3
“سمعتُ حفيفًا فـظننتُ أن فأرًا قد دخل”
“……!”
استدارت هايدي بـسرعة و هي تشعر بـذعرٍ شديد من ذلك الصوت العميق و القوي الذي تردد خلف ظهرها.
تحطم —!
ارتجف المكتب فـسقط المصباح و تحطم ، مُصدرًا صوت تكسّرٍ حادّ. و مع اختفاء آخر شعاع ضوء ، غرق المكان في الظلام بـلمحة بصر.
لم يكن يظهر سوى ظلالهما.
حاولت هايدي ، و هي تضيق عينيها ، أن تتبين ملامح وجه الرجل الذي ظهر فجأة.
‘لا أستطيع رؤية وجهه. من يكون؟’
إذا كان رجلاً يُسمح له بـدخول غرفة السيد ، فـربما يكون رئيس الخدم.
لكن الرجل الذي ظهر فـجأة أمام هايدي لم يكن يبدو كـرئيس الخدم بـأيّ حال.
مرّت وجوه جميع العاملين في قصر الدوق أمام عيني هايدي كـشريطٍ سريع.
‘هل يوجد بين العاملين شخصٌ بـهذه الضخامة؟’
تفحّصت هايدي بـسرعة ذلك الخيال القابع أمامها.
طولٌ يتجاوز طول أيّ شابٍ قويّ بـرأسٍ كاملٍ تقريبًا.
جسدٌ رياضي يمتد بـتناسقٍ من الكتفين إلى الخصر.
من المؤكد أن رجلاً بـهذه البنية سـيكون لافتًا للأنظار بين الناس العاديين. و هذا يعني أن هايدي ، التي تثق بـدقّة ملاحظتها ، لم يكن لـتخطئه عيناها أبدًا.
إذًا …
“… لص؟”
شعرت هايدي بـتردّد الرجل عندما سمع تمتمتها الصغيرة.
و سأل بـاستنكارٍ كأنه لم يصدق ما سمعه: “لص؟ هل تقصدينني أنا بـهذا الكلام؟”
تجمدت هايدي في مكانها ثم تراجعت بـسرعة لـتبتعد عنه. فـإذا كان هذا الرجل غريبًا دخل دون إذن ، فإن مواجهته قد تشكل خطرًا عليها.
تسسس —
دوى صوت تكسر قطع الزجاج تحت قدميها بـوضوح.
‘آه ، المصباح تحطم. إذا ركضتُ بـلا تفكير سـأصاب بـأذى أكبر’
توقفت هايدي بـعد أن أدركت خطأها. و حاولت جاهدةً ألا تُظهر ارتباكها و هي تردّ على كلام الرجل: “و-و إلا ، فـبماذا سأفكر؟ التسلل إلى غرفة السيد في هذا الوقت دون إشعال أيّ ضوء”
“يبدو أن لديكِ عادة التحدث عن الآخرين و كأنكِ لستِ المعنيّة”
“لقد طرقتُ الباب و دخلتُ و أنا أحمل مصباحًا ، هل تعرف؟”
“هه”
أطلق الرجل ضحكةً ساخرة من ردّ هايدي الوقح.
“يا لـهذا من …”
بينما كان الرجل عاجزًا عن الرد ، تابعت هايدي بـسرعة: “بدلاً من البقاء هكذا في هذا المكان المظلم ، لنشعل الضوء أولاً ثم نتحدث. أو اخرج إلى الردهة. فـأنا ليس لديّ ما أخفيه”
بمجرد أن أنهت هايدي جملتها ، أجاب الرجل بـحزم: “هذا غير ممكن”
‘كنتُ أعلم’
سخرت هايدي في سرها.
“كما توقعت ، بما أنك لست صريحًا فـهذا يعني …”
في تلك اللحظة —
سحب ——
فُتحت الستائر الثقيلة التي كانت تغطي النافذة ، و تدفق ضوء القمر الساطع عبر النافذة الكبيرة.
“……!”
اتسعت عينا هايدي قليلاً عندما رأت وجه الرجل بـوضوح تحت ضوء القمر.
شعرٌ أسود فاحم مبلل كأنه انتهى للتو من الاستحمام.
حاجبان معقودان قليلاً فوق عينين حادتين.
