كان قد قال لها بعد ظهر اليوم أن بإمكانها المجيء متى شاءت. فنهض بانثيون من مكانه. وتقدّم ببطءٍ، و بحذر، وفتح الباب.
وكما توقّع، كانت الشخصة التي ينتظرها تقف هناك.
تراجع خطوةً وهو يشدّ شفتيه بصعوبةٍ ليكبح ابتسامةً ارتسمت عليه.
“كنتُ في انتظاركِ.”
قال ذلك وهو يُدخل المرأة الواقفة عند الباب إلى الغرفة. بينما انحنت خصلات شعرها القمحية الناعمة ببطء.
“أودور هيليوني. أتشرّف بلقاء سموّ الأمير الأول لفرانسيس.”
ذلك القدر من اللباقة، الذي لم يره قط في إقطاعية الماركيز، رسم ابتسامةً تلقائية على شفتي بانثيون.
“الوقت متأخر، لا أستطيع حتى تقديم كوب شاي.”
“أبدًا. مجرد استدعائكَ لي شرفٌ عظيم.”
“تفضّلي بالجلوس، يا بارونة أودور.”
قادها بانثيون إلى المقعد المقابل للطاولة التي كان يجلس إليها قبل لحظات.
منذ الظهيرة، كان بانثيون ينتظر هذه المرأة.
تعمّد التجوّل حول قصر الماركيز، وافتعل حديثًا مع أداماس، وأثار قدرًا من الجلبة، كي تضطر إلى المجيء والبحث عنه.
“هل كنتَ تقرأ كتاب حكايات؟”
“ليست حكايةً بسيطة.”
نقر بانثيون بأصابعه الطويلة الرفيعة برفقٍ على غلاف الكتاب الذي كان يقرأه.
مفترق طرق، وفوقه يقف أسدٌ ذو مخالب ذهبية، يظهر ظهره فقط.
كان الكتاب هو “حكاية الإخوة الثلاثة: الأسد الذهبي”.
فساد صمت قصير. وبينما كانت عيناها العنبريتان منخفضتين، تكلّم بانثيون.
“يا بارونة أودور، لديّ ما أودّ سؤالكِ عنه.”
“تفضّل بالأمر.”
“أريد معرفة أوضاع العاصمة.”
“لا يبدو أن هناك أمرًا غير اعتيادي.”
“….هاه، لا شيء غير اعتيادي؟ جلالة الإمبراطور!”
“بخير، ولا يعاني من أي وعكة.”
“هذا مستحيل.…!”
“سموك؟”
“آه، لا شيء. وماذا عن الأحاديث المتداولة حول الدوقة كريف؟ ألا توجد شائعاتٌ أخرى؟”
“كما تعلم، بعد وفاة زوجي، انسحبتُ من المجتمع الأرستقراطي.”
“….ومع ذلك، من تعمل بالتجارة لا يمكن أن تجهل الشائعات.”
بل لعلها أكثر الناس تحسّسًا لها.
قال ذلك وهو يمرّر نظره البارد على جسد هيليوني من رأسها حتى قدميها.
أودور هليوني. كانت زوجة البارون أودور آورو، المسؤول السابق عن الإدارة الاقتصادية في القصر الإمبراطوري.
كان آورو إداريًا من عامة الشعب، نال تقدير الإمبراطور ومنحه لقب النبالة الفردية بفضل كفاءته.
و قبل خمس سنوات، في صيفٍ ماطر، ذهب بنفسه لتفقّد موقع الفيلا الإمبراطورية الجديدة، فلقى حتفه في حادث عربة.
“كان البارون نزيهًا….لا بد أنكِ عانيتِ كثيرًا.”
فهي أصلًا زوجة إداريٍ من عامة الشعب نال لقبًا فرديًا، ثم تُركت وحيدة، وفوق ذلك لم يكن لديها مالٌ وفير.
اشترت حصانًا وعربةً بتعويض الوفاة الذي خلّفه زوجها. و بدأت بنقل البضائع لقاء أجر، ثم توسّعت لاحقًا إلى تجارة الجملة.
واليوم، أصبحت سيدة قافلةٍ تجارية قائمةٍ بذاتها.
‘كان يجب أن أدرك ذكاءها منذ زمن….منذ خمس سنوات، آنذاك….’
سأل بانثيون وهو يبتلع مرارةً خفيفة.
