وجّهتُ الضربة القاضية.
“ما تخطّط له، سيقود إلى أمرٍ فظيع.”
“أمر فظيع؟.”
“شيء لا تريد حدوثه أبدًا. ستُلطَّخ جبال رونهايم الثلجية بالدماء مرة أخرى.”
وستُقتل على يد أندريه بينما تحاول حماية رونهايم. تركتُ الجزء الأخير دون أن أنطق به.
فإخبار المرء بمصيره المحتوم غالبًا ما لا يولّد سوى الرفض والتكذيب.
بدلًا من ذلك، قدّمتُ شرحًا أدقّ:
“إن بعتَ منجم الذهب ذاك للكونت إلبيرن لتمويل الجيش الذي تُعدّه…”
لم يُبدِ ردّة فعل تُذكر، لكن صمته القصير كشف دهشته. لم يكن يتوقع أن أعرف بهذه الخطة.
“سيستخدمه الكونت إلبيرن لمدّ يده إلى أندريه. هو لا يريد المنجم بحدّ ذاته، بل يريد نشر قواته هناك. قد يبدو ساذجًا، لكنه ماكر.”
“وحتى لو صحّ هذا كلّه، لماذا يذهب الكونت إلبيرن إلى هذا الحد؟.”
“لأن أندريه، الإمبراطور القادم، يكرهك.”
إن قضاء أندريه وقتًا طويلًا بقربي، محاولًا أن يُظهرني بمظهر المجنونة، يعني أنني قضيت وقتًا طويلًا بقربه أيضًا.
أكثر مما يتوقع، كنت أعرف عنه الكثير.
كان أندريه يكره كاليوس بدرجة غريبة.
لم تكن بينهما علاقة حقيقية، وكاليوس غالبًا ما كان بعيدًا، إما في أراضيه أو في ساحات القتال، ونادرًا ما التقيا.
ومع ذلك، كان أندريه يضمر له كراهية عمياء.
في حياتي السابقة، كان أندريه يحاول قتل كاليوس كلما سنحت له الفرصة.
وكان هذا أحد السببين اللذين جعلاي أختاره.
رفعتُ بصري بثبات إلى الرجل الواقف أمامي.
سأنقذ هذا الرجل بيديّ.
مهما كلّف الأمر، سأحميه من أندريه المهووس بقتله.
في هذه الحياة، هدفي هو إفشال كل ما يسعى إليه أندريه، وانتزاع كل ما يطمح لامتلاكه.
وكخطوة أولى، خططتُ للزواج من الرجل الذي يكرهه أكثر من أيّ شخص، كاليوس رودريان، وإنقاذ حياته.
لو قلت إنني أريد الزواج من ماركيز رودريان، فسيجنّ أندريه.
كنت أودّ رؤية ذلك الوجه المشوَّه غضبًا.
أمال كاليوس رأسه قليلًا.
“ألم تكوني على علاقة جيّدة بالأمير؟ كما أن هناك شائعات عن جنونك، وشائعات عن كوني آكل لحوم البشر.”
“…”
نظرتُ إليه بنظرة هادئة، مهيبة.
“ستحسن الاختيار إن اخترتني، أيها الماركيز.”
قلتُها بثقة كاملة.
لكن كاليوس لم يكن سهل الإقناع.
“إن كان ما تقولينه صحيحًا، فلماذا تقبل أميرة بصفقة خاسرة وتتزوج رجلًا مثلي مقابل منجم ذهبٍ عديم القيمة؟ ما الذي ستكسبينه من هذا الزواج؟.”
كانت عيناه الحادتان تحاولان اختراق نواياي الحقيقية.
كان سؤالًا سهلًا.
أجبتُ دون تردّد:
“أريد أن أغادر هذا المكان.”
لم يكن يهمّني إن لم يصدّق مدى أهمية ذلك بالنسبة لي.
ثبتُّ نظري فيه، بعينين حازمتين.
“أشعر أنك الوحيد القادر على إبعادي إلى مكانٍ بعيد.”
عندها، ارتسمت تلك الابتسامة الغريبة على شفتيه مرة أخرى.
‘إن أردتِ الهرب إلى أبعد مدى، فرونهايم المكان الأمثل.”
قال كلمة الهرب.
وبمجرد سماعها، أدركتُ أنه قرر تصديقي.
