“تينا، في روفيانا. لسنا بانثيون، ولا حاجة بنا إلى تعريض أنفسنا للخطر بحثًا عن قلادة أوكلاند.”
“هذا صحيح، لكن….”
“تينا، ما الشيء الذي تريدين حمايته أكثر من أي شيء؟”
“هذا بديهي….عائلتي.”
أونيكس. العائلة التي تخلّت عنها، والعائلة التي تخلّت هي عنهم. هكذا انتهى بهم الأمر، ومع ذلك لم تكن فيرفيتينا تكره عائلتها.
“كنتُ واثقةً أن سيفي سيكون عونًا لمانو. وهذه القناعة لم تهتز يومًا.”
في الأصل، كان سبب دخولها ساحة المبارزة سعيًا لأن تصبح فارسة، هو أن روفيانا غزت مانو لأول مرةٍ منذ خمسين عامًا.
“أمسكتُ السيف لأحمي ما هو عزيزٌ عليّ.”
لو لم يكن الأمر كذلك، لربما تزوجت بهدوءٍ من الرجل الذي اختاره لها والدها، وتخلّت عن شغفها بالسيف، وعاشت سيدةً عاديةً في بيت نبيل.
وحين يفرغ قلبها أحيانًا، كانت ستلوّح بسيفها في الهواء على انفراد، ثم تعود إلى صمتها.
“لذلك، سأتظاهر بعدم المعرفة، في الوقت الحالي.”
“شكرًا لكِ، تينا. حقًا. أنتِ تعرفين كم أحبكِ، أليس كذلك؟”
ثم فركت أداماس يد فيرفيتينا على خدها.
“تأخر الوقت. لننهِ الحديث هنا.”
ثم قال سافيروس ذلك وهو يباعد بينهما، وقد كان يستمع بصمت.
“….آه، نعم. عذرًا على الإزعاج في هذا الوقت المتأخر، سيدي القائد.”
نظرت فيرفيتينا إلى سافيروس بنظرةٍ جانبية،
“سأوصلكِ.”
“أنتَ لطيفٌ إلى هذا الحد أمامها فقط….”
“ماذا قلتِ؟”
“لا شيء سيدي القائد. كنتُ أتمتم فقط. أشكركِ على لطفكِ، لكنني أستطيع الاعتناء بنفسي.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تنهض. ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة حين رأت أداماس تتبعها حتى باب الكوخ لتودّعها، ودفعتهل فجأةً باتجاه سافيروس.
“أ، آه.…! تينا!”
راحت أداماس تلوّح بيديها في الهواء، وهي تسقط بين ذراعي سافيروس.
“….اذهبي بسلام.”
“نعم. ليلة طيبة لكما، سيدي القائد، وماس.”
أدت فيرفيتينا التحية بانضباط، ثم فتحت الباب بسرعةٍ وغادرت الكوخ الخشبي.
و ظلت أداماس تحدّق في ظهرها للحظة، ثم أفاقت واعتدلت في وقفتها،
“ر، رأسي لم يجف بعد، ألن تبتل ثيابكَ؟”
“لا بأس.”
قال سافيروس ذلك وهو ينفض صدره بخفة.
و ساد بينهما صمتٌ قصير. ثم عضّت أداماس على شفتيه، و سألت بتردد،
“….ألا يوجد شيءٌ تريد أن تسألني عنه؟”
“هل ما زال لديكِ ما لم تقوليه؟”
“لا أدري. وحتى لو كان هناك شيء، فلم أتعمد إخفاءه أبدًا. صدّقني.”
أمسكت أداماس بيدي سافيروس بكلتا يديها بإحكام. وحين رأى الرجاء المرتسم في عينيها الخضراوين، أومأ سافيروس برأسه.
“حسنًا. سأصدقكِ. لذلك توقّفي عن وضع هذا الوجه الشبيه بجروٍ ينبش القمامة تحت المطر.”
قال سافيروس ذلك وهو يتجنب نظرها.
‘جروٌ ينبش القمامة؟ ما هذا الوصف الدقيق أصلًا؟ و أليست هذه إهانة؟’
“عـ، على أي حال شكرًا! روس، لن أكذب بعد الآن. لا أسرار في حياتي! اسألني عن أي شيءٍ تريد من الآن فصاعدًا.”
قالت أداماس ذلك وهي تهز يدي سافيروس الممسكتين بقوةٍ يمينًا ويسارًا.
“لا يخطر ببالي شيءٌ الآن.”
“تينا سألت متى ستصبح فارسةً رسمية. ألا تشعر بالفضول؟ عن مستقبلكَ أنتَ؟”
“المستقبل….”
