أستغفر الله العظيم واتوب اليه ⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
كان نبيلاً بالميلاد، الابن الأكبر لعائلة تمتد لثمانية أجيال. رجل من طبقة النبلاء المثقفة، التحق بالمدارس العامة المرموقة ثم بجامعة كامبريدج، ومالكاً محترماً للأراضي في بلدته. أما أنا، فلا شيء. رجل متواضع بلا إرث، نصف نجاحي يعود إلى السيدة غرانتهارد وحماي. ومهما بلغت موهبتي، لو لم يقدما لي فرصة في قضية كبرى، لبقيت مجرد محامٍ عادي.”
قالت لورا بهدوء: “لا أفهم سر شعورك بعدم الأمان. سمعتك في أرجاء المملكة المتحدة كلها مشهورة.”
خفض رأسه وأضاف بمرارة: “عقدة نقصي الأبدية أنني لا أملك سوى قدراتي. هل يمكن في بريطانيا اليوم أن يصبح المرء محامياً عصامياً؟ قدري أن أُجرّ وراء الأقوياء ما حييت.”
شبك يديه كمن يصلي وقال: “مجرد التفكير في التنافس معه كان كافياً لإشعال نيران عقدة النقص داخلي. أخجل من نفسي. كان عليّ أن أكون صريحاً معك. لم يكن ينبغي أن أؤذيك مجدداً. سامحيني يا لورا… انسَي كل ما قلته، حتى طلبي الزواج منك.”
التفتت لورا تنظر إليه، والتقت عيناهما في الهواء. كان بصره وحيداً، غارقاً في العزلة.
قال بصوت متهدّج: “أحببتك منذ اللحظة التي رأيتك فيها. وما زلت أحبك، وسأظل كذلك دائماً. لكنني أتنازل عن أمل استرجاعك. إيان دالتون زوج رائع… تزوجيه.”
رفعت لورا حاجبيها قليلاً: “ألم تقل إنه زواج لا يناسب طبقته؟”
ضحك بخفة ممزوجة بالندم: “كان ذلك هراءً سخيفاً. الرجل الذي اخترتِه هبة من الله. إيان دالتون واحد من القلة القليلة الذين يستحقون تلك النعمة. إنه يحبك حباً صادقاً، مستعد لأن يضحي بحياته لأجلك.”
خفضت لورا بصرها: “ليس هذا وقت الحديث عن ذلك.”
ظل يحدق في الموقد المطفأ، ثم نهض وتقدّم نحوها. وقف أمامها مباشرة، ينظر إلى أسفل حيث تجلس.
“أتذكرين أول مرة التقينا فيها يا لورا؟”
جثا على ركبته وأخذ يديها بلطف بين يديه: “كان ذلك في حفلة راقصة في أوج الموسم الاجتماعي. شعرتِ بالدوار من هواء القاعة الخانق، فساعدتك على الخروج إلى التراس. جلستِ على الكرسي، وجلست أنا أمامك، أمسّك يدك هكذا.”
ضغط على يدها برفق. ابتسمت لورا بخفة: “تساءلت يومها: لِمَ يفرك يدي وأنا لست متعبة أصلاً؟”
ابتسم بأسى: “الحمد لله أنك لم تسألي. لو أخبرتني بذلك لتركتك خجلاً في الحال. تحدثنا ساعة كاملة تلك الليلة… ثم رحلتِ لتفي بموعدك مع فارس آخر ترقصين معه الفالس. بقيت جالساً في مكانك حتى انفضّ الحفل.”
وتذكرت لورا هي الأخرى. حتى وهي ترقص الفالس، شعرت بوخزة ندم، وتمنت لو طالت أحاديثهما أكثر.
تابع قائلاً: “في اليوم التالي كنت أتمشى في هايد بارك، أفكر في تلك السيدة الشقراء التي التقيتها في الليلة السابقة، وأتمنى أن أصادفها. وتحقيقاً لرجائي، وجدتكِ هناك بثوبك الأبيض ومظلتك الخضراء الفاتحة. عندها عرفت أنني أحبك.”
ابتسمت لورا: “لذلك بدا وجهك مشرقاً وقتها.”
“إذن تذكرين ذلك أيضاً.”
