1
“هايدي دالتون … إنّكِ هنا”
قالت رئيسة الخدم و هي ترفع نظّاراتها ذات الإطار الرقيق ، مشيرةً بـإصبعها إلى طرف السجلّ: “320 أكنية ، مع إضافة العلاوة الخاصّة. عُدّيها لـتتأكّدي من أنّ المبلغ صحيح”
“لا بأس. هل رئيسة الخدم شخصٌ يرتكب أخطاءً في مثل هذه الأمور؟”
ردّت هايدي و هي تبتسم بـبشاشة كاشفةً عن أسنانها البيضاء ، ثمّ دفعت كيس الراتب الثقيل بـخفّة.
“فقط افعلي كما في المرّة السابقة”
“أتريدين إرساله بالكامل إلى المنزل هذه المرّة أيضًا؟ دون أن تقتطعي شيئًا لـنفسكِ؟”
“نعم ، يا رئيسة الخدم” ، أجابت هايدي و هي تهزّ كتفيها بينما تُعدّل مئزرها المشدود بـالنشا.
“ليس لديّ مكانٌ آخر لـأصرف فيه المال. الأكل و النوم و الملبس ، كلّ شيءٍ مؤمّن هنا. كما أنّ الآنسة ستشعر بـعدم الارتياح إذا لم أكن موجودة”
عندها ، انتقلت نظرات رئيسة الخدم التي كانت ملتصقةً بـالسجلّ نحو هايدي.
شعرٌ مربوطٌ بـبساطة دون تكلّف.
زيّ خادمةٍ باهتٍ و عاديّ يخلو من أيّ زينة.
بشرةٌ صافيةٌ تمامًا دون ذرّة مساحيق تجميل.
كان من الواضح أنّها فتاةٌ لا تهتمّ بـتزيين نفسها على الإطلاق.
و لكن ، رغم ذلك ، كانت هايدي جميلةً بـشكلٍ ملحوظ. لـدرجة أنّ المرء يشعر بأنّ ما حوله يزداد إشراقًا بـمجرد النظر إليها.
شعرها الأشقر الفاتح الذي يصل إلى خصرها كان دائم اللمعان ، و ملامح وجهها الصغير كانت جميلةً كـدميةٍ من الخزف صُنعت بـإتقان.
لكنّ أكثر ما يلفت الانتباه كان عيناها الأرجوانيّتان الصافيتان. لونٌ نادرٌ لـدرجة أنّه يُعدّ أحد رموز عائلة بانثير الملكيّة.
‘قيل إنّ هذا اللون موجودٌ أحيانًا … لكنّه يبدو صافيًا كـالجواهر مهما نظرتُ إليه’
تنفّست رئيسة الخدم الصعداء و هي تتفحّص كلّ ركنٍ في وجه هايدي.
“بقيّة الخادمات يتغنّين بـالذهاب لـنزهات الزهور أو ركوب القوارب. أمّا أنتِ ، فـرغم أنّكِ تبدين كـابنة عائلةٍ نبيلةٍ لم تعرف الشقاء قطّ ، لِماذا تتوقين لـلعمل بـهذا الشكل؟”
أجابت هايدي و هي تغمض عينيها بـابتسامة: “أنا أستمتع بـالبقاء مع الآنسة أكثر. و الأمر ليس متعبًا بـالنسبة لي”
“لا تفعلي ذلك ، اذهبي لـزيارة منزلكِ لـبعض الوقت. منطقة إيفرتون ليست بعيدةً جدًا من هنا. حسنًا؟”
“نعم ، سأفعل ذلك”
ودّعت هايدي رئيسة الخدم بـإيماءةٍ مهذّبة ثمّ خرجت من الغرفة.
توقفت هايدي فجأةً أمام نافذةٍ كبيرة بينما كانت تسير بـخطواتٍ ثابتة عبر ردهة القصر الطويلة.