“نعم. أو مثلًا، كيف سيكون تقييمكَ في المستقبل.”
عند صوت أداماس المنخفض، ابتسم سافيروس بهدوء، ثم مدّ يده ومسد على شعر أداماس الذي لم يجف تمامًا ببطء.
“لنُجفف شعركِ أولًا. تعالي إلى جوار الموقد.”
***
“تعرفين….في الحقيقة، لا أملك أي ذكرياتٍ من طفولتي المبكرة.”
قال سافيروس ذلك وهو يلقي قطعة حطبٍ مشقوقةٍ جيدًا أمام الموقد المشتعل ببطء.
كان صوته عاديًا، وكأن الأمر لا يعني شيئًا يُذكر.
“أتقصد فقدان ذاكرة؟”
“لا أدري….ربما لأنني كنتُ صغيرًا جدًا.”
أول ذكرى له كانت مكبّ النفايات. أيامًا باردةً وجائعةً لا يمكن نسيانها مهما حاول.
عاش سافيروس على هذا النحو حتى التقط سيفًا حديديًا صدئًا من مكبّ القمامة وشارك به في ساحة المبارزة.
كانت حياةً تمضي كما تأتي. ينبش القمامة، ويتسوّل.
لكن منذ أن فاز في المبارزة وتُوّج فارسًا، تغيّر كل شيء. ذلك المنصب الذي منحه إياه القدر صار على نحوٍ عجيبٍ هدف حياته.
لعل قوله أنه بلا ذكريات كان صادمًا، إذ حدّقت أداماس به بوجهٍ يكاد يبكي.
“لا داعي لأن تنظري إليّ هكذا.”
“ألم يأتِ أحدٌ يبحث عنكَ بعد أن صرت فارسًا؟”
“لا. لم يأتِ أحد.”
“ربما كانت هناك ظروفٌ ما. من يدري؟ قد تكون ابن عائلةٍ عظيمة.”
“لا حاجة لمواساتي. على الأرجح أنا مجرد طفلٍ فقير تخلّت عنه عائلته.”
ابتسم سافيروس بصمت.
“ماس، هل سمعتِ من قبل مقولة أن المنصب هو من يصنع الإنسان؟”
“….نعم.”
“أظنها صحيحة. لطالما اعتقدتُ أن حياتي مرتبطةٌ بالماركيزية….هكذا كنتُ أفكر.”
هل كان إخلاص سافيروس الأعمى في القتال، و استعداده لإلقاء نفسه كاملًا في ساحة المعركة، نابعًا من هذا الاعتقاد؟
لكن ذلك….كان وحيدًا جدًا.
‘هل أنتَ حقًا بخير.…؟’
“لكن في الآونة الأخيرة، بدأت أفكر بشكلٍ مختلفٍ قليلًا.”
“هاه؟ أيّ تفكير؟”
“كنتُ أظن أن التضحية بحياتي من أجل الماركيزية أمرٌ لا تردد فيه….لكن الآن، لم أعد متأكدًا من أنني أستطيع فعل ذلك كما في السابق.”
قال سافيروس ذلك وهو ينظر إلى أداماس.
و في عينيه الزرقاوين، كانت أداماس وحدها تملأ المشهد بالكامل.
طقطقة الحطب المشتعل كانت الصوت الوحيد الذي كسر الصمت بينهما.
“أنتَ.….”
“صرتُ أخاف الموت قليلًا. أليس هذا غريبًا؟”
ابتسم سافيروس وهو يواجه عيني أداماس الخضراوين المتسعتين.
“أريد أن أرى شمس الغد.”
‘معكِ….’
همس بها في سره، ومدّ يده، فشبك أصابعه في شعر أداماس القمحي الرطب.
كانت مسافةً خطرة. فأغلقت أداماس عينيها بإحكامٍ وهي تواجه سافيروس.
بين شفتيهما الملتصقتين بصمت، انساب دفءٌ حلوٌ وناعم. و لم تعد أداماس تسمع طقطقة النار في الموقد. لم يبقَ في أذنيها سوى صوت قلبها.
كان الزمن يبدو وكأنه مرّ في لحظة، وكأنه امتد دهرًا كاملًا في آنٍ واحد.
وحين بدأت الأجساد المتكئة على بعضها تبتعد ببطء، كان الشعر الذي كان رطبًا قد جفّ طبيعيًا.
ومن نافذة الكوخ الخشبي، تسلل ضوءٌ أزرق هادئ رويدًا.
***
فركت أداماس وجهها بكتف سافيروس الذي كان ينام متكئًا عليها. و تمتمت، نصف غارقةٍ في النوم،
“ألم يكن حديثي مزعجًا؟”
“لا. لا بأس.”