“بالطبع. النساء أيضاً يعتزن بذكريات الحب الأول، وإن لم يكن بقدر الرجال.”
صمت لحظة، ثم قال بصوت تغشاه الرغبة في المستحيل: “ما أجمل لو كان حديثنا هذا مناجاة هادئة نتبادلها في ليالي الأرق ونحن زوجان مسنّان… كنت أحلم أن ننجب سبعة أطفال يشبهونك.”
ضحكت لورا بخفة وقالت: “الحمد لله أنني لم أتزوجك.”
فضحكا معاً.
قال بعدها بجدية مفعمة بالحنين: “شكراً يا لورا. شكراً لأنك منحتني أجمل ذكريات شبابي. وآسف… آسف لأنني تركت في قلبك جرحاً لا يندمل. أدعو الله أن يهبك السعادة مستقبلاً، حتى ولو كانت مع رجل آخر.”
انحنى وقبّل ظهر كفيها.
وأثناء قبلة جون آشتون، شعرت لورا أن جراح الماضي تتلاشى ببطء.
م.م: الحمد لله
لطالما كان الماضي بالنسبة لها ألماً خالصاً، لكن ذكريات الحب الأول الذي عاشته في السابعة عشرة، وقد ظهرت فجأة في مكان اندملت فيه الجروح، بدت مشرقة ساحرة. حب أول مرتبك، لكنه مليء بالرجفة والعاطفة. تلك الأيام باتت أنقى ذكرياتها على الإطلاق.
خسارة. ملامة. إحباط. كلها تلاشت أمام نور الذكرى.
مررت لورا يدها على شعره الأحمر، وقالت بإخلاص: “أنا أسامحك.”
وفي تلك اللحظة انفتح باب الغرفة فجأة، ودخلت السيدة تشيلسي بوجه تغمره الانفعالات وهي تهتف: “انخفضت الحرارة! يا إلهي، لك الحمد!”
استفاقت سيسيليا في الصباح.
بقيت لورا بجانب الطفلة طوال اليوم؛ تمسح عرقها، تطعمها، تدلّك أطرافها الصغيرة، وتكمل لها ما تبقى من “دراسة بالقرمزي”.
غفت الطفلة مساءً بوجه ملائكي وادع.
حينها خرجت لورا من الغرفة. فقد حان وقت العودة إلى منزلها.
ناداها جون آشتون وهو يتبعها إلى الخارج: “لورا… شكراً لك.”
ابتسمت وقالت: “لا بأس. سأعود بعد أسبوع. حينها ستكون سيسيليا قادرة على عزف شوبان لي.”
مدّ يده نحوها: “وداعاً يا صديقتي العزيزة.”
صافحته لورا: “إلى اللقاء… ابقَ بخير، يا صديقي جون آشتون.”
وغادرت.
م.م: وانتهينا من جون والحمد لله.
لكنها، وهي تسير في الرواق، كانت تدعو الله أن تجد عربة في انتظارها أمام الفندق. لم تُظهر ذلك أمام آل آشتون، لكنها كانت مرهقة للغاية. في الحقيقة، كانت مريضة هي الأخرى.
منذ الظهيرة بدأت تشعر بضعف قواها. راحت طاقتها تتلاشى، وشهيتها تفتر، وبحلول المساء صارت تشعر بالدوار وتضحك ميكانيكياً لأي حديث يوجّه إليها. الحرارة بدأت تعاودها من جديد.
هبطت السلالم بصعوبة. ركبتاها ترتجفان عند كل درجة، تمسكت بالدرابزين حتى بلغت الطابق الأول.
طلبت من البوّاب أن يستدعي لها عربة.
نظر إليها البوّاب بحرج وقال: “آه، ما العمل يا سيدتي؟ لقد انتهى عرض الأوبرا القريبة لتوّه، ومع هذا الطقس، من العسير العثور على عربة مستأجرة.”
التفتت لورا نحو الزجاج لترى خارجاً. كانت الثلوج البيضاء تنهمر بغزارة على شوارع باث المظلمة.
“أول ثلج في العام… وكان لا بد أن يسقط اليوم بالذات.”
ابتسم البواب معتذراً.
خرجت لورا ووقفت تحت مظلة الفندق العريضة، تنتظر العربة.
