“إن توفي جلالة الإمبراطور وصاحب السمو الأمير الأول في الوقت نفسه….فمن أكثر من سيجني الفائدة؟”
“أتقصد أن من دسّ السم في كأس جلالته وفي كأسي….هو ستيفانوس؟!”
“نعم.”
“هذا هراء! أتريدون مني أن أعتقل الأمير لمجرد الظن؟ بل أخي الأصغر؟ هذا غير مقبول.”
“خلال فترة إغمائكَ يا سموّ الأمير، ظهرت أدلةٌ بالفعل.”
“أدلة؟”
“عُثر في غرفة سمو الأمير ستيفانوس على سمّ عقرب الشتاء من روفيانا. وكما تعلم….إنه سمٌ نادرٌ جدًا.”
أجاب شونغل بملامحٍ يملؤها الأسى.
“….تبًا.”
لماذا بالذات يظهر هناك؟
عضّ بانثيون على أضراسه بقوة.
“يجب أن تقبضوا على صاحب السمو الأمير الثاني فورًا.”
تبًا!
كان ستيفان الآن موضعَ شكّ بأنه دسّ السم في كأس جلالته. ولو وقف بانثيون إلى صفّه هنا، فقد يُشتبه به هو أيضًا كقاتلٍ للإمبراطور بالسم.
ويا للمفارقة….سمّ بهذه الندرة التي يصعب الحصول عليها….لا، بل لهذا السبب بالذات استُخدم.
فمنذ شتاء العام الماضي كان ستيفان هو من تولّى التجارة الدورية مع مملكة روفيانا.
لقد رفض بإصرار قائلًا إن الأمر فوق طاقته….لكن بانثيون هو من حمّله المسؤولية بالقوة.
“لدي الكثير من شؤون الحكم….ساعدني.”
وبتلك الجملة الواحدة، ورغم أنه عبس بضيق، قبل أخوه الأصغر تلك المهمة الثقيلة.
أما التجارة الدورية مع روفيانا فلم تكن سوى أربع مراتٍ في السنة لا أكثر. ومع ذلك….كانت هناك عمليات تهريبٍ لا يمكن تخيّلها تتم تحت جنح الظلام.
والحقيقة أن من تغاضى عن التهريب عمدًا، من حيث لا يشعر الناس….كان القصر الإمبراطوري في فرانسيس. بل تحديدًا….جلالة الإمبراطور نفسه.
لأن الهدف الأبرز للتهريب كان ألماس روفيانا الجبلي.
“أليس هذا حجر ميلادها؟”
هل يُعقل أن يُغمضوا أعينهم عن التهريب فقط من أجل ألماسٍ سيقدَّم لها؟
ليت الحب يبقى شأنًا شخصيًا….فما ذنب من حوله ليُنهكوا هكذا؟
نقر بانثيون بلسانه بضيقٍ وهو يعضّ على شفتيه الجافتين.
“أما جلالة الإمبراطور.…”
“لم يستعد وعيه بعد.”
“حسنًا….اعتقلوا الأمير الثاني أولًا.”
“نعم، يا سمو الأمير بانثيونوس.”
“لكن التحقيق يجب أن يكون دقيقًا بلا ثغرة.”
“أيوجد شكٌ في ذلك؟”
“يمكنكَ الانصراف.”
“نعم، سموّك. تفضل بالراحة.”
هزّ بانثيون رأسه وهو ينظر إلى شونغل الذي رفع زاوية فمه وأدى التحية.
حتى تلك اللحظة….كان بانثيون يظن أن ستيفان سيُطلق سراحه قريبًا.
لكن الأمور لم تسر كما أراد. فلم يعثروا على الجاني الحقيقي فحسب….بل كان من الصعب حتى إيجاد مشتبهٍ به مناسبٍ غير ستيفان.
كل من أثار الشك….كان لديه عذرٌ واضح.
“وماذا عن الأمير الثاني؟”
“إنه في السجن تحت الأرض. لم يعترف بعد، لكنّه سيتقيأ الحقيقة قريبًا.”
“مهما كانت الأدلة….كيف تجرؤون على حبس الأمير الثاني في السجن تحت الأرض؟!”