كانت أشعة الشمس الدافئة تتدفّق كـالسيل عبر النافذة الكبيرة.
‘الطقس رائعٌ حقًّا’
استندت هايدي بـجسدها على إطار النافذة و نظرت إلى الحديقة الممتدّة بلا نهاية.
قصر هايدن التابع لـعائلة هايدن ، و هي العائلة الأكثر عراقةً في المملكة.
و كما يليق بـسمعتها ، كان قصر هايدن يفتخر بـمساحةٍ هائلة. لـدرجة أنّ التجول في الحديقة بالكامل يستغرق نصف يوم.
تمتمت هايدي بـعدم اكتراث و هي تنظر إلى الزهور التي تفتّحت بـبهاءٍ حاملةً معها أنفاس الربيع: “ليست نزهة الزهور أمرًا مميّزًا. فـالزهور تحيط بي بمجرّد النظر من النافذة”
رغم قولها ذلك ، لم يكن الأمر أنّ هايدي لا ترغب في اللعب.
كيف يمكن ألّا تفكر في ذلك؟ لقد قضت ساعاتٍ بالأمس تستمع إلى جانين في الغرفة المجاورة و هي تتحدّث بـصوتٍ عالٍ عن نزهتها في القارب مع حبيبها!
لكنّ هايدي لم تكن تملك رفاهية القيام بـذلك.
‘سعر دواء أمي يرتفع باستمرار ، ماذا أفعل … هل يجب أن أحصل على المزيد من أعمال الخياطة؟’
كان لدى هايدي عائلةٌ تعيلها.
أن تقع مسؤولية معيشة العائلة على عاتق هايدي ، التي لم يتجاوز عمرها العام الواحد بعد سن الرشد – لقد كان عبئًا يصعب حتى على شخصٍ بالغٍ تحمّله ، لكنّ هايدي لم تتذمّر أبدًا من هذه الحقيقة.
كانت تعمل ليل نهار و تقتصد في نفقاتها بـشكلٍ صارم.
‘من الجيد أنّني أستطيع القيام بـشيءٍ ما. يجب أن أكون ممتنّة’
في تلك اللحظة ، سُمعت أصوات خطواتٍ متسارعة من خلفها.
“هايدي!”
عندما استدارت هايدي ، وُضعت رسالةٌ فجأةً أمام وجهها.
كانت الخادمة تلهث بـقوّة كأنّها ركضت طوال الطريق ، ثمّ تحدّثت و هي تحاول استعادة أنفاسها: “اذهبي إلى الآنسة بسرعة”
اتسعت عينا هايدي بـدهشة.
“لماذا؟ هل حدث شيءٌ ما؟”
هزّت الخادمة كتفيها و قالت: “تقول إنّ رائحة الدواء مقرفة ولا تريد وضعه. اذهبي بسرعة و حاولي إقناعها. و سلّميها هذه الرسالة أيضًا في طريقكِ. أرجوكِ ، حسنًا؟”
كلّما كان هناك أمرٌ يخصّ إيلويز ، الأخت الوحيدة لـلدوق هايدن ، كان خدم القصر يبحثون عن هايدي دون استثناء.
فهي الشخص الوحيد الذي يمكنه تهدئة إيلويز الحسّاسة.
أسرعت هايدي بـخطواتها نحو غرفة إيلويز و هي تحمل الرسالة. كان صوت إيلويز الحادّ يتردّد منذ بداية الردهة: “اخرجوا جميعًا. لا تزعجوني!”
عندما فتحت هايدي الباب بـحذر ، استدارت رؤوس الخادمات اللواتي كنّ يقفن بـارتباكٍ نحوها دفعةً واحدة.
‘افعلي شيئًا’
قرأت هايدي النظرات المتوسّلة في أعينهنّ و تنفّست الصعداء.
أشارت لهنّ بـيدها لـيخرجن ، ثمّ اقتربت من جانب السرير.
