أستغفر الله العظيم واتوب اليه ⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
في هذه المدينة الجميلة، كنت أعيش كل يوم حياة مليئة بالرضا، وأكسب مالًا لم أكن أتخيل من قبل أن أحصل عليه.
وليس ذلك فحسب، بل إنها كانت تكتب رواية.
خلال أيامها في البيت الضيق حيث كانت تُعامَل كعبء من قِبل عائلتها، لم يكن أمامها سوى أن تدون مذكراتها في دفتر يومي. كان ذهنها أسيرًا، والإبداع الحر أمرًا مستحيلًا على روح مقيدة.
لكن بعد أن حصلت على عمل وبدأت تعيش وحدها، أخذت تكتب شيئًا فشيئًا مختلف الأفكار التي تخطر ببالها إلى جانب يومياتها. كانت تلك أفكارًا تصلح، لو صيغت بعناية، أن تصبح قصصًا جيدة.
وفي اليوم الذي التقت فيه بالسيدة لوتيس، بدأت بكتابة الصفحة الأولى من روايتها.
وبعد ثلاثة أشهر من وصولها إلى باث، كتبت الآنسة هايد عبارة النهاية في آخر روايتها. كان ذلك ليلة البارحة.
لو عرضتها على السيدة لوتيس، لرتبت على الفور مع ناشر. ولو عرضتها على الآنسة بندلتون، ربما حصلت على نصائح نافعة.
لكن الآنسة هايد ترددت في أن تعرض روايتها على أحد. في الحقيقة، كان يراودها أن تدفنها للأبد، إذ إن الكثير من ذاتها الداخلية قد انسكب بين سطورها.
احمرّ وجه الآنسة هايد وهي تستعيد في ذهنها محتوى الرواية. لوّحت بيدها لتُهَوّي على نفسها، وأسرعت في خطواتها.
“جاين.”
كانت قد مشَت حوالي مئة متر من المقهى حين سمعت صوتًا يناديها من داخل عربة. استدارت لترى السيد روتيس يطل من نافذتها.
«إنها تحتسي النبيذ الدافئ وتنام كالملاك. مسكينة… كيف أضاعت معطفها…»
«أجل، هذا صحيح.»
ابتسمت الآنسة هايد ابتسامة عريضة، مختلفة عن تلك التي تُبديها مع السيد دالتون. فكل مرة يُبدي السيدة لوتيس لها معروفًا، كانت تشعر وكأنها تطفو على غيمة من السعادة.
أما السيدة لوتيس، فقد بدا عليها الضيق. أخرجت علبة سجائر من معطفها وأشعلت واحدة.
«قلتِ إنك ستشربين فنجان قهوة وحدك. هل كان ذلك في الحقيقة موعدًا مسبقًا؟»
«آه…»
على ما يبدو أنها قد رأت السيد دالتون وهو يغادر المقهى. خدشت الآنسة هايد مؤخرة عنقها بارتباك.
«في الواقع، لم يكن ينبغي أن يُكشف أمره. إنه السيد دالتون، الرجل الذي يُقال إنه واقع في حب الآنسة بندلتون.»
أشعلت السيدة لوتيس عود ثقاب، وقالت بحدة: «ولماذا يبحث عنك؟»
«كان يود سؤالي عن أحوال الآنسة بندلتون مؤخرًا.»
«أها.»
سحبت السيدة لوتيس من سيجارتها، ونفثت دخانًا خفيفًا من بين شفتيها الحمراء.
«أراد أن يسألك عن الآنسة بندلتون؟ حسنًا… فهمت.»
أومأت السيدة اوتيس، لكن ملامحها لم تكن مقتنعة، بل عابسة.
سألتها: «هل هناك ما يزعجك؟»
هز رأسه.
«وماذا عن لقائه؟ هل ما زال حبه المشتعل للآنسة بندلتون قائمًا؟»
«نعم، أظن ذلك. يبدو أنه قلق يوميًا من احتمال أن تتزوج السيد آشتون وتتركه خلفه.»
«عليكِ أن تحذري يا جاين. ربما يتقدم لخطبتك بدافع الغضب.»
قفزت الآنسة هايد فزعة: «أي هراء هذا…!»
قالت بابتسامة جانبية: «بعد أن يُرفَض الرجل من امرأة، قد يعرض الزواج على أول امرأة يجدها بقربه ليستعيد كبرياءه.»