“وماذا يُقال عني وعن ستيفان؟ ألا تسمعين شيئًا؟ حتى إشاعةً صغيرة تكفي!”
أمام استعجاله الواضح، انتقت هيليوني كلماتها بحذر.
“الشائعات عن سموّ الأمير.…”
“لِمَ تتردّدين؟ تكلّمي بوضوح.”
“في تموز، انتشرت شائعةٌ قصيرة بأن حريقًا اندلع في قصر الأمير، وأن سموّ الأمير الأول أُصيب بحروقٍ منعته من المشاركة في الشؤون الرسمية.…”
“لكن؟”
“ظننتُها مجرد إشاعة.”
“ولماذا اعتقدتِ ذلك؟”
“لأن الآنسة فيور، ابنة الكونت، نفت الأمر.”
“ولِمَ هي بالذات!”
تُعدّ إقطاعية الكونت فيور من أجمل المناطق الطبيعية في إمبراطورية فرانسيس. تقع غرب الإمبراطورية، وتشتهر بالبحيرة التي تشكّلت بعد ذوبان الثلوج الدائمة في جبال فيور.
حتى في ذروة الصيف، لا تتجاوز الحرارة خمسًا وعشرين درجة، لذا كانت معظم القصور الصيفية للنبلاء هناك.
وكان بانثيون يزورها كثيرًا في عطلته.
وهناك تعرّف إلى الابنة الثانية للكونت فيور، فيور ليفيميا، التي كانت تُعدّ فعليًا حبيبته، حتى شاع أمرهما في الأوساط الاجتماعية.
“ما الذي تفوّهت به تلك الحمقاء بالضبط!”
“قالت أن سموّ الأمير الأول يقيم معها في الفيلا الإمبراطورية التابعة لفيور.…”
“تابعي.”
“وقيل أنها احمرّ وجهها في ميلاد دوق كريف الأخير، وهي تقول أن سموّك لا يتركها ليلًا ولا نهارًا.”
أمام إلحاح بانثيون، أجابت هيليوني بسرعة.
“فيور ليفيميا!”
فصرخ بانثيون وهو يطحن أسنانه بقسوة.
‘كانت قبل مدّة، و وجهها محمّر، تتدلّل وتسأل متى سيتم إعلان الخطوبة….ثم تجرؤ على طعني من الخلف!’
وأمام بانثيون الذي كان يرتجف غضبًا حتى كاد جسده كله يهتز، انحنت هيليوني بسرعة.
“أعتذر.”
“لا بأس. دعينا منّي. ماذا عن ستيفان؟”
كان هو و ستيفان مختلفين.
فبينما كان بانثيون، بصفته الأمير الأول، ينشط في الأوساط الاجتماعية ويزن بنظره بنات العائلات الرفيعة والموهوبات، كان ستيفان يؤمن بالرومانسية.
كان يقول أن القدر كفيلٌ بجلب اللقاء، وحتى يحين ذلك، لا بد من صقل النفس والجسد.
ذلك الفتى كان يدرّب قلبه وسيفه معًا.
“هل تعرف سيدةً تُدعى ميرلين إيانا؟”
“….لا، لم أسمع بها من قبل.”
“هي ابنة بارونٍ من إقطاعيةٍ صغيرة قرب أراضي كونت فيور.”
“وماذا عنها؟”
“قيل أن الآنسة ميرلين و سمو الأمير الثاني، قد خُطبا.”
“ماذا….ماذا قلتِ؟!”
“هكذا تتداول الأوساط الاجتماعية. يُقال أن الأمير الثاني التقى بها مصادفة حين جاء لقضاء العطلة في المصيف الإمبراطوري، وأُعجب بطبعها القنوع، فتحوّلا إلى عاشقين.…”
“هاه، هذا سخيف. تابعي.”
“يُقال أن عائلة ميرلين عائلةٌ بارونية فقيرة، ولذلك عارض القصر الإمبراطوري بشدة. فقام الأمير الثاني بقطع علاقته بالقصر، وأقام مراسم الخطوبة سرًا في إقطاعية ميرلين.”
في تلك اللحظة، بدأت قطعٌ كثيرة تتشابك في ذهن بانثيون.
‘أجل….هكذا إذن.’
وبعد أن رتّب أفكاره، فتح فمه.