قال بانثيون ذلك وهو يضرب صدره من شدة الاختناق.
ستيفان لم يكن أبدًا شخصًا قادرًا على إيذاء أحد. كان لطيفًا إلى حد أن خادمات القصر كنّ يلقّبنه: “الأمير الطيب….لكنه ساذجٌ قليلًا.”
“لقد مضت ثلاثة أيام. لا….لا يمكن. سأُخرج ستيفانوس الآن حالًا.…”
وفي اللحظة التي كان سيأمر فيها بإطلاق سراح ستيفان فورًا من السجن تحت الأرض….
“سمو الأمير بانثيونوس. وصلت رسالةٌ من القصر الإمبراطوري.”
تسلّم بانثيون وثيقةً رسمية مختومةً بالختم الإمبراطوري. وكان مضمونها أمرًا ملكيًا بإعدام الأمير ستيفانوس فورًا، لأنه وضع السم في كأسه.
“لا يمكن أن يكون هذا أمر جلالته. عليّ أن ألتقي به حالًا.”
وبخطواتٍ مسرعة، اتجه إلى القصر الإمبراطوري.
“لا يمكنكم مقابلته.”
“ابتعد! بأي حقٍ تمنعني؟!”
صرخ بانثيون وهو يدفع كبير الخدم الإمبراطوري جانبًا.
“لقد أصدر أمرًا بألا يُسمح لأحدٍ بالدخول.”
“قلتُ أنني يجب أن أراه حالًا!”
“سمو الأمير بانثيونوس.”
اعترض كبير الخدم طريقه مرةً أخرى، وهو يهزّ رأسه، بينما كان بانثيون يمد يده نحو مقبض الباب بعد أن دفعه.
“….سموّك. في الحقيقة….الدوقة موجودةٌ في الداخل الآن.”
“….ماذا قلتَ؟”
“ارجع إلى قصر الأمير يا سموّك.”
ما إن أومأ كبيرُ الخدم برأسه، حتى أمسك الفرسان بذراعي بانثيون من الجانبين.
“لا….لا تفعلوا! اتركوني! جلالة الإمبراطور! جلالة الإمبراطور! ابنُك الثاني….الأمير الثاني للإمبراطورية الآن في السجن تحت الأرض! هل تسمعني؟! جلالتكَ، كيف تأمرني بأن أقتل ستيفانوس؟!”
وهو يُسحب نصف سحبٍ في طريقه إلى القصر الإمبراطوري….
“هاهاها.…”
انحنى بانثيون من شدة الضحك.
كانت دموعه تسيل….ومع ذلك كان يضحك.
أن يستيقظ جلالته….فلا يبحث أولًا إلا عن محظيّته!
يا جلالة الإمبراطور….بينما أنتَ غارقٌ في أحضانها، هل تعلم ما الذي يمرّ به ابنُكَ؟
ابتلع بانثيون غضبه المتأجّج بالقوة، وجرّ قدميه اللتين لا تكادان تتحركان….نحو السجن تحت الأرض، حيث يُحتجز أخوه منذ ثلاثة أيام.
“اعترف بجريمتكَ فورًا! أنت من دسّ السم في كأس جلالته وكأس سمو الأمير الأول بيديك!”
“آآآآه!”
“هل ستعترف بخطئكَ إن قُطعت تلك اليد الشريرة؟!”
“توقف! توقف….آه!”
ما إن دخل بانثيون السجن تحت الأرض، حتى كان أول ما سمعه صوت شونغل العالي وهو يستجوب سجينًا.
ثم تلاه صراخٌ يمزّق السماء….كان صراخ أخيه.
“ستيفانوس!”
اندفع بانثيون راكضًا. ورأى أخاه….و جسده غارقٌ بالدماء، ومعلّقًا بسلاسل في الهواء لا يستطيع الحركة.
“ما هذا الذي تفعله؟ يا شونغل!”
“نستجوب مجرمًا ارتكب الخيانة. آه، صحيح….هناك أمرٌ ملكي. هل ستقوم بالأمر بنفسكَ يا سمو الأمير؟”
كانت آثار التعذيب واضحةً على جسد ستيفان المتهالك وهو يئن. وعلى وجه الخصوص، كان الدم المتدفق من ذراعه اليمنى يبلّل أرض السجن حتى ابتلّت تمامًا.