“لم تبقَ مستيقظًا لأنني أزعجتكَ، أليس كذلك؟”
“لا مشكلة في ألا أنام ليومٍ واحد. و حتى لو نمتُ….”
“هم؟”
“لا، لا شيء.”
‘حتى لو نمتُ، لكنتُ رأيتُ كوابيس على أي حال. فالبقاء هكذا معكِ أفضل.’
ابتلع سافيروس كلماته بصمتٍ وأغمض عينيه، فقط ليشعر بذلك الدفء أطول قدرٍ ممكن.
“روس، اسمع.”
“نعم.”
“ألا يوجد حقًا شيءٌ تود أن تسألني عنه؟”
“أليست تلك قصة انتهت البارحة؟”
في مساء الأمس، أخبرت أداماس سافيروس بكل ما تعرفه.
وعندما سُئلت: “كيف جئتِ إلى الماضي؟” أجابت: “كنتُ فقط أعبث بخاتم الزمرّد، وهو تذكار والدي، ثم غفوتُ….فوجدتُ نفسي فجأةً قبل مئة عام.”
وعندما سُئلت: “إذًا هل كان والدكِ من بيت الماركيز؟” قالت: “لا أعرف ذلك.”
قالت أنها تفاجأت كثيرًا حين رأت الماركيز لأول مرة، و أنها ظلت تظن أن لقب والدها “مارنو” سببه كونه لاجئًا من مانو.
وحين سُئلت عن والدتها، هزّت أداماس رأسها نفيًا. فقد توفيت والدتها أثناء ولادتها، ولم يكن لها أقارب آخرون.
“فكّري بالأمر. معظم إجاباتكِ بالأمس كانت: لا أعرف.”
قال سافيروس ذلك بنبرةٍ مازحة نصفها سخرية.
“هيه! هذا لأنكَ كنتَ تسألني فقط عن أشياء لا أعرفها فعلًا!”
“أحقًا؟ في الحقيقة، هناك شيءٌ واحد يراود فضولي….”
“ما هو؟”
سألت أداماس بصوتٍ مرتجفٍ من الترقب.
“هل بقي شيءٌ من الحساء الذي أكلناه بالأمس؟”
“….لا، لم يبقَ. يجب أن نطبخ من جديد.”
“والخبز؟”
“ذلك موجود.”
“حسنًا. لنخرج اليوم أبكر قليلًا. هناك أمرٌ يجب أن أرفعه إلى الماركيز.”
“ما الأمر؟ هل هو خطير؟”
“بالأمس ذهبتُ لأتفقد أرض إنشاء فرع التجار. لكن يبدو أن رئيسة النقابة مترددةٌ قليلًا.”
“مترددة؟ إذًا لن تنشئ الفرع في الماركيزية؟”
“لا، ليس إلى هذا الحد. عند توقيع عقد توزيع أحجار السحر، اتفقنا على إنشاء فرع.”
“فما المشكلة إذًا؟”
“العقد لم يذكر تفاصيل دقيقةٍ عن حجم الفرع.”
“تعني أنه قد يكون فرعًا شكليًا فقط؟”
“على الأرجح. لو رأيتِ تعابير رئيسة النقابة وهي تتفقد الماركيزية بالأمس، لفهمتِ فورًا. على الأقل، رئيسة نقابة هيليودور ترى أن هذه الأرض بلا قيمةٍ استثمارية.”
“….إذًا، هل تريدني أن أتحدث مع رئيسة نقابة هيليودور؟”
“أنتِ؟”
“نعم. ربما أستطيع فعل شيءٍ ما. نحن من العاصمة نفسها….وأنا من المستقبل أيضًا.”
“تتحدثين وكأن كونكِ من المستقبل قدرةٌ خارقة.”
“وأنتَ تتحدث وكأنكَ قابلت عشرة أشخاصٍ انزلقوا عبر الزمن من قبل. يبدو أنكَ لم تدرك بعد كم أن هذا أمرٌ استثنائي، يا سيد سافيروس.”
“حتى لو لم يكن انزلاقًا زمنيًا، فأنتِ استثنائيةٌ بالنسبة لي.”
_____________________
استحيت ضامين بعض وتوهم بايسين بعض بعد والحين قاعد يغازل؟ وش بقيت للزواج يالخوي؟😭
اشوا تينا طلعت بدري كنت انتظر الضمه والرخص بس البوسه ماتوقعتها اصلا ماوضع انها بوسه✨
المهم كنت احسبها بتبكي بعد بس يله ماظني بتعلمه انه مات ☹️
التعليقات لهذا الفصل " 56"