أستغفر الله العظيم واتوب اليه ⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
“هل خيّبتُ أملكِ؟ هل تكرهينني الآن؟ هل ستهربين مني عبر المضيق، كما قلتِ في رسالتكِ؟”
“……”
“لا تفعلي ذلك. أرجوكِ، لا تفعلي ذلك. إن فعلتِ… أنا…”
عضّ شفته بأسى.
“لن أقول إنني سأقتل نفسي. مثل هذا التهديد لن يجدي معكِ، وهو ليس الطريق الصحيح. حياتكِ ملكٌ لكِ وحدك. من تختارين أن تعيشي معه، وكيف تختارين أن تعيشي، أمرٌ يعود إليكِ وحدك. لقد تعلّمتُ ألا أُجبر أحدًا على اختياري. لكن، على الرغم من أن عقلي يدرك هذا… قلبي…”
كانت رموشه السوداء مبتلّة، ربما بقطرات ثلج ذائبة، وربما بدموع.
مدّ يده اليمنى ولمس صدره الأيسر.
“قلبي لا يكفّ عن الهمس لي بأنه سيتوقف إن رحلتِ. بأنه سيكون شقيًّا إن تركتُكِ تذهبين. لورا، ألا تستطيعين اختياري؟ ألا تستطيعين أن تصدّقي أن حبي أقوى من أي قيد تفرضه علينا الحقيقة؟ ألا ترين أنكِ المفتاح الوحيد لسعادتي؟”
انحدرت دموع صافية، كندى الصباح، على وجنتيه.
“حبنا صادق. والواقع لا يمكن أن يغلب الحقيقة. لورا، لِنثق بحقيقة بعضنا.”
م.م: 🥺🥺🥺🥺❤️
لكن، ما لبث أن شعر بصمت لورا كأنه رفضٌ قاطع. بعينين يائستين أخرج منديلاً وجفّف وجهه المبتل.
“سأعود إلى وايتفيلد اليوم. الآن وقد التقيتُ بكِ وجهًا لوجه، فبقائي في باث أكثر من ذلك سيكون وقاحة.”
ثم وضع المظلّة السوداء التي اشتراها للتو في يد لورا.
“وجهكِ بارد جدًّا. خذي هذه المظلّة واذهبي. المشوار قصير إلى موقف العربة.”
ابتسم ابتسامة حزينة، ثم استدار نحو الشارع المكسو بالثلج.
في تلك اللحظة، سقطت المظلّة من يد لورا. اليد التي كانت تمسك بها امتدت فارغة لتقبض على كمّه.
التفت برأسه.
اقتربت لورا منه بخطوتين، وتساقطت الثلوج على شعرها.
“إيان.”
اتسعت عيناه دهشة؛ كانت هذه المرة الأولى التي تناديه فيها باسمه الأول وحده.
كان صوت لورا مرتجفًا بالانفعال.
“أمضيت حياتي كلّها أحاول ألّا أكون حمقاء. لكنني الآن لا أرى في الحماقة شيئًا سيئًا.”
“……ماذا؟”
امتلأت عينا لورا بصورة إيان.
“إيان، بالنسبة لي أنت أيضًا…”
لكن، في تلك اللحظة، ارتجف حاجباها، ومالت بجسدها كما يميل برج بيزا المائل.
أسرع إيان واحتضن جسدها المتداعي.
كان صدره صلبًا ثابتًا، كما كان حين وجد قبر والده وانهارت بين ذراعيه.
لورا لم تفعل أكثر من أن أغمي عليها.
“لورا! لورا!”
هزّها بجزع.
“صحيح… لورا مصابة بالزكام!”
خلع قفازيه وأخذ يمسح وجهها براحتيه. البشرة التي ظنّها محمرّة من البرد كانت حامية، كجمرة تُنتزع للتو من موقد.
“اللعنة! اللعنة!”
رفع لورا بين ذراعيه في لحظة، واندفع نحو موقف العربة. كانت لورا بين ذراعيه بملامح هادئة، وابتسامة رقيقة مطمئنة تعلو وجهها.
تألّق شعر لورا الكستنائي تحت ضوء الغروب فوق وسادة بيضاء.
كان وجهها الشاحب، بلون الرخام، محمرًّا كالورد. أما شفاهها، التي كانت دومًا وردية خجولة، فقد احمرّت كجلدها، وظلال رموشها الطويلة المنسدلة فوق عينيها المغمضتين منحتها عمقًا غامضًا يكاد يبعث على الإعجاب.
ممدّدة في الفراش، بدت فاتنة. لكن جمالها كان جمالًا مريبًا، مشبعًا برائحة الموت. بشرتها المتورّدة كانت تلمع بالعرق، وأنفاس متقطّعة محمومة تخرج من شفتيها الصغيرة الجميلة.
أخذ الطبيب، المنحني فوقها لقياس حرارتها، يهزّ رأسه بوجه مكفهر.
“إنها حُمّى متوسطة. حين زرتُها آخر مرة، لم يكن سوى زكام يزول بعد أسبوع من الراحة. كيف تدهورت حالتها هكذا؟”
أجابت الآنسة هايد، الواقفة عند حافة السرير بوجه قَلِق: “زارت ابنة صديق لي، وكانت مصابة بحمى.”