في تلك اللحظة، رأيت خدم أندريه يندفعون خارج قاعة الحفل. كان واضحًا أنهم يبحثون عني.
أسرعتُ بالكلام:
“إن قررتَ قبول هذا العرض، تعال وابحث عني.”
لم يعد هناك وقت.
كنت أرى بالفعل بعضهم يتجهون نحو الحديقة.
“إذًا، سأذهب—”
وحين استدرتُ لأختبئ في ظلّ شجرة، أمسك بذراعي.
“سؤال أخير. لماذا تريدين منجم الذهب؟.”
أجبتُه على نحوٍ مبهم:
“لإنشاء حديقة زهور.”
“…حديقة زهور؟.”
“كما قلت، أنا أحب الزهور حقًا.”
لا سيما تلك التي ستصبح، يومًا ما، أثمن من الذهب.
خفّف قبضته عن ذراعي.
ثم شعرتُ بشيء يُلقى على كتفيّ. قبل أن أدرك ما يحدث، كان قد خلع معطفه ووضعه عليّ.
“…؟”
رفعتُ رأسي إليه بدهشة من هذه اللفتة غير المتوقعة.
قال بلا مبالاة:
“ملابسكِ مبللة.”
كان صوته ألطف من قبل… أم أنني أتوهّم؟.
“شـ-شكرًا لك. إذًا، سأذهب.”
لم أكن مستعدة للتصرّف في موقف كهذا، فانحنيتُ على عجل وفررتُ كمن يهرب.
استعنتُ بظلال الجدران حيث لا يصل ضوء القمر، وعدتُ إلى قصري.
ومن خلفي، سمعتُ ضحكة كاليوس الخافتة، غير المصدّقة.
—
بعد أن غادرت كلوي، بقي كاليوس واقفًا في مكانه، يحدّق في الموضع الذي اختفت فيه.
“سمعتُ الشائعات، وقلقتُ من أنها قد لا تكون بخير.”
تذكّر النظرة الحازمة على وجهها حين قالت إنها تريد إنشاء حديقة زهور.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، على نحوٍ لا يشبه العبوس الذي كان عليه قبل لحظات.
“لقد أصبحتِ شخصًا مثيرًا للاهتمام حقًا، كلوي.”
ما قالته كان مدهشًا.
كيف عرفت كل هذا؟ وأيّ ظروف دفعتها إلى هنا؟.
في البداية، ظنّ أنها تهدّده بعدما اكتشفت نقطة ضعفه. لكن صوتها المرتجف أذاب كل شكوكه.
“ترتجف هكذا، كأنني سألتهمها.”
ومع ابتسامته الخفيفة، خفض بصره.
ومضت خيبة صغيرة في عينيه.
“لم تتعرف عليّ، هذا مؤلم قليلًا.”
—
بعد أن افترقتُ عن كاليوس وغادرت الحديقة، لففتُ معطفه حولي بإحكام بينما كانت نسمة باردة تهبّ.
كان معطفه كبيرًا جدًا، حتى بدا كأنه بطانية.
رغم أن الوقت كان أواخر الصيف، وأن الهواء لم يكن باردًا حقًا، فإن جسدي، الحسّاس على غير العادة للبرد، بدأ يفقد حرارته سريعًا.
كانت حاشية فستان نومي، المبللة بالنبيذ، تلتصق بساقيّ ببرودة مزعجة.
لحسن الحظ أن فستان نومي سميك.
المعطف ساعد، لكن الفستان السميك احتفظ بالحرارة أيضًا.
لا أحد يرتدي فستان نوم بهذا السُمك في هذا الفصل.
وبفضله، لم أحتج إلى استدعاء الخادمات لتبديل ملابسي، تمكنت من التسلل بهدوء.
مع أن خادمات أندريه لم يكنّ ليسمحْنَ لي بالخروج أصلًا.
خوفًا من أن تسيء أخته «غير المستقرة» إلى هيبة العائلة المالكة، عيّن لي أندريه خادماته الخاصات.
كم هو كريم.
كنّ يلازمنني كظلي، يراقبن كل حركة بإخلاص خانق. مما جعل التسلل شبه مستحيل.
كانت مراقبتهن خانقة. شعرت بالفخر لأنني تمكنت من مغادرة القصر والوصول إلى الحفل.
أتساءل كيف كان رد فعل أندريه حين علم بظهوري هناك.
مجرد التفكير فيه جعل أسناني تطبق.