أنفٌ مرتفع و مستقيم و فكٌّ يبدو قويًا.
لقد كان رجلاً وسيمًا لـدرجة لم ترها هايدي في حياتها قط ، لكنها لم تكن تملك الرفاهية لـتتأمل ذلك الجمال.
‘العينان …’
عينان بـلون الدم الصافي كـالياقوت.
ذلك اللون ، المطابق لـلون عيني إيلويز ، كان بـكل تأكيد الرمز الخاص بـعائلة هايدن.
‘إذًا ، هذا الشخص هو …’
وجهٌ غريب لكنه مألوف.
شحب وجه هايدي تمامًا عندما أدركت هوية من يقف أمامها.
“سـ-سيدي؟”
ديسيون كارلوس هايدن ، الدوق.
حتى لو لم يكن المرء يعمل في قصر هايدن ، فـلا بد لـمواطني بانثير أن يعرفوا الكثير عنه.
العالم الذي يُلقب بــعقل بانثير ، و الرجل الذي أصبح معلّم الأميرة في أصغر سنٍّ ممكنة.
تولى منصب رئيس العائلة و هو لم يبلغ سن الرشد بعد أن فقد والديه ، لكنه كان قائدًا كفؤًا حقق ازدهار العائلة و المقاطعة بـسرعة غير مسبوقة.
لـكثرة الألقاب التي تتبع اسمه ، أصبح رجلاً لا يحتاج إلى أيّ تعريف.
‘آه ، لهذا السبب …’
فهمت هايدي الآن بـشكلٍ كامل ما قصدته إيلويز عن اللوحة الشخصية.
فـالرسم لم يستطع تجسيد حتى واحدٍ من المئة من الهيبة التي ينضح بها ديسيون.
و خاصةً تلك النظرة الحادة.
ابتلعت هايدي ريقها و هي تشعر أن نهايتها قد اقتربت. بدت تلك العينان الحمراوان اللتان تنظران إليها و كأنهما تخنقان أنفاسها.
من المؤكد أنهما تحملان نفس لون عيني إيلويز ، لكن كيف يمكنهما إعطاء هذا الانطباع المختلف تمامًا؟
جالت نظراته الحادة في كل ركنٍ من وجه هايدي. و في كل مرة كان حاجبه يتحرك كأن شيئًا ما يزعجه ، كانت هايدي تشعر و كأن قلبها سـينفجر في أيّ لحظة.
أن تجرؤ و تصف سيد القصر بـاللص …
أغمضت هايدي عينيها بـقوة.
ربما سـتُطرد من القصر. من المؤكد أن خبرتها في العمل لدى عائلة هايدن سـتُقدّر أينما ذهبت.
‘لكن لا يوجد مكانٌ آخر يمكنني فيه الحصول على مثل هذا الراتب …’
بينما كانت هايدي تشعر بـاليأس و هي تفكر في مستقبلها ، سألها ديسيون بـنبرة استجواب: “من أنتِ؟ أيّ نوعٍ من الخادمات أنتِ لـتدخلي غرفتي في هذا الوقت؟ فسّري لي الأمر”
أمسكت هايدي بـطرف تنورتها بـقوة و أجابت: “أنا هايدي دالتون ، خادمة الآنسة إيلويز. لقد جئتُ لـتنفيذ مهمةٍ لـلآنسة …”
“خادمة إيلويز؟”
عقد ديسيون حاجبيه قليلاً. و سأل بـصوتٍ مشوبٍ بـالشك: “و ما هي هذه المهمة التي أمرت بها إيلويز؟”
“آه ، لقد نفد الحبر الذي تستخدمه الآنسة ، فـطلبت مني استعارة الحبر الموجود في مكتب السيد لـبعض الوقت”
“… في هذا الوقت؟ يبدو أن هوايتها في الكتابة لا تزال مستمرة”
هدأت نبرة صوت ديسيون قليلاً بعد سماع إجابة هايدي المرتجفة. يبدو أنه تذكر أن هواية إيلويز القديمة هي النسخ.
‘هل سـيمر الأمر هكذا؟’
بينما كانت هايدي تحاول قراءة الموقف و رفعت عينيها لـتتلمس تعابير وجه ديسيون — التقت أعينهما بـشكلٍ مباشر.
