المنطقة التجارية المزدهرة في إقطاعية الماركيز تخلّت عن هدوء المساء كله، وغرقت في ضجيجٍ عارم وصخبٍ فوضوي، على عكس ما كانت عليه تمامًا حين مرّا بها أداماس وسافيروس في الفجر الباكر.
“الجميع، تحلّوا بالهدوء وأخلوا المكان فورًا!”
بين الناس المرتبكين والباعة الجوالين الذين كانوا يطوون بسطاتهم على عجل، أخذ الحراس يصرخون موجهين تعليمات الإخلاء.
“واااااه.”
“آآآآآآك!”
“أوخ، لا تدفعوا! آآه، دستَ على قدمي! قدمي يا عم!”
إنه جحيمٌ متواصلٌ طوال اليوم.
كانت أداماس تتمايل متخبطةً وقد جرفتها أمواج البشر من كل جانب.
‘لا، ما الذي يحدث بالضبط حتى صار الجميع هكذا.…؟’
وبينما كانت تَدفع من هنا وهناك، رفعت أداماس رأسها بصعوبة، فامتلأت عيناها بشكلٍ قاتمٍ داكن. حدّقت فيه ثم فركت عينيها مرارًا.
“هذا….غير معقول.”
كتلةٌ هائلة يبلغ ارتفاعها نحو ثلاثة أمتار، صُنعت من طينٍ أسود كثيف.
جسدٌ عملاقٌ ينفث وهجًا أحمر خافتًا بين خيوط الغروب الآفل، وكان شيءٌ ما يلمع بخفةٍ على جبهته.
“هاهاهاها. لا تقل لي أن هذا هو الشيء الذي قال سافيروس أنه يعبر الصحراء؟”
‘يا لسوء الحظ اللعين الذي يلازم هذه الإقطاعية.’
خرجت الشتائم من فمها تلقائيًا.
“واو، حقًا. إقطاعية ماركيز ملعونة! كأن مصيرها أن تهلك مهما كان!”
ذلك الشيء الذي لم يكن يُرى إلا في كتب السحر المدرسية، كان الآن ماثلًا أمام عيني أداماس.
وحشٌ مجهول عبر الصحراء….إنه غولِم.
“يا للسماء، ثلاثة غولِماتٍ دفعة واحدة؟ أين سافيروس؟”
حتى وهي تُدفع بين الناس، أخذت أداماس تلتفت حولها باحثةً عن سافيروس.
وجدته أخيرًا تحت برج الأجراس مباشرة. و كان سافيروس يشهر بسيفه ويركّز ذهنه بالكامل.
ومن نصل السيف بدأت هالةٌ زرقاء، كسرابٍ خفيف، تتصاعد ببطء حتى غلّفت السيف الطويل النحيل.
‘نصل الأورا!’
صار ظهر السيف أكثر سُمكًا بمرتين، وامتدّ النصل إلى أكثر من ضعف طوله.
“كما توقعت، سيّد السيف يبقى سيّد السيف.”
أصغر سيّد سيف غير رسمي في إمبراطورية فرانسيس. كانت عبقرية مانو سافيروس تتلألأ في تلك اللحظة.
رفع سافيروس سيفه المغلف بالحدّة الزرقاء، وانقضّ كالسهم نحو الغولِم.
كواااك— بواك—
بدويٍّ هائل، انفصل عنق الغولِم. ومن دون أن يضيّع لحظة، اندفع سافيروس نحو الغولِم الثاني، فباشر الغولِم الآخر بدوره هجومه عليه.
وإذ شاهدت أداماس سافيروس يعاني تحت هجومٍ مركزٍ من غولِمين، عضّت على شفتيها.
“هياااه!”
كان يهاجم مطلقًا صيحةً مدوية، لكن يبدو أن الوقت لم يسعفه للتركيز، فلم تكن حدّة سيفه بقوة الضربة الأولى.
ومع ازدياد هياج الغولِمان ودمار المدينة من حوله، قبضت أداماس على يدها بقوة.
يجب أن أساعد سافيروس بأي طريقة….
“أوه! لا تدفعوني!”
لم تستطع الاقتراب. فالحشود التي تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الغولِمان كانت تدفعها للخلف بدلًا من أن تتركها يتقدم.
“آآه! آه، قدمي!”
‘يجب أن أصل إلى هناك.’
حتى لو لم أستطع القضاء على الغولِم، يكفي أن أشتّت انتباهه قليلًا، وساعتها سيتمكن سافيروس من قطع عنقه بسهولة.
“أرجوكم، لا تدفعوا!”
“تنحّوا جميعًا!”
صرخات المتعثرين والساقطين، وبكاء الأطفال المنادين على أمهاتهم، ترددت في كل مكانٍ في آنٍ واحد.
وفي تلك اللحظة، مرّ بجانب أذن أداماس هدير ريحٍ عاتية، ثم هبّت من خلفها موجة حرارةٍ ساخنة— هووف.
ما اخترق الهواء المهتز وعبر أمام عيني أداماس لم يكن سوى النار.
شهاااك— كواانغ—
اندفعت ألسنة اللهب نحو أسفل قدمي الغولِم. و لم يفوّت سافيروس تلك اللحظة الخاطفة.
وبنصل الأورا الأزرق، قطع عنق الغولِم الذي تباطأت حركته. فانفجر رأس الغولِم بانفجارٍ مكتوم، كألعابٍ نارية، وتناثرت ذرات التراب عاليًا في الهواء.
دفع سافيروس الأرض بكل ما أوتي من قوة وقفز، ثم قطع بلا تردد عنق الغولِم الأخير.
كانت حركاته المتتابعة سلسةً كجريان الماء، حتى أن أداماس ظلّت تحدّق مذهولةً في المشهد.
كوكوكونغ—
لم يستغرق سقوط رؤوس الغولِمات الثلاثة حتى عشر دقائق.
وفي مواجهة قتال سيّد سيف تراه للمرة الأولى في حياتها، فقدت أداماس إدراكها من شدة الانبهار.
التعليقات لهذا الفصل " 8"