أستغفر الله العظيم واتوب اليه ⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
كان عيد الميلاد هذا العام أبيض اللون. بدأت ندف الثلج تتساقط بغزارة منذ الفجر، وظلت تهبط بلا توقف حتى الصباح.
جلست لورا على السرير، تحدّق من النافذة. كانت وجنتاها تحمران دائمًا من حرارة الجو الداخلي، الذي يكاد يكون خانقًا، لكن احمرارهما اليوم كان أشد من المعتاد.
“أليس هذا رائعًا يا آنسة بندلتون؟”
الآنسة هايد، التي جلست بجانب السرير، وجهت نظرها بدورها نحو النافذة. فأومأت لورا برأسها.
“إنه حقًا رائع. لا أظن أن هناك ما هو أجمل من عيد ميلاد تتساقط فيه الثلوج.”
التفتت لورا نحو الآنسة هايد بعينين تحملان بعض الأسى.
“لولا وجودي هنا، لكنّا قضينا وقتًا جميلًا في الحفلات بالمطاعم والتسوق في المتاجر الكبرى. ماذا بوسعي أن أفعل؟ أشعر بالذنب حقًا.”
هزّت الآنسة هايد رأسها.
“وما قيمة عيد الميلاد إن لم تحتفظ الآنسة بندلتون بمكانها؟ ثم إن الخروج في مثل هذا اليوم لا يعني سوى الازدحام والمعاناة. على أي حال، أجمل أعياد الميلاد هي تلك التي تُقضى بهدوء مع أحبّائك.”
كان صوت الآنسة هايد مفعمًا باللطف والإيمان وهي تواسي لورا.
(لولا وجود الآنسة هايد، لكان زمن مرضي في الفراش عذابًا لا يُطاق.)
ابتسمت لورا نحوها بابتسامة يغمرها الحنان.
لقد مرّ ما يقارب الشهرين منذ أن استفاقت لورا من حُمّاها.
استفاقت بعد ثلاثة أيام من الحمى العالية لتجد الطبيب يقف بجانب سريرها، بوجه صارم ينظر إليها من علٍ.
“أيتها الآنسة المتهوّرة، لماذا تجاهلتِ نصائح السيدة روفر وخرجتِ؟ بل وزرتِ مريضًا محمومًا أيضًا؟ هل عقدتِ العزم على الموت؟”
“من وجهة نظر الطب، المريض الذي يقدّم النوايا الحسنة على سلامة جسده هو خاطئ. خاطئ لأنه قصّرت في رعاية الجسد الذي منحه الله! سأعاقبكِ. لن تخرجي من المنزل حتى شهر مارس القادم. ستصلين في البيت أيام الأحد، وتأكلين كعكة الميلاد هنا أيضًا. هل فهمتِ؟”
كانت لسلطة الطبيب أثرها الساحق على المرضى، فقبلت لورا الحكم بخضوع. ثم جعلها يقسم بالله وباسم والديها، وغادر.
ومنذ ذلك اليوم، التزمت لورا البيت كما أوصى. بل لم تبرح غرفتها. لم يكن ذلك وعدًا فقط، بل لأن آثار الحمى بقيت ترافقها: دوار مستمر، غثيان، وفقدان شهية جعل الحركة صعبة.
وكانت الآنسة هايد دومًا بجانبها: تسامرها، تعين السيدة روفر على الغسيل، وتقرأ لها الكتب.
“متى ستعود السيدة لوتيس؟”
“على الأرجح قبل العشاء. سأجلب معي كعكة عيد الميلاد أيضًا. عيد ميلاد سعيد يا آنسة بندلتون.”
أومأت لورا برأسها.
فكّرت: ما أعظم السعادة أن يُقضى يوم كهذا بين أحبّائك. نار دافئة، طعام شهي، هدايا متبادلة، وأناشيد ميلاد يصدح بها الجميع.
لا يوجد يوم يؤكد نعمة الحياة مثل عيد الميلاد.
(أتساءل كيف حال عائلة دنفيل بارك الآن…)
تخيّلت آل فيرفاكس وأطفالهم متحلقين حول النار الدافئة في غرفة الجلوس. تحت الأجراس الذهبية والنجوم المضيئة المعلّقة على الشجرة، يتلقى الأطفال صناديق الهدايا الكبيرة من والديهم. كان جورج ودانيال يصرخان بفرح جامح وهما يمزّقان الأغلفة، بينما أوليفيا، رغم ازدرائها لشقيقيها، ستنتظر هديتها بترقب.