«إنها أغبى حكاية سمعتها!»
«ولماذا؟»
«كيف يمكن لرجل أحب امرأة مثالية مثل الآنسة بندلتون أن يحبني؟ أنا لا أستطيع حتى أن أبلغ مستواها.»
«إذن، إن تقدم لك، قد تقبلين؟»
اتسعت عينا الآنسة هايد: «كيف تحوّرت القصة بهذا الشكل؟!»
«لم تقولي إنك سترفضينه على الفور.»
«لا يهم إن كنتُ سأرفض أم لا. هو لن يتقدم لي أصلًا، فما أهمية رأيي؟»
«إنها شخص لا يمكنني فهمه.»
رغم إعجابها بها، كان مزاجها المتقلب يتركها في حيرة وقلق.
ولذلك، لم تعد تملك الجرأة على عرض مخطوطها عليها.
«هل يمكن لأحد أن يأخذ على محمل الجد رواية كتبتها كلبته الأليفة؟ لا، سيجدها مثيرة للسخرية.»
فقدت شجاعتها حتى لمجرد التفكير بالأمر.
«لولا السيدة لوتيس، لما كان لديّ سوى شخص واحد أستطيع أن أعرض عليه مخطوطي.»
تنشّقت بعمق رائحة السيجار العطرة المنبعثة منه، ثم عزمت أمرها:
«نعم… سأعرض مخطوطي على الآنسة بندلتون.»
بعد يومين من ملازمة الفراش بسبب الزكام، تمكنت لورا أخيرًا من النهوض.
ففي يوم من الأيام، إثر خطأ طائش في فندق بانيس، عادت إلى بيتها دون معطف، فأصابها البرد. أسرعت السيدة لوتيس باستدعاء طبيب وممرضة، وأحضرت الآنسة هايد شوربة الدجاج بالزنجبيل وشاي الأعشاب، وصبّتهما في فمها.
ورغم وجود الممرضة، كانا يزوران غرفتها باستمرار؛ يقرآن لها، يضيفان حطبًا للمدفأة، ويجلبان لها بعض الحلويات.
قالت لورا بوجه مشرق: «لقد شُفيت تقريبًا.»
قاست الممرضة السيدة روفر حرارتها ثم أومأت: «لا قشعريرة، لا صداع. هناك حُمّى خفيفة، لكنها ستزول بعد أيام من الراحة.»
ابتسمت لورا شاكرة، وقد احمرّت وجنتاها بحرارة الموقد.
ردّت الممرضة وهي ترتدي معطفها استعدادًا للمغادرة مع غروب الشمس: «تناولي دواءك بانتظام. لا تخرجي إلى البرد ولا تجهدي نفسك. نامي باكرًا. إن كنتِ حساسة مثلي تجاه البرد، فإن إهمال العناية قد يُطيل مرضك أو يتحول إلى التهاب رئوي أو حُمّى شديدة.»
«سأحرص على ذلك، سيدتي.»
غادرت الممرضة، فاستندت لورا إلى الوسادة وأخذت ماكارون بالليمون من العلبة التي اشترتها لها الآنسة هايد من المخبز المقابل للينابيع.
لقد تلقت خلال اليومين الماضيين عناية استثنائية، وكان ذلك شعورًا منعشًا.
لقد اعتادت أن تكون هي المُعيلة. أثناء دراستها الداخلية ساعدت زميلاتها المتعثرات، ومع السيدة أبيغيل اعتنت بجدتها، وفي المجتمع ساعدت في حفلات الزفاف والأنشطة الخيرية.
كانت تسعى دائمًا لإثبات قيمتها بمساعدة الآخرين، محاولة أن تغطي وصمة أصلها بلقب «الفتاة الطيبة». ولهذا، كلما تلقت مساعدة، غمرها الامتنان لكن مع شعور بالحرج.
م.م: عقدة السلبي اللطيف للأسف ❤️🩹
لكن المساعدة لم تكن أمرًا سيئًا. بل جعلتها تشعر بالسعادة والامتنان. إذ ذاب ذلك الإحساس القديم بالدَّين تحت رعاية السيدة لوتيس والآنسة هايد، وحلّ مكانه مودة صادقة لهما.
«أنا محظوظة بوجود أصدقاء كهؤلاء.»
فكرت لورا وهي تتناول ماكارون آخر بالفراولة.
