كانت فيرفيتينا تمشي بهدوء، تخفّف وقع خطواتها إلى أقصى حد، حتى أنفاسها كانت تطلقها بحذر.
‘بالمناسبة….هل كان ستيفان أميرًا؟’
حين فكّرت في الأمر، تذكّرت لحظاتٍ كثيرة بدت غريبةً في السابق.
أصابعه حين فتح قربة الماء كانت مرتبةً بعناية، وطريقته في جمع يديه وهو واقفٌ باستقامةٍ كانت رصينة، وحتى صوت خطواته التي تتردد في الممر كان مريحًا للأذن.
أشياء صغيرة وتفاصيل تافهة، لكنها ما إن تقع في العين حتى لا تكفّ عن جذب الانتباه، مختلفةٌ كثيرًا عمّا توحي به الانطباعات الأولى.
‘كنتُ أظن أن الشعر الجديد الذي ينبت عند قمة رأسه أفتح من بقية شعره….لكن يبدو أن ذلك بسبب الصبغة.’
في الأيام القليلة الماضية، كانا فيرفيتينا و ستيفان يتبارزان بالسيف بعد العشاء.
و غالبًا ما كان ستيفان ينتصر، لكن الوقت الذي يستغرقانه للتناغم في القتال ازداد مقارنةً بالبداية.
كان ستيفان أحنّ مما توقعت.
فحين تجلس محبطةً بسبب ضعف مهارتها في المبارزة، كان يطوي قامته الطويلة التي تبلغ مئة وتسعين سنتيمترًا، ينزل إلى مستواها، يلتقي بعينيها، ثم يركع ويمد يده لها.
كانت فيرفيتينا ترغب في البقاء لتتبارز معه وقتًا أطول، لذلك كانت تتدرّب حتى ساعاتٍ متأخرة.
في الحقيقة، كانت عائدةً هذا المساء أيضًا بعد أن افترقت عن ستيفان، إثر تدريبٍ طويلٍ على السيف بمفردها حتى وقتٍ متأخر.
لولا أنها رأت، وهي تتحرّك بحذرٍ متفحصةً ما حولها، رئيسة قافلة هيليودور، ثم راحت تتعقبها….
هل كان يمكنها أن تنغمس قليلًا في هذه الرومانسية؟ هل لم تكن مضطرةً لأن تكبح هذا الشعور المتجه نحو ستيفان؟
من حيث المكانة، كانت فيرفيتينا ابنة بارون من الدرجة الدنيا. بل إنها الآن تخلّت عن ذلك بنفسها وخرجت لتصبح عامية.
ابنة بارونٍ متدنٍّ أو فارسةٌ متدرّبة من عامة الشعب، في الحالتين كانت مكانةً واطئة إلى حد لا يسمح حتى بالحلم بمستقبلٍ مع أمير.
وبطريقةٍ غريبة، داهمها حزنٌ خفيف، وأدركت في تلك اللحظة أن هذا هو الحب الأول، وأن عليها أن تطوي قلبها.
‘أفيقي! فيرفيتينا! الأمر المهم ليس هذا!’
كانت فيرفيتينا تضغط على شفتيها بقوة، ثم وسّعت عينيها.
وبعد أن تفحّصت المكان من حولها، انسحبت بسرعةٍ تفوق الجميع، وبحذرٍ شديد.
لتلتقي فورًا بأشخاصٍ قادرين على إشباع فضولها.
***
صرير….طَقْ طَقْ―
“ما هذا؟ يجب حقًا أن نصلح هذا الباب. كل ليلةٍ يرقص مع الريح رقصةً كاملة.”
تنهدت أداماس وهي تجفف شعرها المبتل أمام المدفأة.
بينما خرج سافيروس لتوه من الحمام، و نظر إلى أداماس وابتسم ابتسامةً خفيفة.
“ليست الريح. إنها ضيفة.”
“هاه؟ ضيفة؟”
تقدّم سافيروس بخطواتٍ واثقة نحو الباب، ثم فتحه بملامح هادئة،
“الوقت متأخر. ما الأمر؟”
“أوه! تينا؟ ما الذي جاء بكِ في هذا الوقت من الليل؟”
“القائد، ماس.….”
“نعم، تينا. تفضلي بالكلام.”