مرّت عشر دقائق، بل عشرون، ولم يبدُ أي أثر لعربة واحدة.
البرودة الزاحفة من الأرض جعلت قدميها تتجمدان، والريح القارسة صفعت وجهها. رغم ملابسها الثقيلة، بدأ البرد يتسلل إلى أعماقها، والحُمّى تتفاقم.
تغشّى رأسها ضباب، وبدأ وعيها يتلاشى.
(ماذا أفعل الآن؟)
أخذت نفساً عميقاً وحاولت التفكير. إن بقيت واقفة ستسقط. لكن لا يمكنها أن تمشي في هذا الثلج حتى تصل إلى فندق لورليا.
(صحيح… هناك متجر مظلات قريب. يبعد شارعاً واحداً فقط. سأشتري مظلة وأذهب إلى محطة العربات حيث تتجمع المركبات.)
اندفعت، وهي محمومة، نحو الشارع دون أن تفكر أنها كان بإمكانها استعارة مظلة من الفندق أو من غرفة جون آشتون.
تناثر الثلج على شعرها العاري، وأذابته برودته. صفعت رقائق الجليد وجهها، فخبأته وراء وشاح السمور. مرّ السادة مسرعين يرفعون ياقة معاطفهم، والعشاق يتقاسمون مظلة واحدة، بينما لم ينتبه أحد إلى تلك السيدة المترنحة في معطفها المخملي ووشاحها الفاخر.
أخيراً ظهر متجر المظلات. كان مزدحماً بالزبائن، إذ لم يتوقع أحد أن يهطل الثلج في نوفمبر.
دخلت لورا المظلّة لتزيح الثلج عن ثيابها، ثم نظرت إلى واجهة المتجر. انعكس وجهها على الزجاج، وكان متورداً احمراراً شديداً.
(لم أكن هكذا حين أصبت بالبرد أول مرة…)
مدّت يدها لتفتح الباب.
وفجأة، رنّ الجرس، وخرج رجل بمعطف خفيف.
نظرت لورا إلى عنقه النحيل، ثم إلى فكه وأشفاره الدقيقة، إلى أنف مستقيم، وعيون داكنة…
“لورا؟”
كان السيد دالتون واقفاً أمامها.
تجمد الزمن بينهما وهما يتبادلان النظرات.
دخل بعض الزبائن وخرج آخرون، متذمرين من الشاب والفتاة اللذين يحجبان المدخل. لكنهما لم يشعرا بشيء. لم يكن في العالم سوى أعينهما المتلاقيتين.
م.م: إياااان 😭😭😭😭
بعد لحظة، أفاق دالتون أولاً. أمسك ذراعها برفق وقادها إلى الجانب.
“لورا…”
كان وجهه شاحباً، نحيل الملامح، كوجه مريض بالسل، ومع ذلك بقيت ملامحه رقيقة، مليئة بالود.
قطّب جبينه وقال: “أيعقل أن لقاؤنا يدهشك هكذا؟”
لم تجبه لورا. كانت تنصت فقط، تحدق في شفتيه وهما تتحركان.
قال: “لابد أنك غاضبة مني. توسلت إلي ألا أتبعك، ومع ذلك جئتِ إلى باث. أمسكت بي وأنا أراقبك، وأفزعتك، ثم دخلت في شجار مع حبك الأول.”
لم تفهم لورا ما يقوله، فقط كانت تصغي لصوته.
“لكنني أقسم أمام الله أنني لم أخض قتالاً مخزياً. ولم أراقبك منذ يوم لقائي بجون آشتون. هذه المرة فقط تبعتك إلى فندق بانيس لأنني رأيتك تركبين العربة مع جون، رغم مرضك، فقلقت عليك…”
وفجأة توقف، وخفض رأسه، واضعاً يده على جبينه.
“اللعنة… لقد اكتشفوا أنني كنت أراقب مدخل الفندق. يا لي من أحمق…”
اشتد تساقط الثلوج. ملابسها بدأت تبتل، والبرد ينخر جسدها، والحمى تتصاعد. لكن لورا لم تكترث.
رفع دالتون رأسه من جديد. كان وجهه على وشك الانفجار بالبكاء.
حسابي على أنستا ksel081
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 134"