في تلك اللحظة، سُمِع طرق خفيف.
«آنسة بندلتون، هل أنتِ نائمة؟»
مسحت لورا بسرعة فتات الماكارون عن فمها: «لا، تفضلي.»
دخلت الآنسة هايد مرتدية فستانًا أبيض من الدانتيل الأنيق.
منذ وصولها إلى باث، ازدادت أناقة. فلا بد أنها تعلمت أساليب الزينة في جو المدينة الراقي.
وبجسدها الطويل النحيل، بدت كعارضة في مجلة مصورة.
اقتربت بخجل وحملت بين ذراعيها رزمة أوراق كما لو كانت تحتضن طفلًا.
نظرت إليها لورا باستغراب: «هل جئتِ لتقرئي لي كتابًا قبل النوم؟»
«قراءاتك دائمًا موضع ترحيب، لكن… ما هذا الذي تحملينه؟»
احمرّت وجنتا الآنسة هايد وتمتمت: «هذا… مخطوطي. أردتُ أن أقرأه أولًا للآنسة بندلتون، لا للسيدة لوتيس.»
تفاجأت لورا، ثم أشرقت ابتسامتها: «أخيرًا تسمحين لي بقراءته. هل أنهيتِه بالفعل؟»
«نعم.»
خفق قلب لورا شوقًا، وأشارت لها أن تجلس على المقعد بجوار السرير. جلست الآنسة هايد بملامح متوترة كمن يسير إلى المشنقة.
قالت لورا باسمة: «لمَ كل هذا التوتر؟ أنا قارئة في صفك بالكامل.»
تنهدت الآنسة هايد: «لكن يا آنسة بندلتون، أنتِ تعرفين الكثير عن الكتب. قد ترين حكايتي مجرد قصة سخيفة كتبتها فتاة في الثانية عشرة.»
«لا، هذا غير صحيح. وحتى إن كان صحيحًا، فما المشكلة؟ لقد استمتعتِ بكتابتها، ومن يستمتع بالكتابة سيُخرج عملًا أفضل في المرة القادمة، ثم أفضل، حتى يكتب يومًا ما الرواية المثالية. فلا تقلقي، فقط ابدئي القراءة.»
ارتخت أعصاب الآنسة هايد قليلًا تحت تشجيعها، لكنها فتحت الصفحة الأولى بوجه خجول.
وبدأت بالقراءة.
كانت الرواية متوسطة الطول، استغرقت قراءتها قرابة ساعتين. استمعت الآنسة بندلتون بانتباه وهي مسندة إلى السرير، مأخوذة بالقصة.
وبينما مرت الدقائق، بدأ صوت الآنسة هايد يبحّ. لكن لورا لم تلحظ، فقد كانت غارقة في رواية فاقت حدود الخيال.
أشادت لورا بآنسة هايد التي كانت تنتظر تقييمها بقلق: أسلوب الكتابة المتماسك، وقوة الوصف الآسرة، وبنية الحبكة المحكمة مع التمهيد الذكي. كل ذلك كان بمستوى كاتب محترف.
ولم تكن لورا تكذب؛ مهارة هايد الكتابية كانت لافتة. غير أن المشكلة الكبرى كانت المحتوى نفسه… المحتوى.
تنفست الآنسة هايد الصعداء.
“الحمد لله… كنت أخشى أن ما كتبته مجرد وهم. لكن إن كان هذا مدح الآنسة بندلتون، فأنا أصدقه.”
“بإمكانك أن تثقي بموهبتك، يا آنسة هايد. أنت موهوبة بالفطرة.”
قالت هايد بصوت خافت، محتضنة مخطوطها كأنه حياتها:
“بصراحة، يا آنسة بندلتون، لم أفكر بالنشر أصلًا. كنت فقط مأخوذة بشعور طاغٍ يدفعني للكتابة. شعرت أن قلبي سينفجر إن لم أفعل.”
ثم أضافت بحمرة الخجل:
“حتى لو لم يُكشف للعالم أبدًا، فهذه الرواية ثمينة بالنسبة لي.”
م.م: يا أحلى قراء تم حذف لقطات الألوان من عدة فصول و اضطررت لحذف فصول بأكملها لعدم تناسبها مع ديننا الإسلامي ولا تسألوا عن محتوى رواية هايد فضلا 💜
Sel للدعم : https://ko-fi.com/sel08 أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 132"