أستغفر الله العظيم واتوب اليه ⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
ضحكت لورا بمرارة، يتنازع قلبها مزيج من الإعجاب واللاجدوى.
تلاشت ابتسامها شيئًا فشيئًا، وحلّ محلّه طيف آخر… السيد دالتون.
وهي ممددة على السرير، راودتها صور له في “وايتفيلد”: منهمكًا في مكتبه، يسير بين أشجار التفاح، يدخن سيجارًا بهدوء، أو يجلس قرب النافذة يرسم بخطوطه الواثقة.
وفي مثل هذه اللحظات، كان قلب لورا ينقبض كمن أصيب بوجع دفين.
شعرت أنها لم تعد قادرة على كبح مشاعرها نحوه. لم تعد تستطيع مقاومة الرغبة في البوح بحبها له، حتى ولو كان ذلك في رسالة، رسالة تنفجر منها عاطفة جارفة لا يردعها عائق.
م.م: اكتبي بليز يا لورا تعبنا معك
لكنها كانت منهكة، مثقلة بنزلة برد، ومحاطة دومًا بأناس يرعونها. لم تكن تملك قوة لكتابة خطاب حب، ولا فرصة للانفراد بنفسها.
وفوق كل ذلك، كانت روحها مثل جدول ماء صغير، يحتاج وقتًا لينساب.
فمنذ السابعة عشرة، يوم هربت مع حبيبها لتعود منكوبة بجرح قاسٍ، تعوّدت أن تمشي بحذر. لذا، فإن الإقدام على الحب بالنسبة إليها كان يتطلب عزيمةً أشد من أي إنسان عادي.
«لو أستطيع أن أصير طائرًا وأطير إليه الآن… لو أستطيع أن أفتح له قلبي المتقد بلا قيود…»
ورغم أنها كانت امرأة ناضجة، تعرف نفسها وتتقبل طبيعتها، إلا أنها كانت تغبط العشاق الجريئين في الحب.
هزّت رأسها عائدة إلى غرفتها. لكن فجأة، دوّى طرقٌ خفيف على باب غرفة الضيوف.
“تفضل.”
دخل خادم بزي رسمي وانحنى احترامًا.
“جئت لأن أحدهم يبحث عن الآنسة لورا بندلتون في الأسفل.”
نظرت لورا إلى ساعتها، فكان الوقت يقترب من العاشرة ليلًا.
“من؟”
“إنه السيد جون آشتون.”
تحوّل وجهها فورًا إلى البرود.
“قل له أن يعود من حيث أتى.”
“لكنه يحمل رسالة لكِ.”
“أعدها معه.”
انحنى الخادم مرة أخرى وانصرف.
عادت لورا إلى غرفتها، وركعت أمام السرير، وأغمضت عينيها لتؤدي صلاتها كما اعتادت كل ليلة.
تمنت السعادة لمن أحبّت: جدتها في السماء، أساتذتها، أصدقاءها الموزعين في أرجاء إنجلترا، الآنسة هايد والسيدة لوتيس… وللسيد دالتون، أيًّا كان.
«و… سيسيليا.»
وخزها ندم على قسوتها في الانفصال عن سيسيليا. يومها كانت غاضبة إلى حد لم تترك فيه مكانًا لمشاعر الآخرين. ولا شك أن الصغيرة تألمت.
لكنها لم تستطع الذهاب للاعتذار، لأن ذلك يعني مواجهة جون آشتون من جديد. ولم يكن في قلبها أي استعداد لرؤيته.
لذلك، أطالت الدعاء لسيسيليا، لعلها تبرئ ذمتها أمام الله.
وحين انتهت من صلاتها وهمّت بالنوم، دوّى طرق جديد.
ارتجفت، وخرجت إلى غرفة الجلوس. كان الطرق يعلو ويشتد على باب الغرفة. هرعت لتتأكد من القفل… فهالها أنه مفتوح. اعتاد الخدم تركه كذلك لكثرة دخولهم بالطعام والشراب.
أسرعت فأغلقته. طَقّ!
وتوقف الطرق في اللحظة نفسها.
“لورا؟”
حبست أنفاسها. لقد كان صوت جون آشتون.
“لورا… أليس كذلك؟”
تراجعت إلى الخلف.
“لورا، افتحي. سأبقى هنا حتى تفتحي.”
تسلل إليها خوف بارد، وتذكرت ما حدث لساق لوتيس. ألم يُطلق النار عليها خاطبٌ مرفوض؟
«هل هذا أيضًا…؟»
خطت نحو جرس الحراسة لتطلب الأمن، لكن صوته تواصل متوسلًا:
“سامحيني. أعلم أنك غاضبة لأنني جئت متأخرًا… لكني لم آتِ لأستعطفك مجددًا. لقد صحوت إلى رشدي… أرجوك…”
ثم فجأة صرخ:
“……سيسيليا تحتضر!”
توقفت لورا في مكانها.
ومن خلف الباب، جاء بكاؤه، عويل ممزق، كأن وحشًا فقد صغيره.
في تلك اللحظة، خرجت السيدة لوتيس بشعره المبعثر، وقد قُطع صفوها.
زمجر: “تبًا، أي صبي معتوه يحدث جلبة عند باب غيره!”
فرأت لورا متسمرة عند الجرس.
“آنسة بندلتون، لماذا لا تدقين؟”
“……سيدة لوتيس، هذا ضيفي.”