“هل بانثيون و ستيفان أميرين فعلًا؟”
“….كيف عرفتِ ذلك؟ على أي حال، ألن تدخلي أولًا؟”
“رأيتُ بانثيون يلتقي برئيسة قافلة هيليودور في وقتٍ متأخرٍ من الليل. وكانت رئيسة القافلة تنادي بانثيون بالأمير.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تفرغ شراب فول الصويا البارد الذي قدّمته لها أداماس دفعةً واحدة.
و ساد صمتٌ قصير. ثم طرقت أداماس الطاولة بأصابعها وسألت،
“إذاً، إن كان كلام تينا صحيحًا، فهذا يعني أن بانثيون و رئيسة القافلة تظاهرا عمدًا بعدم معرفة بعضهما؟”
“نعم، صحيح يا ماس. الاثنان كانا يعرفان بعضهما منذ البداية. كانت هناك إشاراتٌ واضحة.”
“إشارات؟ لا أظن أن شيئًا لافتًا حدث.”
“القائد وماس لم تكونا لتلاحظا ذلك. عند دخولنا الفناء الخلفي، أعني حين كان بانثيون يضايق ماس.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تلقي نظرةً خاطفة على سافيروس.
“تابعي.”
“حينها، ركض القائد صارخًا نحو المكان الذي كان فيه ماس وبانثيون، لذلك لم تريا، لكن رئيسة القافلة كانت نرتجف بما يكفي لأن ألاحظ ذلك وأنا إلى جانبها. وبما أنه ليس أول لقاءٍ لها مع ماس، فلا بد أنها تفاجأت حين رأت بانثيون.”
“ومع ذلك، تظاهرت بأنها تراه لأول مرةٍ وبدأت تثرثر بلا مبالاة؟”
“بالضبط، يا ماس.”
“همم، الآن بعد أن أسمع هذا، أظن أنني شعرتُ بشيءٍ غريبٍ أيضًا.”
قال سافيروس ذلك.
“وما هو، روس؟”
“تحية رئيسة القافلة الأخيرة.”
“التحية؟”
“تساءلتُ لمن توجّه تحيةً بتلك الأناقة والاحترام. و لو كانت موجهةً إلى بانثيون، فالأمر يصبح منطقيًا.”
“أفهم الآن. إذاً كلمات بانثيون الأخيرة لم تكن موجهةً إليّ.”
“كلماتٌ أخيرة؟”
“أتعلم، حين صاح قائلًا أنه يمكن للسيدة زيارة غرفته متى شاءت، وهو يشرح موقع الغرفة.”
فأومأت فريرفتينا برأسها عند كلام أداماس،
“أنا سمعتُ ذلك أيضًا. استغربتُ صوته المرتفع على غير عادته، لكنه كان منذ البداية موجّهًا إلى رئيسة قافلة هيليودور.”
في عينيها البنيتين الملبّدتين بالكآبة، تجمّعت الدموع دون أن تشعر.
وبينما كانت أداماس تتململ في مكانها، مدّ سافيروس إليها منديلًا بصمت.
عندها فقط أدركت فيرفيتينا أنها كانت تبكي.
“هيك! كان يجب أن أستمع إلى كلام ماس. مهما كان وسيماً، لم يكن ينبغي أن أنخدع بسهولة. هيك!”
“ماذا؟ تينا، عمّ تتحدثين؟”
“لا شيء. تفاجأتُ فقط. يبدو أنني أبكي عندما أُصاب بالصدمة. هيك! سيدي القائد، سأغسله وأعيده لكَ لاحقًا.”
“….احتفظي به.”
“لا، لا. سأغسله جيدًا وأعيده لكَ.”
قالت فيرفيتينا ذلك وهي تحشر المنديل الملطخ بأنفها على عجلٍ في جيبها.
“أنوي إخراجهم من هنا بأسرع ما يمكن، فلا تقلقي. والمنديل خذيه فحسب. أرجوكِ.”
“آسفة يا تينا. لم أستطع إخباركِ لأن الأمر كان خطيرًا بعض الشيء. لكنني لن أكذب عليكِ بعد الآن.”
وبينما كانت تنظر إلى سافيروس الذي يواسيها بصوتٍ جاد، وإلى أداماس الذي ارتسمت على وجهها ملامح اعتذارٍ باكية، صفعت فيرفيتينا خديها بكفّيها مراتٍ متتالية.