نقر الطبيب بلسانه امتعاضًا. “لا بدّ أنها حُمّى معدية. زيارة مريض بالحمى وأنتِ لم تتعافي تمامًا أشبه بدخول الموقد محمّلة بالحطب.”
“حياتها ليست في خطر، أليس كذلك؟”
سألت السيدة لوتيس، التي كانت واقفة بجانب هايد.
“لا أستطيع الجزم. سنعرف بحلول الصباح. هذه الليلة ستحدّد مصيرنا.”
خيّم الصمت عليهما، وقد لمسا في كلمات الطبيب ظلّ الموت.
أعطى الطبيب عدة تعليمات للممرضة السيدة روفر.
لكن الأخيرة لم تُبدِ ذرة انفعال أمام مريضة على حافة الموت. بثلاثين سنة من الخبرة كقابلة وممرضة، كانت امرأة قادرة وحدها على معالجة عشرة مرضى بالحمّى.
التفت الطبيب إلى الآنسة هايد والسيدة لوتيس: “الأعراض واضحة، إنها معدية. من فضلكم، اخرجوا جميعًا ما عدا الممرضة.”
غادروا الغرفة بعد أن ألقوا نظرات قَلِقة على لورا المريضة.
وحين تلاشت خطواتهم، التفت الطبيب إلى زاوية الغرفة. “أيها السيد، أرجوك غادر أنت أيضًا.”
لكن الرجل المقصود، إيان دالتون، لم يتحرّك.
منذ أن حمل لورا المغمى عليها، جلس على الأريكة في إحدى الزوايا، مرفقيه على ركبتيه، يداه متشابكتان، وشفته متيبسة بصلاة صامتة.
“لن أخرج.”
أجاب بصوت متصلّب. كان وجهه شاحبًا كالميت، وعيناه محمرّتين بالدموع، مثبتتين على لورا منذ دخوله الغرفة.
“حتى الرجل الصحيح البدن قد لا ينجو إن أصيب بهذه الحمى. رجاءً، غادر.”
“لا تهمّني حياتي.”
“أتقصد أنك مستعد أن تموت أيضًا، أيها السيد؟”
“لا أنوي الفرار إلى الأمان بينما هي تكافح. إن كانت على حافة الموت، فمن واجبي أن أكون في موقف مماثل.”
م.م: 😭😭😭😭😭😭 إيان
يا إلهي، ها هو روميو!
تنهد الطبيب وأوصى السيدة روفر: “أبقي عينيكِ عليه، وتأكدي ألا يقترب منها.”
“اطمئن.”
ثم خرج الطبيب وحقيبته الطبية في يده.
بدأت السيدة روفر تضع كمادات الماء البارد على وجه لورا، وتسقيها قليلًا من النبيذ والماء الدافئ لتخفيف الحمى.
ومع مرور الوقت، اشتد لهاث لورا. راحت تتقلب برأسها كمن تطاردها كوابيس، تتنفس بصعوبة، حتى إنها ضربت صدرها بيدها.
عندها، بدأت السيدة روفر تغنّي. كانت الأغنية الشعبية “جرينسليفز”.
ارتفع صوتها العذب في الغرفة، كأنها تهدهد مريضة في مهد. وغنّت بلا انقطاع، فيما تواصل مسح العرق عن وجه لورا وسقيها قطرات من الماء والنبيذ.
وحين نفد الماء والنبيذ، وحمِي ماء الدلو، التفتت إلى إيان: “هل تغنّي لها قليلًا حتى أعود؟”
قفز من مكانه: “أنا؟ أيمكنني ذلك؟”
“لا يهمّ من يغنّي. المهم هو اللحن نفسه. الأغاني الشعبية تُعيد المريض من حافة السماء إلى الأرض. أمّا التراتيل الدينية فهي تدعو الروح إلى السماء. قف إلى جانب سريرها وغنِّ “جرينسليفز”. لكن لا تقترب أكثر.”
غادرت السيدة روفر.
اقترب إيان بخطوات حذرة حتى مسافة قدمين من السرير. لم يكن خوفًا من العدوى، بل خوفًا من نفسه، من أن يعجز عن منع ذراعيه من احتضانها.
كانت لورا تحترق بالحمّى.
“… قهوة مثلجة…” تمتمت في هذيانها.
انقبض قلبه ألمًا. جرت دموعه الساخنة من عينيه المحتقنتين. كان مستعدًّا أن يبذل ثروته، شبابه، حتى حياته، مقابل أن يحمل حُمّاها عنها.
م.م: ليش ترفع معاييرنا أكثر ليييش 🥺
“لورا… لن أطلب منكِ أن تختاريني بعد الآن. فقط… عيشي. أرجوكِ.”
ثم حرّك شفتيه. كان لحنًا سمعه أول مرة من مُربيته وهو طفل. أغنية ما زالت نساء الريف يتغنين بها أحيانًا: “جرينسليفز”.
لكن صوته كان مبحوحًا، مشوبًا بالبكاء. فكيف يغني بإتقان من يختنقه البكاء؟
كانت دموعه تتساقط كالمطر، تطرق الأرض بنغم حزين. بالكاد أنهى الأغنية، أخرج منديلاً ليمسح وجهه، وهمّ أن يغنّي من جديد.
وفي تلك اللحظة… فتحت لورا عينيها.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 135"