“أه….أأه….أ-أخي.…”
وفي اللحظة التي رأى فيها بانثيون ستيفان يرفع رأسه بصعوبة، دون أن يقدر حتى على فتح عينيه، مستجيبًا لصوته….أطلق بانثيون صرخةً وحشية وسحب سيفه.
“تجرؤ.…! تجرؤ على الأمير الثاني للإمبراطورية؟!”
“أوه….ما هذا.…!”
رفع سيفه وطعن بطن شونغل. فأمسك شونغل بطنه بسرعةٍ وتراجع مترنّحًا إلى الخلف.
ولم يمنحه بانثيون حتى نظرةً واحدة، بل تمتم بسرعة بتعويذةٍ واستدعى السيلف.
“سيلف! اقطعي السلاسل حالًا!”
“….أ-أخي…”
“لا تتكلم. لنخرج أولًا لتتلقى العلاج.”
وما إن هبط جسد ستيفان إلى الأرض، حتى حمله بانثيون على كتفه فورًا.
كان غضبه يصعد حتى قمة رأسه، لكنه كان يعضّ عليه ويبتلعه قسرًا، وهو يسرع في خطواته.
وبمجرد أن خرج من السجن تحت الأرض….أحاطت به مجموعةٌ من الفرسان.
دروعٌ فضية، وفي منتصفها شعار أسدٍ ذهبي. إنه فرسان الحرس الإمبراطوري الذين تفخر بهم فرانسيس.
“مـ-ماذا….ماذا تفعلون؟!”
“ازجّوا الأمير الأول بانثيونوس والأمير الثاني ستيفانوس في السجن تحت الأرض بتهمة الخيانة.”
كان شونغل، وهو يرتدي درعًا ملطخًا بالدم، يصدر أوامره من بينهم.
“اتركوني! كيف تجرؤون على لمس جسدي؟!”
تأرجح جسد بانثيون تحت قبضة فرسان الحرس الإمبراطوري القاسية.
وبينما كان ينظر إلى ستيفان الذي فقد وعيه وسقط على الأرض….عضّ بانثيون على شفتيه.
هناك شيءٌ خاطئ. لا يمكن أن يصدر أمرٌ إمبراطوري بهذه السرعة لمجرد أنه طعن فارسًا واحدًا.
بل….خيانة؟! لم يكن لدى بانثيون أي سببٍ ليفعل ذلك.
فهو الأمير الأول للإمبراطورية….الرجل الذي سيصبح إمبراطورًا يومًا ما، وهذا أمرٌ بديهي.
وهنا….أدرك بانثيون أخيرًا. أن من أمره بقتل ستيفان….لم يكن جلالة الإمبراطور أصلًا.
“الأ-الأمر الإمبراطوري مزوّر….اتركوني! يجب أن نكشف الفاعل بسرعة!”
“ماذا تنتظرون؟ اجعلوه يركع.”
“كحّ….!”
توالت الركلات الوحشية بلا رحمة. و التوى كاحل بانثيون الأيمن بالكامل.
ورغم إذلاله وإجباره على الركوع، واصل بانثيون التأكيد بلا توقفٍ على براءته.
“أفيقوا جميعًا. هناك من يعبث بختم الإمبراطور. يجب كشف ذلك أولًا.”
لكن لم يُصغِ أحدٌ إلى كلماته.
“هل انتهى بالفعل الاستيلاء على القصر الإمبراطوري؟ من الذي دبّر هذا كله بحق؟!”
“يبدو المكان صاخبًا بعض الشيء، يا شونغل.”
ثم ظهر أمام بانثيون، المذعور، دوق كريف.
“آه، سمو الدوق.”
انحنى شونغل له مؤديًا تحيةً تليق بالإمبراطور.
“أيها الوغد! تجرؤ على مخاطبة من بهذه الطريقة— كُهَه!”
ركل شونغل بانثيون في بطنه. و لم يستطع بانثيون حتى إطلاق صرخة، واكتفى باللهاث بأنفاس متقطعة.
التعليقات لهذا الفصل " 52"