‘صحيح، لم آتِ إلى هنا فقط لأتأكد من هوية حبي الأول! تمالكي نفسكِ يا فيرفيتينا!’
“إذًا يا ماس، لديّ سؤال.”
“اسألي ما شئتِ يا تينا. لكن….ألا يؤلمكِ ذلك؟ وجهكِ أحمر.”
قالت أداماس ذلك بنظرةٍ قلقة.
“هناك ما هو أهم من خدّي!”
“ماذا؟ مستحيل. هل هناك ما هو أثمن من خدّ تينا؟”
فضحكت فيرفيتينا عند جديتها و أكملت،
“هل تعرفين قلادة أوكلاند؟”
“ماذا؟”
“قلادة أوكلاند.”
“كيف عرفتِ بها؟ لا، من أين سمعتِ بهذا الاسم؟”
“بانثيون طلب من رئيسة القافلة أن تعثر عليها. قال لها: ابحثي لي عن قلادة أوكلاند. لكنني لم أسمع بمثل هذه القلادة من قبل، فهل هي مشهورة؟”
‘لا، في الوقت الحالي….لا. لا يمكن أن تكون مشهورةً الآن. لماذا تظهر قلادة أوكلاند في هذا التوقيت.…؟’
ارتجفت عينا أداماس كأوراق شجر الحور، وكأنها لا تصدق ما تسمع.
“….ماس! أداماس؟!”
و عند صوت سافيروس القَلِق وهو يناديها، هزّت أداماس رأسها بعنف.
“آسفة، آسفة. نعم….القلادة تعود إلى أوكلاند أوكارينا، أول إمبراطورةٍ لفرانسيس، يا تينا.”
تابعت حديثها متظاهرةً بالهدوء، لكن دقات قلبها كانت تصمّ أذنيه.
“هل أخطأتِ؟ ماس، أليست الإمبراطورة الأولى لفرانسيس هي جلالة الإمبراطورة دانيا؟”
سألت فيرفيتينا وهي تميل برأسها، فأومأ سافيروس موافقًا.
“كلام تينا صحيح. اسم أوكلاند هذا، أسمعه للمرة الأولى.”
“آسفة. ربما كان عليّ أن أقول أنها عائلةٌ اختفت من كتب التاريخ. بل الأدق….أنها مُسحت عمدًا.”
شدّت أداماس زاوية فمها مبتسمةً بمرارة، ثم فتحت فمها ببطءٍ وهي تنظر إلى سافيروس وفيرفيتينا المذهولين.
“بعد نحو خمسين عامًا من الآن، في صيف العام 670 حسب التقويم الإمبراطوري، ستهطل أمطارٌ غزيرة غير مسبوقة.”
“ماذا؟ بعد خمسين عامًا؟”
“ما الذي تهذين به الآن؟”
فأوقفت أداماس تساؤلاتهما بصوتٍ حازم.
“تينا، روس. استمعا إليّ أولًا، ثم اطرَحا أسئلتكما.”
ثم أكملت،
“غمرت المياه أكثر من نصف العاصمة، وانهار البرج الشمالي الرئيسي لقصر فرانسيس بالكامل. الإمبراطور آنذاك، شيكستو فرانسيس، انشغل بمعالجة أضرار الفيضانات، وخلال تلك الفوضى….وقع اكتشافٌ يهزّ القرن بأكمله.”
في ذلك الوقت، أوكل الإمبراطور أعمال ترميم البرج الرئيسي الشمالي إلى شركاتٍ مدنية عبر مزادٍ علني.
وخلال عملية ترميم البرج، عُثر على هيكلٍ عظمي واحد ويومياتٍ كُتبت بالدم.
صاحبة اليوميات كانت تصف نفسها بأنها الإمبراطورة الأولى لفرانسيس.
و كانت تلك اللحظة التي طفا فيها الوجه الخفي للتاريخ المدفون إلى سطح الحقيقة.
***
بدأت إمبراطورية فرانسيس كدولةٍ صغيرة ناشئةٍ قامت على أنقاض دوقية بريميرا.