أما الصغير إيان، الجالس في حضن والدته، فيمص إصبعه وهو يراقب أشقاءه بفضول.
السيدة فيرفاكس ستبتسم بفخر نحو أطفالها، ثم تلتفت إلى قريب آخر، السيد دالتون، الواقف بجانبها.
“إيان، يبدو أن الأطفال أعجبوا أكثر بالهدايا التي جلبتها. كما هو متوقع، الخال يعرف قلوب أبناء أخته أفضل من الجميع.”
لكن السيد دالتون سيشيح بوجهه ويتمتم بتذمر:
“أختي وزوجها مقصّران فحسب. لقد اخترتُ ما أوصى به البائع لأنه رائج لا أكثر.”
ضحكت لورا من مجرد تخيّل ذلك. نعم، هكذا كان دالتون دائمًا، يخفي محبته الجارفة لأبناء أخته خلف قناع متذمّر.
(سيقضي عيد ميلاد هادئًا. لديه عائلة في دنفيل بارك.)
في تلك اللحظة، دخلت السيدة روفر الغرفة، تحمل إبريق الماء وحزمة صغيرة من الرسائل.
“لقد أحضر الخادم البريد. كلها للآنسة بندلتون فيما يبدو.”
تسلمت الآنسة هايد الرسائل.
“آه، ما شاء الله، آنستنا بندلتون محبوبة بالفعل.”
وضعت لورا الإبريق على الطاولة، ثم خاطبت السيدة روفر التي كانت تعبث بالمدفأة:
“اذهبي الآن يا سيدة روفر.”
“لكن لم تحن الخامسة بعد.”
“إنه عيد الميلاد. إذا ذهبتِ الآن، تستطيعين شراء هدايا للصغار من متجر الألعاب. وتتناولين معهم عشاءً طيبًا أيضًا.”
تفاجأت السيدة روفر قليلًا، ثم ارتدت معطفها المعلّق.
“شكرًا لك يا آنسة بندلتون. إذا خرجت الآن، سأستطيع تحضير دجاجة طازجة للأطفال بدلًا من شوربة الصباح.”
“عيد ميلاد سعيد يا سيدة روفر.”
“عيد ميلاد سعيد يا آنسة بندلتون.”
خرجت السيدة روفر. وما إن أُغلِق الباب حتى قالت الآنسة هايد بحماس:
“إذن، هل أقرأ لك الرسائل حتى تصل كعكة الميلاد؟”
أومأت لورا برأسها.
وبمهارة، أخرجت الآنسة هايد أداة فتح الرسائل، وبدأت بفتح الرسائل واحدة تلو الأخرى.
كانت الرسالة الأولى من السيدة مورتون.
في مطلعها أخبرتها عن حالها: في نهاية حملها، تقيم في ريف لنكولنشاير ببيت صغير، تنتظر مولودها بفارغ الصبر تحت رعاية زوجها المحب، وتفكر في اسم مناسب لطفلها.
“…أختي العزيزة، إذا أنجبتُ فتاة فسأسمّيها بلا شك على اسمك: لورا مورتون. أليس اسمًا جميلاً؟ سأربيها لتكون سيدة راقية مثلك. وحين أتعافى، سأصعد إلى لندن، وعليكِ أن تحضري معمودية صغيرتنا كعرّابة لها. أوه، كم أفتقدك! كم أنا متوترة من حملي الأول. لو كنتِ هنا لكان الأمر أيسر. لكنني سأبذل جهدي. عيد ميلاد سعيد، واعتني بنفسك حتى نلتقي. دائمًا أختك المحبة، السيدة مورتون. ملاحظة: متى سيصدر الكتاب الذي ترجمتِه؟ سأكون في الانتظار بفارغ الصبر!”
ابتسمت لورا بخجل. لقد فاضت رسالة إليزابيث عذوبةً ومحبة، بل وذكرت أنها ستسمّي ابنتها على اسمها. رغم ابتعادها عنها نصف عام، ظل حبها لها ثابتًا لا يتزعزع.
(لو علمتِ بمرضي، لما ارتحتِ أبدًا.)
سُرّت لورا لأنها لم تُخبر أصدقاءها بمرضها.