“كما تعلمين، كنتُ أنا من يدير معظم شؤون الإمبراطورية الداخلية. وقد كنتُ مدينًا بالكثير لزوجكِ الراحل أيضًا. هذه المرة، أحتاج أن تساعديني.”
“وأي عونٍ يمكن لامرأةٍ مثلي أن تقدّمه؟”
“إن عدتُ سالمًا إلى القصر، فلن أنسى هذا الفضل.”
انزلقت نظرة هيليوني سريعًا إلى قدم بانثيون اليمنى، ثم ارتدّت.
‘هل سيتمكن حقًا من العودة وهو على هذه الحال.…؟’
ورغم ما دار في خاطرها، انحنت بوجهٍ هادئ مطيع.
فضل….؟ خلال خمس سنوات قضتها في عالم التجارة، كانت تعمل ليلًا ونهارًا بلا تمييز، لا تفكر إلا في النجاة وتأمين الربح.
ولهذا كانت تعلم جيدًا. أن مثل هذه القضايا لا يجوز التورّط فيها.
كان الخطر على الحياة واضحًا.
“أعتذر. كيف لي أن أجرؤ على تقديم أي عون؟”
عند كلماتها، احمرّ وجه بانثيون.
كانت هيليوني، في الواقع، قد رفضت عرضه صراحة. لكن حتى لو جُرح كبرياؤه، لم يكن بوسعه التفريط بهذه المرأة.
أمسك بانثيون جبينه النابض، وعضّ شفتيه بصمت.
‘ماذا عليّ أن أقدّم حتى تتبَعني؟’
في رأسه، توالت أشياء لا حصر لها قد تثير اهتمامها، ثم تلاشت.
وبعد لحظة، نطق بانثيون.
“ما رأيكِ بإعادة التحقيق؟”
“ماذا؟”
“كانت وفاة البارون أودور تحيط بها أمورٌ مريبة. كآثار كدمةْ على الرأس، كأنه ضُرب بشيء.…”
“….سموك. تلك آثار اصطدام الرأس عند انقلاب العربة في المطر.”
“انقلاب عربة؟ فيور تضم مصايف القصر الإمبراطوري وكبار النبلاء. لم تُعبّد الطرق هناك على نحوٍ رديء يجعل العربة تنقلب لمجرد هطول بعض المطر.”
“سموك!”
“أكنتِ حقًا تظنينها حادثةً عرضية؟ إذاً، لماذا طلبتِ قبل خمس سنواتٍ إعادة التحقيق والمساعدة في التشريح؟”
“ما الذي تريد قوله؟”
“زار البارون أودور فيور للإشراف على بناء المصيف الإمبراطوري الجديد. ومن الطبيعي أنه التقى بالكونت فيور.”
“وما شأن ذلك؟”
“ذلك المصيف الجديد كان هديةً من جلالة الإمبراطور إلى ابدوقة كريف. وعلى مدى خمس سنوات، اتخذت الدوقة ذلك ذريعة، فقضت وقتًا طويلًا في إقطاعية فيور. لا بد أن مصالح متبادلةً نشأت آنذاك بين ابكونت فيور و الدوقة كريف.”
“…….”
“ماذا لو أن زوجكِ لاحظ ذلك مصادفة؟ فتم التخلص منه بسببها.…؟”
“أنتَ تُبالغ في الافتراض.”
“إنه افتراضٌ فحسب. وأنتِ من طرحتِ هذا الافتراض قبل خمس سنوات.”
“…….”
كانت أودور هيليوني امرأةً حكيمة. لو أنه أصغى قليلًا حين لمّحت قبل خمس سنواتٍ إلى الشكوك المحيطة بموت البارون، لما آل به الأمر إلى هذا الحد.
“قبل خمس سنوات، ألم تغضب وتقل أن كلامي افتراضٌ خطير؟ ووصفتني بامرأةٍ تحمل أفكارًا مريبة!”
صرخت هيليوني، غير قادرةٍ على كبح غضبها.
‘آه، هذه الحدة….’
كان زوجها الراحل يوصيها دائمًا بالحذر. فوضعت يدها على جبينها وهي تلهث بأنفاس متقطعة.
“ولهذا أقول أنني أمنحكِ فرصةً لإعادة التحقيق. قد تكون الفرصة الأخيرة لمعرفة الحقيقة. أستتخلّين عنها؟”
اهتز جسدها أمام استفزاز بانثيون. مجرد استحضار وجه زوجها الراحل كان كفيلًا بأن يخنق أنفاسها.