كان طعم الخيانة لاذعًا، أن أخدع على يد الشخص الوحيد الذي ظننته جديرًا بثقتي.
“لن أُخدع مرة أخرى. وسأنال انتقامي.”
سأجعله يتذوق الألم والإذلال نفسيهما.
وبينما كنت أفكر بذلك—
“ما الذي حدث في قاعة الحفل حتى تستخدمين كلمات مخيفة هكذا؟.”
جاء صوت فتيّ من خلف أحد الأعمدة.
كان صبيًا نحيلًا في نحو الثانية عشرة من عمره.
يرتدي ملابس بالية لا تليق بالقصر، وعلى خصره سيفٌ متآكل.
رغم أن ملامحه لم تنضج بعد، كانت وسامته واضحة.
عيناه الذهبيتان تتلألآن بالثقة، وابتسامته تُضيء وجهه.
كنت أعرفه.
صديقي القديم الذي لا يشيخ، كال.
“كال.”
اتسعت عيناه رعبًا حين رأى بقع النبيذ على فستان نومي.
“هل أنتِ بخير؟.”
ابتسمتُ بمرارة وأومأت.
لم أكن أعرف كيف ينجح دائمًا في التسلل إلى القصر، لكن لـكال ممرًا سريًا لا يعرفه سواه.
كان يأتي إليّ خفية ليكون رفيقي.
منذ التقينا أول مرة وأنا في العاشرة، حتى يوم موتي.
كان الصديق الوحيد الذي بقي إلى جانبي، دون أن يعلم أحد.
“سار كل شيء وفق الخطة. حتى هذه البقعة كانت جزءًا منها.”
كان انسكاب النبيذ ضروريًا ليبدو خروجي مع كاليوس طبيعيًا.
“كان الناس يحدّقون، شعرتُ بالغرابة. ظننتُ أنني أستطيع التسلل دون أن يلاحظني أحد وسط الفوضى.”
“ألم يكن ذلك ساذجًا بعض الشيء؟.”
“أقرب إلى تمنٍّ أعمى.”
“توقعات زائدة. كيف يتجاهلون أميرة تدخل بفستان نومها؟.”
هززتُ كتفيّ.
“هم أصلًا يظنونني مجنونة، أليس من اللائق أن أفعل أشياء مجنونة؟ هذا الزيّ يناسبني تمامًا.”
ضحك كال بخبث.
“لديكِ وجهة نظر.”
ثم سأل بصوتٍ أخفض وأكثر جدية:
“لكن ماذا لو رفضكِ الماركيز؟.”
كان يعرف خطتي. لكن معرفته بها لا تعني أنه يعرف السبب.
حتى كال لا أستطيع أن أخبره أنني استعدت ذكريات حياة سابقة وعدت من الموت.
ربما يظنّني مجنونة هو الآخر.
من منظوره، لا بد أنني بدوت غريبة، أعامل أندريه فجأة كعدو.
ومع ذلك، دعمَني دون سؤال.
ربما لأنه كان يكره أندريا أيضًا.
“لن يرفض.”
كنت واثقة أنه انشدّ لعرضي.
وهو في أمسّ الحاجة إلى العون الآن.
لم يبدُ كال مقتنعًا، لكنه لم يجادل.
“بالكاد تعرفين الماركيز.”
“حسنًا…”
“…؟”
السبب الآخر لاختياري كاليوس كان…
“يعجبني وجهه.”
“أوه!.”
تكفّل كال بتشويه وجهه على نحوٍ مضحك.
ضحكتُ بخفة.
“ستغوينه لهذا السبب؟.”
“وهل في ذلك مشكلة؟.”
“ألم تسمعي همسات خادمات أندريه؟ يقولون إنه يستحم بدماء من قتلهم في المعارك، وأن رائحة الدم لا تفارقه.”
“ربما طريقة عناية بالبشرة. بشرته بدت رائعة. ناعمة جدًا.”
حدّق كال في ذهول.
كان منظره مضحكًا لدرجة أنني ضحكت.
“آسفة، أمزح. لا يهمني ما يقوله الناس. أنت تعلم كيف يصدقون كلام أندريه ويقولون إنني مجنونة.”
أومأ كال موافقًا.
“إذًا، الأمر ليس الوجه فقط، أليس كذلك؟.”
نظرتُ إلى وجه كال بصمت.
“إنه يذكّرني بك.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"