منذ وقتٍ قصير، تلقّى كاليوس رودريان رسالة سُلّمت إليه مباشرة.
“…”
حدّق مطولًا في الظرف ذي الحواف الذهبية. كانت رسالة مريبة للغاية، بلا اسم مُرسل.
لو كانت قادمة من رونهايم، لوصلت عبر حمام زاجل. وبما أنها أُرسلت بواسطة ساعٍ، فلا بد أنها جاءت من داخل العاصمة.
ما حيّره حقًا هو: من في العاصمة قد يفكّر أصلًا في مراسلته؟.
كان كاليوس من رونهايم، المنطقة التي تحتقرها نخب إمبراطورية أرينتال، وينظرون إلى أهلها على أنهم برابرة.
كان النبلاء يشمئزون منه علنًا، يدّعون أنه يفوح برائحة الدم والوحوش.
أن يتلقى رسالة؟.
ومع غياب اسم المُرسل، لم يكن مستبعدًا أن تكون مزحة ثقيلة أو رسالة تحمل نية سيئة.
مهما بلغ السوء، فالرسالة ليست سوى ورقٍ وكلمات.
فتح كاليوس الرسالة بلا اكتراث، ثم اتسعت عيناه حين قرأها.
—
『إلى الماركيز رودريان،
علمتُ أنك أنشأت مؤخرًا حديقة قمرية جميلة في رونهايم.
ويقال إن أزهار ريكنِس تتفتح هناك في أبهى صورة.
أودّ أن أرى تلك الحديقة قبل أيّ شخصٍ آخر.
ولو تيسّر لي ذلك، فسأكافئك بسخاء، فأنا أعشق الزهور.
لن أطيل في هذه الرسالة.
إن أردت أن تعرف من أكون، آمل أن تحضر فعالية يوم العشّاق في القصر الإمبراطوري بعد أيام.』
حديقة قمرية. قبل الجميع. مكافأة.
كانت هذه رموزًا لا يفهمها سواه.
أزهار ريكنِس، التي يُقال إنها تتوهج بلون الذهب تحت ضوء القمر. وفي رونهايم، كان الذهب يُشبَّه دائمًا بالريكنِس.
أي إن «الحديقة القمرية» تعني: منجم ذهب.
لم يكن أحدٌ غير أقرب مساعديه يعلم بالمنجم الذي اكتشفه حديثًا.
لا يمكن أن يكون هذا السر قد تسرب…
حدّق كالياس في الرسالة بريبة.
‘من… وكيف؟.’
فتّش الورقة والظرف بعناية بحثًا عن أيّ دليل، لكنه لم يجد شيئًا.
حتى لو كُتب اسم المُرسل، لما صدّقه. لكان ظنّ أن أحدهم ينتحل صفة الأميرة كلوي، تلك التي شاع أنها فقدت عقلها.
—
“انظروا إلى هناك!.”
عند الصوت المشوب بالسخرية، التفت الجميع في قاعة الرقص نحو جهة واحدة.
“يا للوقاحة.”
“أترتدي ملابس النوم؟ لا بد أنها مجنونة!.”
كان اليوم يوم العشّاق، اليوم الذي تُعلَن فيه أغلب العلاقات رسميًا في أرجاء الإمبراطورية.
احتفال ضخم أُقيم في القصر الإمبراطوري.
تبادل العشّاق الهدايا التي أعدّوها لبعضهم. وفي هذا اليوم، كان يُغفر كل تصرّفٍ رومانسي، بل ويُشجَّع.
ولهذا، لم تخلُ الأجواء من مواقف طريفة، وكان الجميع يتمنّى قصة فضيحة تُنعش مللهم.
وكأنها جاءت في الوقت المناسب—
الأميرة كلوي.
“أليست هذه الأميرة المجنونة؟.”
“لا حياء لها. عار على العائلة المالكة.”
“كان يجب حبسها، لا تركها تتجول كوحش.”
همسات تلاحقها كأنها حيوان في قفص. ضحكات مكبوتة خلف المراوح والأيدي.
ومع ذلك، دخلت كلوي إلى وسط القاعة بوجهٍ هادئ، بلا زينة ولا مساحيق.
شهق الناس حين لاحظوا خفّي النوم اللذين ترتديهما.
“يا إلهي، سمعت أن حالتها خطيرة.”
“ألا يوجد من يعتني بها؟.”
ثم، خيّم الصمت.
كانت كلوي تبتسم، ابتسامة رقيقة، لشخصٍ ما.
شعرها الفضيّ لمع، وبشرتها الشاحبة بدت كأنها تشعّ نورًا، وعيناها صافيتان كأجمل الياقوت. رغم أنها لم ترتدِ سوى قميص نوم أبيض، بدت فاتنة على نحوٍ صادم.
“لمن- لمن تبتسم؟.”
التفت الجميع ليروا.
كان هو، الماركيز كاليوس رودريان.
رونهايم، الأرض الشمالية المتوحشة التي أُخضعت بعد حربٍ دامت عقودًا، كانت موطنه.
وكان من سلالةٍ ملكية فيها.
رغم ضمّ رونهايم إلى الإمبراطورية، ظلّ شعبها جامحًا متمرّدًا. وللسيطرة عليهم، عُيّن كاليوس، الذي كان رهينة سابقًا، حاكمًا عليهم.
«يُعيَّن كاليوس رودريان حاكمًا لرونهايم.»
كان أهل رونهايم يتقبلون شخصًا من دمهم، ولو كان مجرد دمية. وكان ذلك الحل الوحيد الناجح.