“آنسة إيلويز ، لقد غادر الجميع”
“…”
“آنسة”
عندها ، سحبت إيلويز الغطاء الذي كان يغطّي رأسها قليلًا.
رغم أنّه كان منتصف النهار ، إلا أنّ الغرفة كانت مظلمة ، و ظهر فيها خيال امرأةٍ نحيلةٍ جدًّا. مسحت شعرها المنفوش و تحدثت بـتذمّر: “لا أريد وضع الدواء. أنا متعبة. يمكننا تخطّي يومٍ واحد ، أليس كذلك؟”
“كلا ، لا يمكن. من فضلكِ استيقظي”
هزّت هايدي رأسها بـحزم و ساعدت إيلويز على الجلوس بـجرأة.
“سـيستغرق الأمر لحظةً فقط. سأضعه بـرقة لـدرجة أنّكِ لن تشعري به. أنتِ تعرفين أنّ يدي سريعة ، صحيح؟ سـينتهي الأمر بـسرعة ، بـسرعة”
هدّأت هايدي من روع إيلويز بـأسلوبها اللبق ، ثمّ أزاحت الستائر قليلًا.
عندما طرد ضوء النهار بعض الظلام ، ظهرت معالم الغرفة بـوضوح.
كانت غرفة نومٍ مرتّبة و نظيفة. لكنّها كانت تبدو بسيطةً للغاية لـدرجةٍ لا تليق بـالآنسة الوحيدة لأغنى عائلةٍ في المملكة.
النوافذ القوسيّة الكبيرة كانت مغطّاةً بـالكامل بـستائر داكنة ، و لم يكن هناك حتّى طاولة زينة.
غرفةٌ تخلو من المرايا ، بل و تخلو من أيّ سطحٍ أملس يمكن أن يعكس صورة الجسم.
كان هناك سببٌ لـهذا المشهد الغريب في الغرفة.
“ألم تشعري بـالتعب بـسبب الجفاف؟”
“… شعرتُ بـالقليل من الحكّة”
“إذا كانت الرائحة تزعجكِ ، فـهل أقطف لكِ بعض الزهور؟ إذا ملأتِ الغرفة بـعطر الزهور ، سـتختفي رائحة الأعشاب قليلًا. لقد تفتّحت الزهور في الخارج بـشكلٍ رائع”
بدأت هايدي بـتوزيع المرهم بـحذر بعد أن رفعت طرف ثوب إيلويز بـهدوء.
البشرة التي ظهرت تحت قميص النوم الرقيق و الناعم لم تكن ملساء.
على عكس جبهتها البيضاء و الملساء ، كان ملمس جلدها أحمر و متعرّجًا.
الجانب الأيمن من جسد إيلويز هايدن ، الذي كشف عنه ضوء الشمس ، كان يحمل آثارًا واضحة لـحروقٍ خلّفتها النيران.
الندبات التي نتجت عن حادث الحريق قبل ثلاث سنوات كانت تذكّر بـاللحظات المأساويّة التي حدثت آنذاك بمجرّد النظر إليها.
تلقائيًّا ، أصبح التحدّث عن الحريق أو الندبات بين الخدم أمرًا محظورًا تمامًا ، و بدأ الجميع يتجنّبون حتى التقاء الأعين بـإيلويز.
حتّى لو كانت إيلويز تصرخ بـالشتائم و الكلمات البذيئة ، أو تحطم كلّ شيءٍ في الغرفة ، أو تطرد الخادمات مرّةً كلّ يوم ، لم يكن أحدٌ يجرؤ على لفت انتباهها لـذلك.
دون أن يدركوا أنّ هذا كان يجعل إيلويز تشعر بـوحدةٍ أكبر.
و في خضمّ ذلك ، ظهرت هايدي أمام إيلويز.