“من؟ إيان دالتون؟”
“السيد آشتون.”
“هل تنوين مقابلته؟”
“……”
“إن لم تريدي أن تصبحي مثلي، استدعِ الأمن.”
لكن من خلف الباب جاء الصوت المبحوح:
“ابنتي تموت.”
لوتيس سخرت: “لا تصدقيه. بالأمس ادّعى أن جده هو من مات كي يقتحم بيتي!”
لكن آشتون واصل: “لست ممن يبيع ابنته في سبيل امرأة!”
عندها، صمتت لوتيس لحظة، ثم عادت إلى غرفته وخرجت وفي يدها مسدس. ناولتها إياها خفية.
م.م: لوتيس ما معها مزح
أومأت لورا، وأخفت السلاح وراء ظهرها، ثم فتحت الباب.
كان جون آشتون راكعًا على العتبة، وجهه ملطخ بالدموع والمخاط.
“لورا، لقد أخطأت. أرجوك تعالي. سيسيليا، طفلتي الوحيدة، تحتضر. الطبيب قال إنها على فراش الوداع… أرجوكِ!”
“كيف وصل بها الحال؟”
هز رأسه باكيًا.
“……خرجت تبحث عنكِ… تسللت بخريطة… وضاعت في شوارع باث، ثم ابتلت بالمطر…”
وضرب رأسه بالأرض.
“لو لم أقل لكِ تلك الكلمات القاسية… لكنتِ معها الآن. كل هذا ذنبي… ذنبي وحدي!”
ارتجف جسده وهو ينشج، فيما التفتت لورا إلى لوتيس التي كانت تعبث بأمان المسدس. ثم همست:
“سأخرج قليلًا.”
“ليست فكرة جيدة.”
“سأتدثر جيدًا. لو ماتت الطفلة وأنا متقاعسة، لن أحتمل الذنب.”
وافقت، وخرجت مع آشتون. كان البرد قد انقلب شتاءً قارسًا.
في العربة، تجمدت أنفاسها في الهواء، واخترقت البرودة ثيابها الكثيفة.
وحين وصلا إلى فندق “بانيس”، صعدا مسرعين.
كان الطفل مسجّى على السرير، يتصبب عرقًا، وأنفاسه المتقطعة تلهث من شفتيه الصغيرتين.
“ابنتي…”
جلس آشتون عند رأسها، وأمسك يدها الغضة المبللة بالعرق.
“لورا هنا… صديقتك هنا.”
لكن الصغيرة لم تجب. فقبل آشتون يدها يائسًا.
“افتحي عينيكِ، صغيرتي. لم نكمل بعد دراسة في القرمزي… لم أعزف لكِ بيتهوفن… أرجوكِ.”
قال الطبيب بجدية وهو يقف إلى جوار السيدة تشيلسي: “لقد التهمتها الحمى. وعيها غائب. سنبذل قصارى جهدنا… لكن لا أمل كبير.”
انهارت ركبتي آشتون، وأجهش بالبكاء ممسكًا يد طفلته.
انسحبت لورا إلى غرفة الجلوس، لكنها لم تستطع الهروب من صوته الممزق.
جلست تغطي أذنيها بكفيها، قلبها ينفطر.
لم تستطع أن تغفر له إهاناته، ولا غباءه الذي أودى بزوجته. لكنه كان أبًا، أبًا يعشق ابنته أكثر من حياته.
«إلهي، هو خاطئ، لكنه ليس مجرمًا. لا تعاقبه بهذا الشكل. ارحمه.»
كانت تلك أول صلاة ترفعها من أجل جون منذ زمن طويل.
خرج آشتون عند الفجر، وقد شاخ عشر سنوات في ليلة واحدة.
رأت لورا وجهه، فعرفت أن سيسيليا لم تعد على قيد الحياة.
م.م: ماتت؟!!! 😟😟😟
انهارت كتفاها، وعيناها على المدفأة التي خمد جمرها.
جلس بعيدًا عنها، أشعث منكسرًا، أشبه بشبح تائه.
لم تملك أن تواسيه، لكن صوته المبحوح اخترق الصمت:
“لورا…”
التفتت إليه، وكان رأسه يتدلى.
“أريد الاعتراف.”
“……تحدث.”
“كذبت عليك. إيان دالتون لم يهاجمني بلا سبب. صحيح أنه طلب مني الابتعاد عنك، لكنه كان كريمًا، مهذبًا. لو لم أكن أنا الساخر الشاتم، لما لمسني.”
سكت قليلًا، ثم تابع:
“أنا محامٍ، متعود أن أستخدم كل وسيلة لأربح. فعلت ذلك معك أيضًا. بترت الحقائق، لوّحت بالعاطفة، استعملت الإقناع والمهانة. ادعيت أن الدافع كان الحب… لكن، أي حبٍ هذا؟ كانت وسائلي قذرة.”
سألته ببرود: “ولماذا تعترف الآن؟”
ابتسم بمرارة: “أشعر أني إن تبت، سيصنع الله معجزة.”
أومأت لورا: “إذن، تابع. فأنا أيضًا أترقب المعجزة.”
فابتسم ابتسامة شاحبة، وبدأ يقصّ عليها خطاياه، من رغيف سرقه جائعًا صغيرًا، إلى قضايا سحق فيها المستضعفين من أجل موكليه… لكن أكثر ما أثقله، وكسّر قلبه، كان غيرته المميتة من إيان دالتون.
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 133"