أستغفر الله العظيم واتوب اليه ⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
«لورا؟»
اندفع إيان نحو السرير، يلهث من فرط الانفعال. أمسك بكتفي لورا واقترب بوجهه من وجهها المحموم.
«هل استيقظتِ؟ هل تعرفين من أنا يا لورا؟»
كانت عينا لورا زائغتين، وأنفاسها متقطعة، والحرارة المنبعثة من جسدها لا تزال كما هي.
اغرورقت عيناه بالدموع مجددًا.
«لورا، أرجوك… قولي إنك ترينني. قولي من أكون. أرجوكِ.»
توسّل وهو ينتحب بحرقة، تنهيدة مختنقة تفلت من بين شفتيه.
رمشت لورا ببطء، ثم فتحت فمها، ليخرج منه صوت متشقق ضعيف:
«…أبي؟»
لم يصدق إيان أذنيه.
«ماذا؟»
لهثت بصوت متقطع:
«…أبي…»
انحنى برأسه. لقد كانت تهذي تحت وطأة الألم. كيف تجرؤ على أن تخلطه بالسيد شيلدون؟ فلا لون الشعر ولا ملامح الوجه بينهما أي تشابه.
ترك كتفها ليمسح دموعه المنهمرة.
لكن ما إن حرّرها، حتى قبضت لورا على ذراعه بقوة لا يصدق أنها صادرة من جسد عليل.
نظر إليها مدهوشًا. كانت عيناها فجأة حادّتين، ثابتتين.
«أبي، لا تذهب.»
كان صوتها واضحًا، نافذًا.
«ابقَ إلى جانبي. لا تتركني مرة أخرى.»
أربكته كلماتها. كان يعلم أن ما تقوله ليس سوى هذيان الحمى، لكنه وجد نفسه عاجزًا عن المقاومة.
وبشكل طبيعي، أخذ يلعب الدور الذي منحته إياه.
«لن أذهب.»
«حقًا؟»
«نعم. لن أذهب. أبي لن يذهب إلى أي مكان.»
ارتخت قبضتها ببطء، وفي المقابل ارتسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة. ابتسامة بريئة. ضحكة طفلة.
شعر إيان بالذهول.
لقد حاول مرارًا أن يتخيل لورا صغيرة، لكنه كان دائمًا يفشل. فالصورة التي يعرفها عنها هي عيناها المليئتان بالذكاء، وصوتها المهيب النبيل، وخطواتها الواثقة المتزنة. كانت لورا بندلتون في نظره سيدة أشد مهابة من الملوك.
هل كان هناك زمن ضحكت فيه لورا كطفلة بريئة؟ زمن بكت فيه وهي تدق الأرض بقدميها لأن أحدهم حرمها الحلوى؟
ومع أنه كان يدرك أن لا طفل يولد مكتمل الحكمة، فإنه لم يتصور يومًا أن لورا كانت طفلة لها طفولتها.
لكن ها هي الآن أمامه. لورا الصغيرة، تبتسم ببساطة كملاك.
«لماذا لم تبحث عني؟ لماذا تركتني عند خالي؟»
تمتمت بصوت يقطر بالندم.
«آسف… أبي كان بعيدًا. كان يعلّم الرسم لصبي في مكان اسمه وايتفيلد في يوركشاير.»
«كان بإمكانك أن تكتب رسالة.»
«لقد كتبت. كتبت أكثر من مئة. لا بد أن ساعي البريد أخطأ.»
اتسعت عيناها بدهشة.
«إذن، لم تكن تنوي التخلي عني؟»
طمأنها إيان بعطف طبيعي، كأن لويس شيلدون قد عاد إلى الحياة فعلًا:
«كيف لأبي أن يتخلى عن لورا؟ إنها أثمن جوهرة عنده. لقد ادّخر المال ليعيدك إليه. أراد أن يأخذك إلى وايتفيلد لتعيشا معًا. أراد أن يبقى إلى جوارك إلى الأبد، إلى أن تفارق الحياة من شيخوخة.»
تسعت عينا لورا، وارتجفت شفتاها، ثم ارتمت في حضنه.
«كنت أعلم ذلك… أبي لا يمكن أن يتركني! أبي يحب لورا… أبي!»
وانفجرت في بكاء حار. ضمّها إيان إلى صدره، وربّت على ظهرها الغارق بالعرق.
«صحيح. أبي يحب لورا. يحبها أكثر من أي شيء في الدنيا. يا جوهرتي الثمينة… يا ابنتي التي لا أبدّلها بالعالم كله…»
وعند همسه الرقيق، صاحت لورا بين دموعها:
«انتظرت أبي… في كل مرة ضربني فيها خالي… في كل مرة نعتني بالكاذبة واللقيطة… أبي، لماذا جئت الآن؟ لماذا؟!»