ثم توالت الرسائل من صديقات متناثرات في أنحاء بريطانيا، كلها تحمل أطيب التمنيات بعيد ميلاد سعيد.
وكان من بينها خبر مذهل: رسالة من الآنسة جوان جنسن.
عرفت لورا أحوالها من خلال تبادل الرسائل سابقًا: فقد كانت مخطوبة لتشارلز بندلتون، والآن على علاقة برجل يُدعى جاكوب تشاننغز.
رجل يكبرها بإحدى عشرة سنة، ذو مظهر عادي، لكنه ابن كونت، مشهور بطيبة قلبه ونزاهته. غني بما يكفي ليصرف كل شبهة عن طمعه في ثروتها. التقاها في حفل أقيم في بيت آل لانس، وأحبها من النظرة الأولى، وظل يلاحقها بإخلاص حتى تغلّب على منافسيه وفاز بقلبها.
وفي هذه الرسالة، أخبرتها جنسن بأنها اشترت منزل آل بندلتون في المدينة والريف بعد أن عُرضا للبيع في مزاد عاجل بسبب الديون. وأعربت، وهي سعيدة، عن أسفها لفقدان الآنسة بندلتون لهذا البيت، لكنها أكدت أنها تعتبرها “المالكة الأصلية” للمكان، ودعتها لزيارتها متى شاءت لإبداء المشورة.
م.م: جنسن طيبة وكريمة ❤️
ابتسمت لورا امتنانًا. لم يعد لديها أدنى تعلّق بعائلة بندلتون. ولو احترق بيتهم عن بكرة أبيه، لما اهتزّ لها جفن.
فأي خبر أبهج من كون الآنسة جنسن، التي طالما حلمت بذلك المنزل، قد نالته أخيرًا؟
وبينما كانت الآنسة هايد تفرغ من قراءة الرسالة الخامسة، أخذت رشفة ماء لترطّب حلقها الجاف، ثم أمسكت أداة فتح الرسائل لتتابع.
“هاه؟”
اتسعت عيناها وهي تتأمل الظرف. تطلعت لورا بفضول. كان الظرف بلون فيروزي تحيطه زخرفة مذهّبة.
“ممن هو؟”
فتحت الآنسة هايد الرسالة بصمت. بداخلها ورقة عاجية لامعة فاخرة.
“يا إلهي! يا إلهي!”
وضعت يدها على فمها وأخذت تردد بذهول.
“ما الأمر؟”
ناولت الرسالة للورا. كانت بطاقة دعوة مكتوبة بخط أنيق:
لم تملك لورا سوى أن تشهق بدهشة، تمامًا مثل الآنسة هايد. حقًا، لم يكن هناك ما يقال سوى: “يا إلهي!”
“آنسة بندلتون، هل أقرأ جيدًا؟ السيد فيرفاكس مخطوب للآنسة لانس؟”
“نعم… يبدو الأمر كذلك.”
“لكن كيف أحبّها؟ لم يكن قريبًا منها أبدًا.”
“لقد تقاربا ببطء منذ بدأتِ استعداداتكِ للاستقلال.”
“آه، فهمت.”
غرقت الآنسة هايد في التفكير، ثم قالت:
“حسنًا، هذا منطقي. الآنسة لانس جميلة وذات طبع حسن، ومن الطبيعي أن يقع في حبها مع الوقت. لقد حالفه الحظ.”
“…هذا صحيح.”
ثم انفجرت الآنسة هايد ضاحكة.
“يا للعجب، لا بد أن السيد فيرفاكس سعيد برفضي لطلبه قبل ستة أشهر. لقد كان على وشك أن يخسر بريقه الاجتماعي لو تزوج بطاطا يابسة مثلي. كان الأجدر به أن يسجد شكرًا لي!”
ضحكت لورا بدورها، مدركة أن كلامها محض سخرية، لكن قلبها في الداخل كان يضطرب بمشاعر شديدة التعقيد.
لم يكن ذلك لأنها رأت زواج الاثنين غير لائق. فالسيد فيرفاكس رجل نبيل بحق، ثري ذو أصل كريم، وأكثر من جدير بابنة البارونيت. سيغمر الآنسة لانس بحنانه ويواصلان حياة هادئة مستقرة.
(لكن… ماذا عن الآنسة لانس؟)
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 137"