<آنستي ، توقّفي عن ذلك>
<ما شأن شخصٍ مثلكِ بـهذا!>
<إذا كان هذا يريح قلبكِ فـيمكنكِ فعله قدر ما تشائين ، لكنّكِ تشعرين بـعدم الارتياح أيضًا. من فضلكِ لا تفعلي ذلك لـأجل نفسكِ>
بـسبب جملةٍ واحدةٍ من خادمةٍ جديدةٍ لا تعرف القواعد ، انقلب القصر رأسًا على عقب.
توالت التوبيخات القاسية لـها: كيف تجرأتِ على قول ذلك؟ هل تريدين أن تُطردي فورًا؟
و لكن لـسببٍ ما ، لم تطرد إيلويز هايدي.
بالطبع ، كانت تعاملها بـكثيرٍ من اللؤم.
لكنّ هايدي تحمّلت نوبات غضب إيلويز بـلطفها المعهود.
و هكذا مرّ عام.
فتحت إيلويز باب قلبها لـهايدي بـشكلٍ كامل. و توقّفت عن صبّ غضبها على الأشخاص الأبرياء ، أو القيام بـأعمال الشغب و تكسير الأشياء.
“لقد انتهينا. لقد صبرتِ جيدًا” ، قالت هايدي بـصوتٍ مبهج بعد أن وزّعت الدواء بـمهارة على بشرة إيلويز.
لاحظت إيلويز ، التي كانت تعبث بـشفتيها ، الرسالة التي وضعتها هايدي بجانب السرير.
“و لكن ما هذا؟ هل هو لكِ؟”
هزّت هايدي رأسها.
“كلا ، إنّه لكِ يا آنسة”
“لي؟ هل هي رسالةٌ من أخي؟”
التقطت إيلويز الرسالة و فتحت المغلّف بـسرعة. و بينما كانت تقرأ الرسالة القصيرة بـوجهٍ مشرقٍ للغاية ، صاحت بـصوتٍ عالٍ: “هايدي ، سـيعود أخي خلال أيّامٍ قليلة. و علاوةً على ذلك ، سـيبقى هنا لـفترةٍ طويلة!”
* * *
و في تلك الأثناء –
كان ديسيون كارلوس هايدن ، الفرد الوحيد المتبقّي من عائلة إيلويز ، في اجتماعٍ خاص مع الملك.
“لأسبابٍ صحيّة؟”
“نعم”
“أهو مرضٌ لا يمكن علاجه في العاصمة؟”
أومأ ديسيون بـوجهٍ خالٍ من التعبير.
“و هل هناك علاجٌ أفضل من الراحة في مكانٍ ذو هواءٍ نقيّ؟ بما أنّني كنتُ بعيدًا عن منصبي كـحاكمٍ لـفترةٍ طويلة ، فـأنا لا أنوي مغادرة المقاطعة لـفترةٍ من الوقت”
“…”
تفرّس الملك في وجه ديسيون الوسيم بـعينين شبه مغمضتين.
بشرةٌ لوّحتها شمس الربيع قليلًا تحت شعرٍ أسود فاحم.
كتفان عريضان و جسدٌ صلبٌ خالٍ من الدهون الزائدة.
حتّى عيناه الحمراوان اللتان تلمعان بـقوّة حتّى في الأماكن المظلمة.
مهما نظرتَ إليه ، لم يكن يبدو كـشخصٍ مريضٍ يحتاج إلى نقاهة.
“… حسنًا ، إذا كنتَ تقول ذلك فـلا بدّ أنّه صحيح”
مسح الملك لحيته بـيده الهزيلة.
“كنتُ أتمنّى في داخلي أن تصبح معلّمًا لـأناستازيا مرّةً أخرى … لقد أصبح الأمر مؤسفًا من نواحٍ عديدة”
أناستازيا.
في اللحظة التي سمع فيها ذلك الاسم ، تجمّدت ملامح ديسيون بـشكلٍ قاطع.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 1"