م.م: تذكرت خالها الحقير
اختنق صوته. كان يعرف أن خالها أساء معاملتها، لكنه لم يكن يدرك أن العذاب بدأ منذ طفولتها.
صرخ بحرارة:
«أنا آسف يا لورا. سأعاقب الخال جيرالد. سأجعله يبكي كما أبكاكِ.»
«حقًا؟ ستنتقم لي مما فعله بي؟»
«بالطبع!»
تضاءلت نشيجاتها قليلًا. تنشّقت وسألت:
«وهل ستصرخ فيه لأنه سرق الطعام مثل الجرذ؟»
«نعم.»
«وهل ستصرخ في وجهه لأنه طردني من غرفة المعيشة لأنه لا يريد أن يراني؟»
«نعم.»
«وهل سترميه بالمنفضة كما رمى رأسي، وتحبسه في غرفة مظلمة لا يشرب فيها إلا الماء؟»
عجز عن الكلام. كيف يمكن لإنسان أن يفعل هذا بطفلة لم تتجاوز العاشرة؟
شعر أن رأسه يغلي، وكأن الحمى انتقلت إليه. لقد قتل الخال بيديه من قبل، ومع ذلك تمنّى أن يعود بالزمن لينتقم منه مرة أخرى، بوحشية أشد.
لكن لورا لم تتوقف. أخرجت كل الجروح التي دفنتها طويلًا: الشتائم، الاتهامات الكاذبة، الضربات التي تلقّتها من الخدم بأمر خالها، السباب الذي لطّخ ذكرى والديها كلما تشاجرت مع جدتها.
أسوأ ما يمكن أن يلحقه إنسان بإنسان.
كان إيان غاضبًا، مصدومًا، ثم غارقًا في حزن عميق. لو أن هذا حدث لطفلة لا يعرفها في بلد بعيد لارتجف من الغضب، فكيف بلورا التي أحبها حتى خاطر بحياته لأجلها؟
حاول أن يسكّنها قدر ما يستطيع. كرر الوعد بالانتقام من خالها. لا، بل بمعاقبته بأقسى مما عانت هي.
«سأجعله شحاذًا. سأجرده من البيت والأرض والعائلة.»
ابتعدت لورا قليلًا. كان وجهها متورمًا من البكاء، محمومًا من الحمى، لكنها بدت في عينيه أجمل ما يكون.
م.م: عيون عشاق يا جماعة 😔
«حقًا؟»
«طبعًا. لا يوجد شيء يعجز عنه أبي.»
خفضت بصرها لحظة ثم همست:
«…لا تأخذ منزلي. لا تؤذِ عائلتي.»
«أتريدين أن أصفح عن خالك؟»
أومأت نافية.
«أين ستذهب جدتي أبيغيل إن فقدت البيت؟ رغم شجاراتنا، فهي تحب خالي.»
كاد يبكي. طبع قبلة على قمة رأسها.
«لورا الطيبة… أبي لم يحمِك كما يجب.»
أسندت رأسها على كتفه العريض. وبعد أن أفرغت جروحها، بدا وجهها مسالمًا ببراءة.
«أبي، من الآن فصاعدًا، ستظل دائمًا تحميني، أليس كذلك؟»
«نعم. سأحميك.»
«حتى لا أحزن أبدًا؟ حتى لا يلومني أحد؟»
«بالطبع.»
«إذن، عدني.»
رفعت خنصرها. تشابك خنصره معها فورًا. شدّت قبضتها بقوة طفولية جعلته يضحك.
لكن سرعان ما تلاشت ابتسامته.
وعد بألا تحزن أبدًا، بألا يُوجَّه إليها اللوم…
هل هو وعد يمكن الوفاء به حتى لو تزوجنا؟
لقد كان إيان دالتون، وريثًا وحيدًا لإقطاعية، وزواجه من لورا سيجابه رفض العالم بأسره.
تردّد قليلًا، ثم سألها:
«لورا… هل تخافين من انتقاد الناس؟»
أومأت برأسها.
«خالي يقول إن أبي وأمي كانا في علاقة آثمة… مثل الوحوش. لذلك فأنا ثمرة علاقة وحشية. منذ ولادتي وُسِمت بتلك الوصمة. الناس يشيرون إليّ بها. لا أريد أن أتألم بعد الآن. أبي، أخفني عن العالم.»
«…وإن حدث ذلك، فهل ستسعدين حقًا؟ إن لم يلمك أحد؟»
«نعم.»
ارتعشت شفتاه، وخنقته الدموع. قطرات بللت شعرها.