اتسعت عينا هايدي إلى أقصى حد ، و لمعت عيناها الأرجوانيتان الفاتحتان بـانعكاس ضوء القمر.
نظر ديسيون إلى عينيها بـإمعان ثم قطب جبينه بـشدة.
“و لكن كيف لي أن أصدق كلامكِ؟”
أمام كلمات ديسيون التي لا تزال تحمل ريبةً ، تحدثت هايدي بـتردد: “آه ، الآنسة سـتؤكد لك صحة كلامي”
“……”
“حقًا. إذا كنتَ لا تصدق ، يمكننا الذهاب معًا الآن و …!”
أوقف ديسيون بـإشارةٍ من يده تبريرات هايدي التي كانت تتواصل بـارتجاف نتيجة توترها الشديد.
“كفى. التأكد من صدق كلامكِ ليس أمرًا صعبًا على أيّ حال”
تنفست هايدي الصعداء عندما شعرت بـالنبرة التي هدأت بـوضوح.
ألقى ديسيون نظرةً خاطفة على هايدي ثم ناولها زجاجة الحبر.
‘هل يقصد أن أغادر؟’
أخذت هايدي زجاجة الحبر الثقيلة و هي تراقب رد فعله.
لقد ارتكبت خطأً فادحًا في لقائها الأول مع السيد. إذا أضافت أيّ خطأٍ صغير آخر ، فـربما تُطرد حقًا هذه المرة.
وجه ديسيون نظرةً صارمة نحو هايدي المتصلبة في مكانها.
“سـأغض الطرف عما حدث اليوم ، لذا التزمي الصمت حيال رؤيتكِ لي هنا”
“……!”
“أنا أكره الضجيج و الاحتفالات بـالترحيب و ما شابه. ليس أمرًا عظيمًا. أريد أن أرتاح وحدي الليلة ، لذا احرصي على كتمان الأمر”
“حاضر”
أجابت هايدي بـصوتٍ خافت و هي تومئ برأسها.
يبدو أن عدم رغبته في إشعال الضوء كان لـتجنب جذب انتباه بقية الخدم.
“إذًا ، سـأقوم بـتنظيف الزجاج المحطم بـسرعة و …”
“لا داعي لـذلك ، يمكنكِ الخروج”
“أمرك”
بينما كانت هايدي تستدير لـلمغادرة بـهدوء ، توقفت كأنها تذكرت شيئًا ما. ترددت لـلحظة ثم فتحت شفتيها: “هل يجب أن أبقي الأمر سرًا عن الآنسة أيضًا؟”
“……”
“لقد كانت الآنسة تنتظر كثيرًا. منذ عدة أيام و هي تتطلع بـشوق لـرؤيتك ، يا سيدي”
تصلب جسد ديسيون لـلحظة عند سماع كلمات هايدي.
تشجعت هايدي و اقترحت بـصوتٍ أكثر قوة: “ألا تودّ إلقاء التحية عليها و لو لـلحظة؟ إنها لا تزال مستيقظة”
“……”
على عكس توقع هايدي بـأنه سـيوافق بـسهولة ، لم يعطِ ديسيون إجابةً فورية.
‘لماذا يبدو الأمر متوترًا بـهذا الشكل؟’
بينما كانت هايدي متجمدةً بـارتباك ، فتح ديسيون شفتيه بـبطء.
“غدًا”
انتقلت عينا ديسيون الحمراوان نحو هايدي.
“أرجو ألا تخبري إيلويز أنكِ رأيتني. سـأذهب لـرؤيتها عندما يطلع الصباح”
“… آه ، حسنًا! سـأفعل ذلك”
أجابت هايدي بـلباقة ثم انحنت و غادرت الغرفة بـسرعة. و بمجرد خروجها إلى الردهة ، أمالت رأسها قليلاً.
هل كان وهمًا؟
بدأت هايدي تسترجع بـبطء تعابير وجه ديسيون في اللحظة الأخيرة. و صوته الذي كان ينخفض بـشكلٍ طفيف كلما جاء ذكر إيلويز.
‘لقد بدا متألمًا بـشكلٍ ما. و كأنه يشعر بـالذنب. لماذا؟’
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 3"