لكن….ماذا عن هذا الرجل؟ ألن يكون موت زوجها، بالنسبة له، مجرد أداة لا أكثر؟
“لا يمكنني المقامرة بحياتي على احتمالٍ غير مؤكّد. حتى زوجي الراحل لن يتمنى ذلك.”
شدّت هيليوني على نفسها، وهي تحدّق في الرجل الجالس أمامها، وقد شبك ساقًا فوق ساقٍ بارتخاء.
“لقد مرّ أكثر من خمس سنواتٍ على وفاة زوجي. حتى لو نبشنا الجثة الآن، فلن يظهر شيء.”
“إن رغبتِ، سأجعل جميع من في فيور يركعون أمامكِ. كونت فيور نفسه، بل وحتى الأطفال الذين وُلدوا آنذاك. بالطبع، سيكون ذلك بعد عودتي سالمًا إلى القصر.”
“…….”
“فكّري بالبارون أودور الراحل.”
الزوج الميت.…؟
أغمضت هيليوني عينيها بهدوء.
كان زواجًا سياسيًا. لم تكن صفقةً عظيمة، مجرد اقترانٍ بين طرفين لا بأس بهما.
بارونٌ ذو لقب فردي، من أصول إدارية، وابنة نبيلٍ إقليمي لم يبقَ من اسمه سوى اللقب.
لم يجمعهما الحب، لكن جمعتهما الثقة.
و حتى الآن، كانت صورته الأخيرة تزورها في الأحلام. وجهٌ منتفخٌ إلى حد لا يُعرف معه ملامحه، وجسدٌ كأن عظامه كلها قد تكسّرت والتوت.
وذكراها، وهي تعانق جثةً بالكاد تصلح لأن تُسمّى جثة، وتبكي متوسلةً بالسماح بالتشريح، ما تزال حيّةً في ذهنها.
“ما دمتِ أصبحتِ تاجرة، فعليكِ أن تعرفي كيف تستمتعين بالاستثمارات الخطرة.”
أفاقت هيليوني من ذكرياتها على عرضٍ معسول، بلا شكل ولا جوهر.
‘لا تنخدعي يا هيليوني. هذا تلاعب بالألفاظ.’
الاستثمار الخطر الذي ينجح ليس تجارة، بل مقامرة.
لكن….
وحين رأى ترددها، تحدّث بانثيون،
“هل يكفي أن أُقسم أمام السيلف بأنني لن أخونكِ أبدًا؟ وأنني سأفي بوعدي لكِ مهما كان؟”
“….أحقًا؟”
أن يقسم مستخدم الأرواح على روحه المرتبطة، كان قيدًا صارمًا بالغ القوة.
فالعقد بين الروح وصاحبها لا يحتمل أي كذب. وإن نُقض العهد، فلن تعير الروح قوتها له بعد ذلك.
وبعد ترددٍ طويل، فتحت هيليوني فمها بصعوبة.
“ما الذي تريدني أن أفعله؟”
فارتفعت زاوية فم بانثيون،
“هل سمعتِ من قبل بعقد أوكلاند؟”
***
“إذاً، أتمنى لكِ ليلةً طيبة، يا بارونة أودور.”
أومأت هيليوني احترامًا لتحية بانثيون المهذبة. وما إن أُغلق الباب حتى غادرت المكان بخطواتٍ سريعة، خشية أن يراها أحد.
وفي نهاية الرواق الذي اختفت فيه، ظهرت ببطءٍ امرأةٌ نحيلة كانت تحبس أنفاسها.
“….أوف، كدتُ أُكتشف.”
كانت فيرفيتينا.
كان شعرها البني مرفوعٌ بإحكام، و ترتدي درعًا جلديًا ضيقًا للتدريب، وتمسك بسيفٍ خشبي بين يديها.
___________________
وناسه سمعت؟ يارب تعلم اداماس😂
المهم شقوم كل الشخصيات قصصهم توجع😭 هيليوني وزوجها مره يووجع حتى ماجابت منه عيال؟😔
الفصلين الي راحوا غريبين لا ماس ولا سافيروس
شكل المؤلفه بعد ماورتنا الرخص عند الورود قالت ونأخذ قسطاً من الرااحه
التعليقات لهذا الفصل " 53"