حتى صوت الرياح صار مسموعًا، فسكن السكون أرجاء الكوخ الخشبي.
كان سافيروس بوجهٍ متجهمٍ يطرق بإصبعه السبابة اليمنى على طاولة الطعام الخشبية طرقًا خفيفًا.
أما فيرفيتينا فلم تستطع سوى تحريك شفتيها دون أن تنبس بكلمة.
“أداماس، دعيني أسألكِ سؤالًا واحدًا.”
“همم؟ حسنًا، روس.”
عند سماعها نبرة سافيروس الثقيلة، وهي نبرةٌ لم تعهدها مؤخرًا، ابتلعت أداماس ريقها لا شعوريًا.
‘عليّ أن أجعلهم يصدقونني مهما كلف الأمر.’
كانت أداماس مستعدةً لسرد الأحداث التاريخية القادمة واحدًا تلو الآخر.
“بعد خمس سنوات، كم سيكون إنتاج القمح الشتوي؟”
“……ماذا؟! كيف لي أن أعرف أمرًا كهذا!”
“ألم تقولي أنكِ جئتِ من المستقبل؟ فلماذا لا تعرفين؟”
“ذ، ذلك لأن….”
تلعثمت أداماس وتركت كلامها يتلاشى.
“لا يا سيدي القائد، من ذا الذي يحفظ كميات حصاد القمح الشتوي بالتفصيل؟ اسألها عن أمرٍ أكثر أهمية!”
صرخت فيرفيتينا وهي تقفز من مقعدها. فارتطم الكرسي بالأرض محدثًا جلبةً مدوية.
“ماس! سأكون أنا من يسأل. إن كنتِ حقًا من المستقبل، فأجيبي بوضوح!”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تضرب الطاولة بكلتا يديها.
“نعم، تينا. اسألي ما تشائين. أستطيع حتى إخباركِ بسنة تتويج الإمبراطور القادم.”
“وما قيمة ذلك؟ إنه عالمهم هم في النهاية.”
ثم، وقد اختفى الاستهزاء من صوتها، سألت بنبرةٍ منخفضةٍ وجدية.
“ماس، أجيبيني بلا كذب.”
“نعم، تينا.”
“….متى أصبح فارسةً رسمية؟”
“ماذا؟”
“متى أنزع عني هذه اللعنة المسماة فترة التدرّب؟!”
“….لعنة المتدرّبة؟ أكنتِ ترينها هكذا؟”
“سيدي القائد، أرجوكَ ابقَ صامتًا قليلًا.”
“….هاهاها.”
وهي يتاقب الاثنين يتسابقان في طرح أسئلةٍ غير متوقعة، انفجرت أداماس بضحكةٍ مرتبكة.
ثم مدّت يديها المتوترين، وقد قبضت عليهما بإحكام،
“ألا يمكن لكما أن تكونا جديين قليلًا؟”
“أنتِ من يتوتر لأمرٍ لا يستحق. لم ترتكبي جريمةً أو شيئًا.”
“صحيح. لم يمت أحد. على أي حال، قولي لي. متى أصبح فارسة؟”
بين سافيروس الذي شدّ طرف فمه بسخرية، وفيرفيتينا المصممة على انتزاع الجواب، فتحت أداماس فمها بصعوبة.
كان بإمكانها خداعهم بكذبةٍ جميلة. لكنها لم تُرِد ذلك.
لقد تغيّر المستقبل، ويمكن تغييره، ولهذا أرادت أداماس أن تخبرهم بالحقيقة.
“أولًا، تينا، لن تصبحي فارسة. آه، هذا ليس خطأكِ. لم يكن هناك من يستحق أن تُقسمي سيفكِ له. لكن، بدلًا من ذلك، ستصبحين في المستقبل سيّافةً شهيرةً جدًا. أول امرأةٍ تُلقّب بملكة المرتزقة. لديكِ سيرةٌ ذاتية أيضًا. وتعيشين عمرًا طويلًا لا بأس به. طول العمر نعمة، أليس كذلك؟”
“روس. أنا لا أعرف إنتاج القمح الشتوي في مقاطعة الماركيز مانو بعد خمس سنوات. فلا توجد سجلاتٌ لذلك، وفوق هذا، بعد خمس سنوات لن تكون هذه الأرض أصلًا تابعةً للماركيز مانو.”
“ليست تابعةً للماركيز مانو؟”
عند سماعه ذلك، حدّق سافيروس بصمتٍ عبر النافذة. شفاهه المطبقة وذقنه المرتجفة كانا أبلغ من أي كلامٍ عن هول الصدمة التي تلقاها.
“آسفة، روس. قد يكون هذا قاسيًا، لكنها الحقيقة. وسبب اعترافي بهذا لكما هو أن ما سأقوله الآن بالغ الأهمية.”
ساد الصمت بين الثلاثة.
ثم فتح سافيروس عينيه ببطءٍ بعد أن كان غارقًا في التفكير،
“سأستمع.”
“وأنتِ يا تينا؟”
“أ، أنا أيضًا. سأستمع.”
تركزت أنظار الاثنين على أداماس. وبعد أن أخذت نفسًا عميقًا، بدأت تتكلم بصعوبة.
“قلادة أوكلاند هي الختم الإمبراطوري. مطابقةٌ تمامًا لذلك الذي يستخدمه الإمبراطور الحالي….فرانسيس أسسها شوون وإمبراطورة أوكلاند معًا. لم يكن أقل من حكمٍ مشترك. وكان شوون غير راضٍ عن ذلك. لذلك أراد انتزاع ختمها الإمبراطوري. لكن إمبراطورة أوكلاند أدركت مؤامرته، فهرّبت الختم مسبقًا.”