رُفعت راية “الإمبراطورية” اسمًا، لكنها لم تصبح إمبراطوريةً حقيقية بالمعنى الكامل إلا في عهد لايغر فرانسيس الثاني، أما قبل ذلك فكانت، وإن سُمّيت إمبراطورية، محدودة الحجم.
كان شوون، صائد الوحوش الشهير في دوقية بريميرا، يُلقّب بملك الأسد، ويُقال أن هذا اللقب أُطلق عليه لأن مشهده وهو يلوّح بشعره الأشقر البلاتيني ويقضي على الوحوش كان يشبه الأسد.
وبينما كان شوون يقضي على الوحوش ويُوسّع نفوذه، تحالف مع دوقة أوكلاند من دوقية بريميرا وأسس دولةً جديدة، وهي ما يُعرف اليوم بإمبراطورية فرانسيس.
أما الطرق الثلاث التي قيل إن القوة جاءتهم، فلم تكن سوى المكان الذي جمع فيه الرجلان قواتهما للتقدّم نحو قلعة بريميرا.
بعد أن قطع شوون رأس ملك بريميرا، تُوِّج إمبراطورًا، واتخذ دوقة أوكلاند، شريكته السياسية، إمبراطورةً له.
ثم انصرف بعد ذلك إلى محو كل السجلات المتعلقة بالمملكة السابقة، وانشغل بتقديس نفسه.
لو انتهت القصة هنا، لكانت نهايةً سعيدة مكتملة الأركان….
“لكن ما إن منح شوون دوقة أوكلاند تاج الإمبراطورة، حتى قام بسجنها في قمة البرج الشمالي لقلعة فرانسيس. ثم محا وجودها بالكامل، بحيث لا يظهر اسمها ولو بسطرٍ واحد في كتب التاريخ.”
“….هل هذا حقيقي؟ لماذا يفعل ذلك إلى هذا الحد؟ أكان لا يريد اقتسام السلطة؟”
سألت فيرفيتينا وعيناها متسعتان دهشة.
“هذا جزءٌ من السبب. وربما أدرك أيضًا، أثناء سعيه لتقديس نفسه، حقيقةً لا يريد مواجهتها: ما دامَت على قيد الحياة، فسيبقى هو الإمبراطور الذي صعد إلى العرش بمساعدة شخصٍ آخر.”
“ولِمَ يُعدّ ذلك مشكلة؟ لا أحد يستطيع أن يعيش وحده في هذا العالم.”
“يبدو أن شوون كان يطمح لأن يكون إمبراطورًا كاملًا لا تشوبه شائبة. في الواقع، كُتب ذلك صراحةً في يوميات الإمبراطورة أوكلاند. ‘كان شوون يزعم أنه ملكٌ كامل بلا نقص، لكنه في الحقيقة مجرد كومةٍ من عقد النقص المغلّفة بهوس الكمال.’”
“أكان ملك الأسد بهذه الشخصية فعلًا؟”
ساد ظلّ عميق وجه سافيروس، الذي كان يستمع بصمتٍ إلى الحوار. فقد كان يكنّ في داخله إعجابًا خفيًا بحكمة ملك الأسد وشجاعته.
“أمم….يا ماس، أعني….هل أنتِ أيضًا من نسل الأسد؟ مثل ستيفان؟”
“أتسأل إن كنتُ أملك البصيرة؟”
كانت أداماس تعضّ على شفتيها بقوةٍ حتى كادت تجرحهما.
‘هل أتوقّف هنا؟’
هل تدّعي أن قصة ما قبل خمسين عامًا كانت مجرد مزحة؟
لكن….من أجل تطوّر الإقليم في المستقبل، كان تعاون سافيروس وفيرفيتينا أمرًا لا غنى عنه.
لا بد من قول الحقيقة.
نبض قلبها بعنف، وانحدر عرقٌ بارد على طول ظهرها. و قبضت يدها ثم بسطتها مرارًا، ثم صفّىت أداماس حلقها ببطء.
“أنا….أتيتُ من المستقبل.”
_____________________
واااااااو ماتوقعت تعترف!!
توقعت بتماطل لين الفصول الاضافيه على الاقل بس خطوه حلووه
المهم فيرفيتينا ياحرام قلبوا كانت تحب ستيفان😔 هو بعد يحبها بس عشان مكانته لازم هو الي يبادر وخلك رجال
التعليقات لهذا الفصل " 54"