نعم، لقد متُّ مرة من قبل.
متُّ بسبب مؤامرة دبرها أخي غير الشقيق أندريه ووالدته، الإمبراطورة القرينة كابالا، اللذان كانا يتطلعان إلى العرش.
وفقًا لقانون إمبراطورية أرينتال، يُسمح للإمبراطور شرعًا بأن يتزوج أكثر من زوجة، وتُحدَّد أحقية الأبناء في وراثة العرش بحسب مرتبة أمهاتهم.
في الأصل، كان أندريه، ابن الإمبراطورة القرينة، هو الوريث الوحيد، والمقدَّر له أن يصبح الإمبراطور التالي.
لولا أنني وُلدتُ من الإمبراطورة الشرعية، تلك التي عانت سنواتٍ طويلة من الإجهاض المتكرر.
حين أنجبتني أمي، تراجع موقع أندريا في ترتيب الخلافة.
بالنسبة لأندريه، كنتُ العقبة الوحيدة التي تقف في طريقه إلى العرش.
لكنني كنتُ في السابعة من عمري فقط. لم أكن أفهم شيئًا من ذلك.
«لا تحزني يا كلوي. من الآن فصاعدًا، سيحميكِ أخوكِ الأكبر.»
في اليوم الذي وُجدت فيه أمي مشنوقة على الثريّا الجميلة في غرفتها، غرق القصر الإمبراطوري في فوضى عارمة.
اقتيد خدم جناح الإمبراطورة للتحقيق، واختفت الوجوه المألوفة كلها دون أثر.
خيم جوّ خانق وكئيب على القصر.
وسط تسارع الأحداث، بدا وكأن الكبار نسوا وجودي تمامًا.
ركض أندريه نحوي. كان في الثامنة عشرة آنذاك.
«سيكون كل شيء على ما يرام. كلوي، من الآن فصاعدًا لا تثقي بأحد غيري. ثقي بأخيكِ فقط، هذا كل ما عليكِ فعله.»
ذلك الصوت الدافئ.
تلك اليدان اللتان كانتا تربتان عليّ بلطف وأنا أرتجف من الخوف.
كنتُ طفلة، ولم يكن أمامي خيار سوى التعلّق بالحنان الذي مُدَّ لي من عائلتي.
كان أندريه يهدئني بكلمات معسولة ومواساة ناعمة.
«لا داعي لأن تعرفي شيئًا. أنتِ صغيرة جدًا على فهم أمور الكبار، كلوي.»
مرّ الزمن، وعشتُ تحت رعاية أندريه والإمبراطورة القرينة كابالا.
ثم بدأت الشائعات الغريبة بالانتشار.
قيل إن الإمبراطورة كانت مختلّة عقليًا، وإنها شنقت نفسها.
وقيل إن الأميرة كلوي بدأت تفقد عقلها مثل أمها…
هكذا كانت الإشاعة.
ادّعى طبيب القصر أن أمي كانت تعاني الجنون منذ زمن طويل، بل قال إن الأمر وراثي.
كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها بذلك، لكن كل اعتراضاتي أُسكتت بعبارة واحدة:
«أنتِ صغيرة جدًا على الفهم.»
«كلوي، أحيانًا أخشى أن تفقدي عقلكِ أنتِ أيضًا. لكن مهما حدث، سأحميكِ دائمًا. أنتِ أختي الصغيرة الوحيدة، لا تنسي ذلك.»
كان أندريه دائمًا يواسينني بقلقٍ واهتمام. بدا شخصًا يُعتمد عليه.
لم أكره زياراته المتكررة لي، لذلك أبقيته قريبًا.
«ألا تمكثين في غرفتكِ أكثر من اللازم؟ عليكِ أن تتمشي قليلًا.»
«أنا فقط قلق عليكِ. لا تتجولي ليلًا، سيظن الناس أنكِ غريبة.»
«من قال إنكِ لا تستطيعين الخروج؟ قلتُ فقط لا تخرجي وحدكِ. ألا تفهمين ما أعنيه يا أختي؟.»
لكن الغريب أنه بعد كل زيارة له، كان الخوف يلتهمني.