بطبيعة الحال، نُبذ كاليوس بين نبلاء أرينتال. رأوا أن زعيمًا بربريًا لا مكان له في احتفالاتهم الأنيقة.
بجسده الضخم، وبدلته التي بدت غير ملائمة، وقف وحيدًا في زاوية القاعة. نظراته الحادة المفترسة جعلت الجميع يشعرون وكأنه على وشك الانقضاض عليهم.
ثم، ابتسمت له كلوي.
اقتربت منه بصمت، بخطوات خفيفة بخفّيها، ومدّت يدها.
“أودّ أن أتلقى شيئًا منك.”
كان صوتها ناعمًا، لكنه دوّى في القاعة.
“…”
عقد كالياس حاجبيه. كانا غريبين عن بعضهما، لقاء أول بلا شك.
“أيّ شيء.”
مدّت يدها أكثر.
“أستترك يدي فارغة؟.”
وحين لم يتحرك، أمالت ذقنها نحو المزهرية خلفه، المليئة بالزهور.
المعنى واضح. أعطني زهرة.
توقّع الجميع أن يصدّها أو يدير ظهره ببرود.
“ستُهين نفسها وتبكي.”
“لماذا هو بالذات؟.”
لكن الصدمة وقعت—
حدّق كاليوس فيها بلا تعبير، ثم قطف زهرة ووضعها في يدها بهدوء، لا فظاظة ولا تردد.
كأنه يشاركها لعبتها الغريبة طواعية.
تفتحت ابتسامة كلوي كزهرة ربيع.
“شكرًا لك، ماركيز كاليوس رودريان.”
تساءل الجميع في صمت: ما الذي يحدث؟
“جميلة، لكنها فارغة الرأس. يا للخسارة.”
همس أحدهم بما لم يجرؤ الآخرون على قوله.
اتجهت الأنظار إلى كاليوس. كان ينظر إلى كلوي بنظرة عصيّة على الفهم.
قالت، بابتسامة طفولية وصوتٍ عالٍ:
“أنا أحب الزهور كثيرًا!.”
في تلك اللحظة، ومض شيء في عيني كاليوس.
«أعشق الزهور.»
مصادفة؟.
وفجأة، اصطدمت كلوي بخادم يحمل صينية كؤوس نبيذ.
—تحطّم!.
انسكب النبيذ على قميص نومها الأبيض، ملوّثًا إياه بالأحمر.
“هل أنتِ بخير؟.”
سألها كاليوس بصوتٍ بارد هادئ.
“هـ-هيك…”
نظرت إليه بعينين دامعتين.
لم يستغرب أحد حين قادها كاليوس بلطف إلى خارج القاعة.
“لا بد أن أحدًا كان سيُخرجها.”
“لا ينبغي تركها هكذا.”
وحين غادرا، عاد الناس إلى ثرثرتهم. شفقة مزيّفة، وسخرية مقنّعة.
الأميرة التي كانت يومًا محبوبة، أصبحت موضع شفقة وازدراء. الوريثة الشرعية الأخيرة لسلالة إيديليان، وصِفت بالجنون.
—
“يمكنكِ التوقف عن التمثيل الآن.”
ما إن ابتعدا عن القاعة، حتى أفلت كاليوس ذراعها. لم يكن يدعمها أصلًا، لم تُصب بأذى.
كان الأمر أشبه بالاختطاف.
حدّقت كلوي في عينيه الذهبيتين المتلألئتين في ظلمة الحديقة.
تظاهرت بالهدوء، لكن جسدها كان مشدودًا.
‘أنا خائفة.’
كان كاليوس أضخم وأكثر رهبة مما تتذكر. هكذا إذًا يبدو “الوحش”.
لم تره يومًا عن قرب. جسده بدا كأنه لا يُخترق، ونظرته كأنها تفترس كل شيء.
‘هل كان اختياره خطأ؟.’
ابتلعت ريقها. لكنها لم تتراجع. لا مجال للعودة.
‘تماسكي. اهدئي.’
تنفّست بعمق، واعتدلت.
أخرج كاليوس رسالة من معطفه.
“تلقيت دعوتكِ، أيتها الأميرة.”
كان صوته الغليظ يضغط على صدرها.
“سُررتُ لأنك فهمت بسرعة.”
ابتسمت قسرًا.
“كنتُ واثقة أنك ستأتي.”
“هل تدركين ما كتبتِه؟.”
اقترب خطوة. هبّت نسمة.
تراجعت غريزيًا، ثم تماسكت.
“ماذا تريدين، أيتها الأميرة؟.”
أجابت بإيجاز:
“صفقة.”
“صفقة؟.”
قهقه ساخرًا.
“يقولون إنكِ مجنونة، ويبدو أنهم محقون.”
قالت بهدوء:
“سمعت أنك تأكل البشر. يبدو أننا ضحيتا شائعات. لا فائدة من استخدامها ضد بعضنا.”
ثم قالت بثبات:
“سأتزوجك.”
تجهّم وجهه.
وأضافت:
“وفي المقابل، امنحني منجم الذهب هدية زفاف.”
“…”
“إنه ليس منجمًا حقيقيًا أصلًا. ما الذي يجعلك تتردد؟.”
نظرت إليه بثقة.
“لا تتفاجأ بعد. هذه البداية فقط.”
ثم قالت بنبرة قاطعة:
“ستدرك قريبًا أن قيمتي، تفوق بكثير قيمة منجم ذهبٍ عديم الجدوى.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"