“ولهذا لم يكن أمام شوون إلا أن يسجن الإمبراطورة في البرج؟ بحثًا عن مكان الختم؟”
أومأت أداماس برأسها ردًا على سؤال سافيروس.
“لأن وقوع الختم بيد شخصٍ آخر كان سيؤدي إلى كارثة. كان على شوون أن يدمّر ختم الإمبراطورة بأي ثمن. فذلك كان شرطًا أساسيًا لإتمام عملية تقديسه لنفسه. لكن في النهاية، دون أن يعثر على الختم، لم يجد خيارًا سوى قتل إمبراطورة أوكلاند.”
قالت أداماس ذلك بنبرةٍ موحشة. وساد الكوخ الخشبي صمتٌ عميق.
ثم مدّ سافيروس يده بهدوءٍ وأمسك يد أداماس المرتجفة ارتجافًا خفيفًا، دون أن تلاحظ فيرفيتينا.
و كانت فيرفيتينا تستمع إلى حديث أداماس، فعبست ومالت برأسها متسائلة،
“أليس هذا غريبًا؟ لماذا ترك المذكرات دون إخفائها؟”
“نُرجّح أنه أخفاها. ويُعتقد أنها اكتُشفت فقط لأن البرج انهار بالكامل بفعل الأمطار الغزيرة.”
“إذًا لماذا ترك جثة الإمبراطورة دون دفن؟”
“لا أحد يعرف السبب بدقة. لكن المؤرخين يقولون: لم تكن هناك حاجةٌ لإزالتها.”
“تقصدين أنه تعمّد تركها؟”
“نعم، تينا. في الحقيقة، مهما حاول شوون إسكات الأفواه، فلا بد أن كثيرين في ذلك العصر كانوا يعرفون إمبراطورة أوكلاند. خصوصًا مؤسسي الدولة الذين ساهموا معها في بناء الإمبراطورية، جميعهم كانوا على علمٍ بوجودها.”
“في عصر ملك الأسود، هناك سجلاتٌ كثيرة عن حبس المذنبين في البرج الشمالي لبضعة أيامٍ ثم إطلاق سراحهم. كنتُ أتساءل دائمًا: ما العقوبة في مجرد أيامٍ قليلة….”
ساد الصمت العميق مرةً أخرى. فرفعت فيرفيتينا يدها بحذر.
“….عذرًا، لكن ما علاقة كل هذا بنا الآن؟”
“همم. ببساطة، يعني أن بانثيون يفكر في امتلاك الختم الإمبراطوري. فالختم الموجود في القصر الإمبراطوري سيكون على الأرجح في يد الدوق كريف.”
“أفهم.”
“وربما يكون هذا أمرًا جيدًا. إن عثروا على الختم، فغالبًا سيغادر بانثيون و ستيبان المقاطعة. سيحملون ختمًا جديدًا، ويبحثون عن كبار النبلاء الذين سيدعمونهم.”
قالت أداماس ذلك بوجهٍ أكثر ارتياحًا، فأومأ سافيروس برأسه وسألها،
“حسنًا. فأين قلادة أوكلاند إذًا؟”
“لا علم لي. تينا، هل سمعتِ شيئًا عنها؟”
سألت أداماس بعينين لامعتين.
“ألم تكوني تعرفين أنت يا ماس؟”
“أنا؟”
“ظننتُ أنها اكتُشفت في المستقبل بالفعل. أليس كذلك؟”
“أبدًا. الذي عُثر عليه كان المذكرات فقط. العائلة الإمبراطورية أنكرت أصلًا وجود الإمبراطورة أوكلاند.”
ولم يكن هذا كل شيء. فقد أعلنت العائلة الإمبراطورية أن “الجثة مزوّرة، و أنها حيلةٌ من مثيري الفتن الداعين إلى الجمهورية.”
ولهذا بالذات صُدمت أداماس عندما سمعت عبارة “قلادة أوكلاند”. لأن الحادثة التي أُعلن أنها ملفّقة، كانت في الحقيقة حقيقية.
“….تينا، حقًا، ألا يوجد شيءٌ آخر سمعته؟”
سألت أداماس فيرفيتينا وهي تعضّ على شفتيها بقلق.
و عقدت فيرفيتينا حاجبيها وكأنها تسترجع أمرًا ما في صمت، ثم فتحت فمها أخيرًا.
“بانثيون سأل رئيسة القافلة إن كانت تعرف قلادة أوكلاند، فأجابته بأنها لا تعرفها. عندها بدأ بانثيون يصف لها شكل القلادة. وقال له: إن صادفتِ قلادةً بهذا الوصف، فاحرصي على الحصول عليها. آه، وطلب منها أيضًا….أن تجمع له الشائعات التي تدور عنه وعن ستيبان.”
“مـ، مهلاً قليلًا يا تينا. أعيدي ما قلتِه.”
“قال لها أن تجمع الشائعات عنه وعن ستيبان.”
“لا، ليس هذا. قلتِ أنه وصف شكل القلادة؟”
“نعم. فعل ذلك.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تهز رأسها بقوة.
“يا لها من قلادةٍ رائعة، فيها ياقوتةٌ بمئةٍ وعشرين قيراطًا، وزمردٌ وشيءٌ من هذا القبيل….”
التعليقات لهذا الفصل " 55"