرته أن سنواته هناك ستكون تدريبًا ليكتسب العلم والصبر والشجاعة التي ستجعله قائدًا في البحر.
م.م: احم شكرا على كل الرسائل الجميلة التي كتبتموها، و هذه أول دفعة من الفصول الجانبية ❤️
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تم فتح مجموعة جديدة للمترجمات لنشر الروايات التي نعمل عليها ولقد نشرت أعمالي بفصول متقدمة فيها، هذا هو رابط الانضمام لها يا أحلى قراء💕:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تم فتح مجموعة جديدة للمترجمات لنشر الروايات التي نعمل عليها ولقد نشرت أعمالي بفصول متقدمة فيها، هذا هو رابط الانضمام لها يا أحلى قراء💕:
التعليقات لهذا الفصل " 148"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تم فتح مجموعة جديدة للمترجمات لنشر الروايات التي نعمل عليها ولقد نشرت أعمالي بفصول متقدمة فيها، هذا هو رابط الانضمام لها يا أحلى قراء💕:
https://t.me/+Ze9Miye3D21mZWI0