ما خطبي؟ هل أجنّ فعلًا مثل أمي؟.
ماذا لو تخلّى عني أندريه؟.
حينها، لم أكن قادرة على فعل أي شيء.
«لا تقلقي. سأبقى دائمًا إلى جانبكِ. وإن لم أكن أنا، فمن غيري لديكِ؟ أنا الوحيد الذي يمكنكِ الوثوق به.»
حاولتُ جاهدًة ألا أقلق أندريه. فهو كان كل ما أملك.
«كما قال سموّ الأمير، عليكِ أن تتمشي نهارًا وتتعرّضي للشمس.»
كانت نصائح الطبيب تتغير وفق آراء أندريه، لكنني لم أسمح لنفسي بالاعتراض.
«نحن جميعًا قلقون عليكِ.»
نعم، لا بد أن هذا هو السبب.
لكن سواء التزمتُ بنصيحة الطبيب أم لا، كان كل ما أفعله يُعد خطأً.
«سموّ الأمير قلق لأنكِ تهملين واجباتكِ وتتمشين كثيرًا. كثرة المشي مضرّة.»
دائمًا هكذا.
ازداد ارتباكي شيئًا فشيئًا، حتى لم أعد قادرة على اتخاذ أي قرار دون أندريه.
«كلوي، لم تكوني هكذا من قبل. لماذا تنهارين؟ أما زلتِ تعانين؟.»
«تقولين لا؟ لا، أظن أنكِ تعانين حقًا. هذا مؤسف.»
هل أبدو وكأنني أعاني؟ هل أنا أعاني فعلًا؟ لا بد أنني كذلك…
«أنا فقط قلق عليكِ. ماذا؟ هل انزعجتِ مني؟ لا؟ انظري، أنتِ تناقضينني الآن. أليس هذا انفعالًا؟.»
هل انزعجتُ دون أن أشعر؟ ما الخطأ بي؟.
«لقد أصبحتِ سريعة الغضب ومتقلّبة المزاج مؤخرًا، تمامًا كجلالة الإمبراطورة.»
«أنتِ مُتعِبة حقًا.»
في مرحلة ما، أصبحتُ دائمًا موصوفة بالحساسية والانفعال، رغم أنني لم أرفع صوتي قط.
«أختي الصغيرة المسكينة، لقد فقدت عقلها من شدة حزنها على وفاة جلالة الإمبراطورة.»
وهكذا، أصبحتُ الأميرة المجنونة.
حين قال أندريه وأهل القصر إنني مجنونة، صدّقتُ ذلك. وأقنعتُ نفسي أن الذنب ذنبي، وأن عليّ أن أكون أفضل.
ثم أصبح زواجي قضية كبرى بيني وبين أندريه.
«كلوي، لماذا ترفضين هذا الزواج؟ أتظنين أنني سأعرّفكِ على رجل لا يليق بكِ؟ إن واصلتِ هذا التصرف الأناني، فلن نستطيع البقاء أخوين مقرّبين.»
«أتظنين أنني أفعل هذا تسلية؟ بصفتكِ فردًا من العائلة الإمبراطورية، عليكِ أن تكوني نافعة للإمبراطورية. حان وقت تحمّل دوركِ.»
كان الزواج الذي اقترحه عليّ فجأة صاعقًا، لم أكن مستعدة له إطلاقًا.
لكنني شعرتُ أن رفضي سيحطم علاقتنا.
فوافقت.
وكان ذلك بداية الكابوس.
«كيف تجرؤين على النظر إلى زوجكِ بهذه الوقاحة؟ أتظنين أنكِ تستطيعين الترفع عليّ لأنكِ أميرة؟!.»
«لم أقصد… لم أرد إهانتك.»
«أوه، إذن أنا المخطئ؟ أيتها المجنونة، أنتِ أسوأ من الوحوش!.»
«أنا آسفة، كنتُ مخطئة…!»
الرجل الذي قدّمني له أندريه، الفيكونت بيلسوس، كان تاجرًا ثريًا اشترى لقبه بصعوبة وتسلّق إلى طبقة النبلاء.