رفعت رأسها بقلق:
«أبي، لماذا تبكي؟ هل فعلتُ خطأ؟»
أومأ نافيًا.
«لا… فقط… سعيد جدًا برؤيتك بعد هذا الوقت الطويل… ممتن جدًا…»
مدّت يدها ومسحت دموعه.
«لا تبكِ. لا تبكِ.»
أجبر نفسه على الابتسام.
«لن أبكي. لورا قالت لي ألا أفعل، إذن لن أفعل.»
مسح وجهه بكمّه.
«لورا، لقد حلّ الليل. ماذا تفعل الفتاة الجيدة في الليل؟»
«تلعب الغميضة مع أبي.»
«يا مشاكسة.»
قرص خدها برفق. ضحكت، ثم استلقت على السرير مطيعة.
«سأغني لكِ تهويدة. غرينسليفز.»
«أحب هذه الأغنية. التهويدات الأخرى مخيفة.»
«حسنًا، أغمضي عينيك.»
أطبقت جفنيها بلطف. وضع يده على بطنها وربّت عليها بهدوء.
يا حبيبي، كم قسوت عليّ فأوقعتني جريحةً بلا رحمة وقد أحببتك طويلاً… طويلاً مانحةً الفرح لمن حولي
غرينسليفز كانت بهجتي غرينسليفز كانت قلبي الذهبي غرينسليفز كانت سروري غرينسليفز… ملاكي النبيل.
وقبل أن يكمل المقطع الأول، غرقت لورا في نوم هادئ. مدّ يده ليتحسس جبينها. كان لا يزال ساخنًا، لكن الحرارة هدأت.
نظر إليها، مغمضة العينين، كأنها في فردوس يحرسه الملائكة.
أغمض عينيه بألم.
كان يظن أنه يعرف عنها كل شيء: والديها، حبها الأول، علاقتها بخالها. لكن ذلك لم يكن سوى قشور. لم يرَ جراحها الدفينة. لم يحاول أن يفهم سبب رفضها الدائم لارتباطهما، ولماذا لم يكن أمامها خيار سوى الهرب رغم حبها له. لم يفهم قلبها الذي لم يعد يحتمل المزيد من الألم.
لقد كان قلبًا أعماه الحب، فلم يعد يرى إلا رغبته في أسرها والاحتفاظ بها إلى جانبه.
كنت أنانيًا. كنت متعجرفًا. لم أفكر إلا في نفسي.
للمرة الأولى في حياته، أخذ يلوم ذاته. طوال عمره كان عرضة لانتقاد الجميع، حتى أسرته، لكنه لم يشكك أبدًا في نفسه.
مدّ يده ورتّب شعرها المبعثر برفق.
«لن أدعك تتألمين بعد الآن. لن أدع العالم يوجّه أصابعه إليك…»
ابتسم بمرارة.
«سأتخلى عن فكرة أن تصبحي السيدة دالتون.»
م.م: 😟😔😔😔😔
ارتجفت شفتاه المبتسمتان، وغاص قلبه ثانية. ضغط بكفيه على عينيه الدامعتين.
«فقط كوني سعيدة، يا آنستي غرينسليفز الحبيبة.»
م.م: كيف حالكم يا أحلى قراء 😭😭
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
م.م: كلمة “Greensleeves” (الأكمام الخضراء) هي في الأصل عنوان أغنية فلكلورية إنجليزية شهيرة جدًا تعود إلى العصر الإليزابيثي (القرن السادس عشر).
عندما يتم استخدام “Greensleeves” كاسم حركي أو إشارة لحبيبة، فإنه غالبًا ما يكون استخدامًا رومانسيًا يستحضر أجواء الأغنية الكلاسيكية التي تتحدث عن الحب الشديد والعشق، مع تلميح محتمل إلى أن هذه الحبيبة قد تكون عصية على المنال أو مترددة في مبادلة الحب بنفس القدر.
عندما تقال لحبيبة، فإن معناها الأكثر شيوعًا ومركزيتها في الأغنية هو أنها تشير إلى المرأة التي يحبها الشاعر أو الكاتب، وعادةً ما تكون حسناء ومرغوبة، لكنها غالبًا ما تكون متقلبة أو ترفض حبه.
الأغنية الأصلية تدور حول رجل (الشاعر) يتوسل إلى حبيبته “ليدي جرين سليفز” (Lady Greensleeves) التي يصف حبه لها وتضحياته من أجلها، لكنها ترفض هذا الحب أو تطرده، حيث يقول: “Alas, my love, you do me wrong, to cast me off discourteously” (للأسف يا حبي، أنتِ تظلمينني، لأنكِ تنبذينني بلا لباقة).
التعليقات لهذا الفصل " 136"