كان يعاني عقدة نقص عميقة بسبب أصوله، فكان يفرغ غضبه واحتقاره بي.
وبما أن الشائعات عن جنوني كانت قد انتشرت، لم يصدّق أحد أنني أمتلك عقلًا سليمًا.
أُهنتُ من زوجي بكل الطرق الممكنة. كان كل يوم جحيمًا.
وفي أحد الأيام، عاد بيلسوس مخمورًا وغاضبًا.
«لا بد أنكِ همستِ بشيء قذر لأخيكِ! لماذا لا يمنحني لقب الكونت؟!.»
كنتُ قد تحمّلت ضربات لا تُحصى، لكن ذلك اليوم كان مختلفًا.
«أرجوك، ارحمني…»
دهسني بلا رحمة وأنا أتوسل، حتى كدتُ أختنق.
لا أعلم كيف نجوت. حين أفقت، كنت أركض نحو أندريه، جسدي مدمّى ومحطّم.
لكن حين وصلت إليه، نظر إليّ بضيق.
«ألا تستطيعين حل مشاكلكِ الزوجية بنفسكِ؟ هل عليّ أن أعتني حتى بهذا؟ هل هناك شيء واحد تستطيعين فعله وحدكِ؟»
«أخي…»
«كفي عن كونكِ عبئًا. لماذا يجب أن أتحمّل مسؤوليتكِ؟ أنتِ وأنا غريبان تقريبًا. لا، أنتِ العقبة اللعينة في حياتي.»
الشخص الوحيد الذي ظننتُ أنني أستطيع الوثوق به، لم يرَ فيّ سوى عبء.
«لماذا تفعل هذا يا أخي؟ لماذا تقول إننا غرباء…؟ أنا آسفة، حقًا آسفة، كلّه ذنبي.»
«هل تعرفين أصلًا ما الذي أخطأتِ فيه؟.»
«ما الذي أخطأتُ فيه…؟ أخبرني، وسأصلح كل شيء.»
«هاه. لا فائدة. حتى لو وُلدتِ من جديد، ستظلين بلا قيمة. أنتِ فاشلة.»
ثم نظر إلى جسدي الملطخ بالدماء وقال:
«ستَموتين على أي حال. لذا أسرعي وموتي فحسب، حسنًا؟ سيصبح الجميع أكثر سعادة لو أنكِ متِّ.»
«أخي…»
«هذا آخر طلب أقدّمه لكِ. من أجل أخيكِ، لتموتي بهدوء. سنقول إن الفيكونت بيلسوس هو من قتلكِ.»
كان أندريه محقًا. لو عدتُ، لمتُّ على أي حال. لم يكن لديّ أي قشّة أتشبث بها.
الفارس الذي أرسله أندريه ليسحبني إلى الغابة سخر مني.
«كانت أمكِ تحمل التعبير نفسه حين ماتت.»
«ماذا… تعني؟»
«أنتِ بطيئة الفهم على نحو يثير الشفقة. العالم كله يعرف أن الإمبراطورة القرينة والأمير هما من دفعا أمكِ إلى الموت باتهامها بالجنون. أنتِ الوحيدة التي لا تعرف.»
“…!”
«هل تعلمين لماذا أبقوكِ حيّة؟ لو متِّ أنتِ أيضًا، لكان الأمر مريبًا جدًا.»
لم أفهم كل شيء إلا حين كنتُ على وشك الموت.
قُتلت أمي.
واستُخدمتُ أنا.
«من حسن الحظ أن شخصًا أحمق مثلكِ لم يصبح إمبراطورًا.»
وبينما كان الفارس يسخر، متُّ.
…أو هكذا ظننت.
في اللحظة التي كان فيها وعيي يتلاشى، انتفضتُ فجأة.
كنتُ في غرفتي بالقصر الإمبراطوري.
وحين استعدتُ وعيي، كنتُ في الثانية والعشرين من عمري مجددًا، في أواخر الصيف، قبل عشر سنوات، في الوقت الذي بدأت فيه مفاوضات زواجي من الفيكونت بيلسوس.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"